كشفت فعاليات ورشة البحرين الاقتصادية التي عُقدت على مدى يومين، عن انفصال الإدارة الأمريكية عن الواقع السياسي العربي، والانحياز التام للصهاينة الذي أعمى أعين الإدارة الأمريكية، وجعلها تنساق وراء أحلام طغاة العرب الذين يتوددون للصهاينة للإبقاء عليهم في كراسيهم، التي يتوقع مراقبون أن تهزها ثورات الشعوب في الفترة المقبلة.

وعلى مدار يومين من الاستعراض الباهت لمستشار ترامب، كوشنر، انكشفت العديد من الأوهام والأطروحات غير المنطقية التي باتت تبتعد عن لب القضية والصراع والحق الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة على أرضه المحتلة.

وبات الانتصار الأوحد هو تعزيز التطبيع الصهيوني مع بعض الدول العربية، كما في البحرين والسعودية ومصر والإمارات.

وعبّر مؤتمر البحرين عن تخبط الولايات المتحدة الساعية لفرض خطة إملاءاتها لتصفية القضية الفلسطينية، لكن من دون امتلاكها القدرة على تحقيق ذلك أو الاعتراف بفشلها، في ظل انفصال تصورات فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الواقع وابتعاده عن أصل الصراع، والانحياز المطلق للاحتلال وتجاوز حلّ الدولتين، مقابل الغرق في مجموعة من الأوهام بإمكانية إجبار الفلسطينيين على الانصياع للمخططات الأمريكية والقبول بمبدأ الرشاوى المالية للتنازل عن الحقوق.

وبعد الضغط الأمريكي على دول عربية عدة للمشاركة في المؤتمر بعد المقاطعة الفلسطينية واللبنانية والعراقية، وهو ما تجلى بتفاوت مستوى التمثيل العربي، افتُتح المؤتمر، الثلاثاء، بخطاب مليء بالمفارقات والتناقضات والتخبط ألقاه مستشار الرئيس الأمريكي وصهره، جاريد كوشنر، على مسمع مسئولين عرب وأجانب جاء بعضهم ليكتفي بمعرفة ما ترغب به الولايات المتحدة، والتي تريد من الدول الخليجية أن تمول الصفقة التي تريد تطبيقها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من خلالها يتم إجبار الفلسطينيين على التنازل عن حقوقهم في الأرض مقابل بضع مليارات لا تساوي ثمن صفقات الأسلحة التي أبرمها ترامب مع عدد من دول الخليج منذ وصوله إلى الحكم. في حين أن البعض الآخر حضر الورشة لينظّر من خلال ما أظهرته الجلسات لكيفية تحقيق السلام تحت الاحتلال وتوسيع نفوذ المحتل على حساب أصحاب الأرض، فحضرت مقترحات مثل منح كل شاب فلسطيني 5 آلاف دولار "لتحقيق أفكاره"، ومثل التركيز على الموسيقى والرياضة، والاقتداء بنموذجي سنغافورة وموزامبيق.

سخرية عالمية

ولخّصت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية ما جرى بالقول، إنه من الصعب استذكار مبادرة دبلوماسية أمريكية لاقت تهكما وسخرية بالقدر الذي تلاقيه ورشة صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعنوان "السلام من أجل الازدهار"، مشيرة إلى أنها تمثّل "كل ما هو خطأ في مقاربة البيت الأبيض للسلام في الشرق الأوسط". كما ذهبت صحيفة الغارديان إلى الاستنتاج نفسه، واصفة خطة كوشنر بأنها "مسرحية هزلية"، تستحق "الاستقبال الساخر" الذي لاقته.

فبعقلية رجل الأعمال والأرقام تناسى كوشنر وجود كيان محتل، حاول تبرير إصراره على الترويج للشق الاقتصادي من خطة الإملاءات وتقديمه على المسار السياسي الذي يعد أساس أي حل. فمن جهة تحدث كوشنر عن أن "التوافق حول مسار اقتصادي شرط مسبق ضروري لحل المسائل السياسية التي لم يتم إيجاد حل لها من قبل"، لكنه سرعان ما ناقض نفسه واعترف بما كان يحاول إنكاره لجهة أن "النمو الاقتصادي والازدهار للشعب الفلسطيني غير ممكنين من دون حل سياسي دائم وعادل للنزاع، يضمن أمن إسرائيل ويحترم كرامة الشعب الفلسطيني!".

أما حديثه عن عدم خذلان الفلسطينيين بعد كل مظاهر الانحياز للاحتلال، بدءا من الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، والترويج للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وقطع المساعدات الأمريكية للفلسطينيين، والحصار المالي على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" لمحاولة تصفية حق العودة، وهو ما يؤكد الترهات الأمريكية حول سلام عاجل ينحاز للجاني على حساب الضحية.

