تداول عدد من رواد التواصل الاجتماعي آخر ما كتبه المهندس “أشرف محمد محمد قنديل”، ابن مدينة بورفؤاد ببورسعيد، والذى استُشهد داخل سجون العسكر، فى 8 أبريل الماضي، عن عمر يناهز 52 عامًا؛ نتيجة للإهمال الطبي الذى تعرض له منذ اعتقاله فى أكتوبر 2013، عقب الانقلاب العسكري الدموي الغاشم.

وكانت أسرته، قبل أن يرتقي شهيدًا، قد وجّهت عدة نداءات استغاثة لإنقاذ حياته بعد منع العلاج عنه؛ حيث كان يعاني من اضطرابات ونزيف بالجهاز الهضمي؛ نتيجة ما يتعرض له من إهمال طبي، ورفضت إدارة السجن السماح له بإجراء الفحوصات اللازمة لحالته الصحية، والتي تساعد في التعرف على أسباب معاناته وتوفير ما يحتاجه من علاج.

ومِثل الآلاف من الذين ازدحمت بهم السجون والمعتقلات في زمن الانقلاب، يعد المهندس أشرف قنديل نموذجًا مشرفًا لأهله وعائلته ووطنه، لم يعرف عنه سوى المبادرة في الخيرات، والعمل الدءوب في خدمة الوطن عبر كل المنافذ التي أتيحت له، كما كان مبتسمًا مرحًا لا يعرف العبوس إليه طريقًا.

وجاء فى مقاله.. (على فترات متباينة تعلو أصوات من هنا أو هناك تدعو القوى السياسية المعارضة للانقلاب إلى إعلاء المصلحة العليا للوطن، وليتنازل كل منهم وليتراجع خطوة أو خطوات إلى الخلف من أجل إنقاذ الوطن مصر.

هؤلاء يعزفون على أوتار قلوب كل مصري يحب مصر ويضحي من أجلها بكل ما يملك، على ذلك تربّينا منذ الصغر في بيوتنا قبل مدارسنا، فهل هناك مصلحة حقيقية في إضفاء الشرعية على ذلك الانقلاب؟

من الواضح لصاحب كل عين أن الانقلابيين حاولوا معالجة أزمة البلاد بالديون، وكلما أرادوا أن يظهروا كفاءة أعلنوا عن مشروع جديد يتم تمويله بديْن جديد، ولمّا غاصوا في وحل الديون وشروطها اتجهوا إلى التنازل عن الحقوق في ترسيمٍ للحدود وبيعٍ للأرض مباشرة كما في الجزيرتين، أو في قبول شروط مجحفة للديون تضر بالطبقات الفقيرة والمتوسطة لصالح قلة من أصحاب الأموال والسلطة على حساب الأجيال القادمة.

وما حدث بالفعل وما تم توقيعه أكبر بكثير مما تتحمله أي حكومة وطنية في مصر، أو يقبله أى مصرى، وكل هذه التنازلات وقعها عن الأمة مغتصب منقلب لا شرعية له، وقد أعلن مجلس الشورى المنتخب في أول انعقاد له بعد الانقلاب، عدم مسئولية الشعب المصري عن أى من الاتفاقيات او المعاهدات التى يوقعها الانقلاب وسلطاته غير الشرعية، وسمع العالم كله ذلك، والأمل للشعب المصرى هو في تمسكه بذلك الإعلان لإعادة مفاوضة كل الأطراف فيما وقّعه الانقلاب دون الدخول تحت طائلة القانون الدولي.

أما هؤلاء الذين يرون في توحيد الجهود واصطفاف أبناء الأمة فرصة لإنقاذ الوطن، فهم يجهلون واقع ما وصل إليه الانقلاب، أو أنهم مخدوعون بدعاية يريد أصحاب المصالح بها إضفاء شرعية على ما تم من تنازلات تحت ستار المصالحة من أجل المصلحة العليا، وهى في الحقيقة خسارة كبرى.

والآن بعدما تبين لنا أنه لا مصلحة حقيقية للوطن في المصالحة، بل إنها خدعة كبرى، فقد تتفق معى أنه قد حان الوقت لإغلاق ذلك الملف، والإعلان عن أننا لن ننخدع بتلك الدعوات وإن أطلقها أصحاب النوايا الحسنة، ولنا فيما حدث لمن قبلنا عظة.