فضيحة للمشاركين

فيما أقر عن غير قصد بفضيحة الورشة بقوله: "استطعت جمع الناس الذين يرون الأمر مثلما أراه، وهو أنه مشكلة يمكن حلها اقتصاديا". وتابع تبريراته بالقول "اعتقدنا أن من المهم طرح الرؤية الاقتصادية قبل الرؤية السياسية؛ لأننا بحاجة لأن يرى الناس كيف يمكن أن يكون المستقبل".

كذلك كرر نفس اللازمة بأن "الباب لا يزال مفتوحا أمام الفلسطينيين للانضمام إلى الخطة"، متهما السلطة الفلسطينية بالفشل في مساعدة شعبها. وأضاف "لو أرادوا فعلا تحسين حياة شعبهم، فإننا وضعنا إطار عمل عظيم يستطيعون الانخراط فيه ومحاولة تحقيقه". وأضاف كوشنر أن الإدارة الأميركية ستبقى "متفائلة".

ولم يكن مضمون حديث كوشنر، الذي جمع حوله في الورشة كل من يؤيد رؤيته فقط، بعيدا عما قاله مسئولون ماليون ومستثمرون دوليون، إذ بدوا وكأنهم يكررون عبارة واحدة عنوانها "الاستقرار والأمن مهمان لنجاح الخطة".

مهازل خلال الورشة

ومن ضمن المهازل التي رصدها المراسلون الأجانب، تساؤل مدير الجلسة لشوارتزمان ورجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، حول ما الذي يمكن أن يشعرهما بالاطمئنان للاستثمار في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، مشيرا إلى أنّ أيا منهما لم يذكر التفاصيل البسيطة للاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من نصف قرن.

كذلك، حديث مديرة صندوق النقد الدولي، كريستين لاغاراد، أمس، والتي تحدّثت "عن دروس من موزامبيق يمكن تقديمها إلى فلسطين"، من دون تقديم إيضاحات حول المقصود. وفي السياق أشارت لاغارد إلى أن للفلسطينيين إمكانات اقتصادية كبيرة لا يمكن تحقيقها إلا بإصلاحات اقتصادية، والتي يجب أن تشمل جهودا جادة لمكافحة الفساد. وأضافت أن تلك الأمور ضرورية لتحقيق "سلام مرضٍ"، متوقفة عند غياب عنصر السلام في المبادرة.

وأيضا ما قاله الملياردير توم برّاك، الذي وصف بأنه الممول اللبناني-الأميركي المراوغ الذي ساعد في تقديم كوشنر إلى حكام الخليج. وقال الأخير "لقد كان العرب دائما سيئين في الترويج لأنفسهم".

وفي السياق ذاته، جاءت إجابة لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، خلال إحدى الجلسات، عندما سأله مدير الجلسة عن زيارته إلى فلسطين في وقت سابق، قائلاً "أخبرنا كيف يعيش الشعب الفلسطيني؟". ليجيب إنفانتينو "حسنا، ذهبت كسائح، وكنت هناك فقط لمدة يوم ونصف اليوم. لكن يبدو أنّ الناس هناك يحبون الرياضة والموسيقى".

ولم تتوقف حدود المهزلة عند هذا الحد، إذ إنه، بعد ثلاث جلسات، كان المتحدثون فيها جميعهم من الرجال، قرر المنظمون أخيرا تخصيص جلسة تضم النساء للحديث عن الحاجة إلى دورهن. لكن اللافت أن الاستماع إلى حديث حول ما إذا كان الأزواج المصريون يعترضون على عمل زوجاتهم كسائقات لصالح خدمة سيارات الأجرة "بينك تاكسي"، وهو أمر مثير للاستغراب من طرح موضوع كهذا، وعلاقته بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وبحسب مراقبين غربيين، فقد أبعد مؤتمر البحرين السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أكثر من أي وقت مضى، وأن ورشة البحرين ستذهب إلى مزبلة التاريخ.

من جهته، كتب مارتن شولوف، في صحيفة "الجارديان" البريطانية، أنه "لم يكن في تاريخ خطط السلام للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والذي يستحق الرثاء، خطة تحمل هذا القدر الضئيل من الأمل بنجاحها"، في إشارة إلى التوقعات المنخفضة بقدرة كوشنر على تمرير خطته. ورأت الصحيفة أنه "بينما يعتلي كوشنر المنصة في البحرين لطي صفحة، في الحقيقة، لعقود من عقيدة البحث عن حل للصراع، يبدو الحل اليوم بعيداً أكثر من أي وقت مضى".

وأضافت أن اقتراحاته وضعها متشددون أزاحوا كتاب القوانين، وكتبوا وصفتهم الخاصة التي تخدم مصالح الجناح اليميني المتشدد في إسرائيل.

Facebook Comments