إلا أنني وتأكيدًا للفكرة ودفعا للتساؤلات، أود أن أوضح بعض التنازلات التى على تلك القوى السياسية المعارضة للانقلاب أن تقدمها باسم الشعب إذا أرادت المصالحة مع الانقلاب:

أولًا: الانتحار السياسي بالتراجع المبدئي، فقد ظلت تلك السنوات تدعو أبناء الأمة لمقاومة الانقلاب والصمود في وجهه، على أساس أن الأمة قد أقرت دستورًا وانتخبت مجلسًا نيابيًّا واختارت رئيسًا في انتخابات حرة، فجاء الانقلاب وأهدر كل ذلك دون العودة إليهم، وهذا هو المبدأ الذى تستمد منه تلك القوى الحياة حتى اليوم، فإن تراجعت عن ذلك المبدأ الذى تجمع عليه المصريون المعارضون للانقلاب، تفجّرت قوى الأمة وتشتت وتلاومت فضعفت أمام الانقلاب.

ثانيا: على تلك القوى المشاركة غسيل أيدى القتلة من دماء الشهداء وضياع حقوقهم، فلا يظن أحد أن يقبل قادة الانقلاب بأن يُحاكموا على جرائمهم وأن يساقوا للقصاص، وسيكون من أهم شروطهم تسوية قضية الدماء، وعلى هؤلاء الذين يقبلون بالمصالحة أن يتنازلوا عن حقوق أولياء الدم مقابل تعويضات تصل لبعضهم يقبلها أو لا يقبلها، فهل تتحمل تلك القوى ذلك العار أمام الأمة والعالم، بل أمام الله تعالى؟

ثالثا: لن يقبل أصحاب المصالح والدائنون من الانقلاب أن يتصالحوا مع تلك القوى دون إضفاء الشرعية على ما تم من اتفاقيات دولية، وبذلك تكون تلك القوى قد شاركت فعليًّا في جريمة بيع الوطن والتنازل عن إرادته، وإقرار كل ما سبق، فهل يتحمل أحد ذلك؟ وهل هناك حلٌ لإنقاذ الوطن لو أُقرت تلك الجرائم التى لا حل لها– كما قلت– إلا باقتلاع الانقلاب من جذوره، والتأكيد على أن ما بُنى على باطل فهو باطل، والدخول بعد ذلك في مفاوضات مع تلك الأطراف لتعديل الشروط المجحفة أو استعادة الحدود والجزر المتنازل عنها.

ذلك بعض ما يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند النظر إلى تلك الدعوات.

بقيت مصلحة واحدة– وهى معتبرة– ولكنها تتعارض مع المصلحة العليا للوطن، تلك المصلحة هى المطلب الذى يقدم به دعاة المصالحة دعوتهم أو يذيلوها بها، وهى الإفراج عن المعتقلين  وتبييض السجون من السياسيين، وهو الوتر الحساس الذى يلمسه أولئك الدعاة في قلوب مئات الآلاف من الآباء والأمهات والزوجات والأبناء والبنات، وحتى قلوب الأسرى أنفسهم، وقد عانوا مما لا يطيقه بشر، والأمر فيه تلبيس كبير.. بالفعل قد صدرت أحكام بالإعدام والسجن مئات السنين على المئات، وما زال عشرات الآلاف في المحاكمات الظالمة عرضةً لتلك الأحكام المجحفة، وقد يرى البعض أنه لا مخرج لهم إلا بالعفو الرئاسى، والذى يتطلب من البداية إدانتهم وإصدار الأحكام ضدهم، أو في المصالحة التى ستتطلب منهم الاعتذار عما بدر في حق الوطن، وهو اعتراف بجرائم لم ترتكب، ولن أخوض في تفاصيل ذلك، فالكل يعلمونه، ليس في مصر وحدها ولكن في العالم كله، يكفينا تعليق والدة المواطن الإيطالي الذى قتل في مصر إذ قالت في البرلمان الإيطالي: ”قتلوه كما لو كان مصريًّا”!.

إننى أقول وعلى لسان قدرٍ معتبر من الأسرى، إننا لن نكون نقطة ضعف الأمة، أو شوكة في خصر من يقاوم الانقلاب من أحرار مصر، ولا ورقة يُساوم عليها، نموت في السجون وتبقى مصر حرة، وشعبها مرفوع الرأس.

أما من ضعُف ووقع مُصالحة، خاصة مع الأمن واعترف فيها بما لم يرتكب من جرائم، فكان نصيبه العزل في عنابر خاصة والمعاملة أقرب إلى الجنائي منه إلى السياسي، وكل ذلك على أمل العفو.

إننا نرجو العفو من الله تعالى، فلا تهنوا ولا تضعفوا بسببنا، بل تقووا في وجه الانقلاب بصمود أهلنا وصبرنا، والله المستعان على ما تصفون).

Facebook Comments