كتب سيد توكل:

"مصر فيها وظايف بالعبيط في الكهربا والسباكة والنجارة بس أنت قاعد تزرب في العيال"، عبارة رددها الإعلامي عمرو أديب في برنامجه، ما جعل مراقبون يؤكدون أن أديب هو أمهر إعلاميي الانقلاب، مع ملاحظة الفارق بين المهارة والمهنية، لدرجة أنه يجب على السفيه السيسي أن يؤمّن على حياته.

من جانبها قالت الناشطة ميرفت رمضان: "ما فيش أوسخ من الشبعان اللي بيوعظ الفقير انه يتحمل ألم الجوع".

بينما قال مجدي كمال: "بياخد 3 مليون في الشهر وملياردير وبيطالبك تاكل رغيف واحد في اليوم كله"، مضيفًا: "ادعوا عليه يا جماعة ده ملياردير قادر ربنا ياخد المعرضين كلهم".

جزمة بالتقسيط!
تأتي عبارات "أديب" المبررة لسياسة السفيه السيسي والتي أغرقت مصر في قاع الفقر، في وقت يشاهد فيه المصريون إعلانات تقول «قسّط زيت عربيتك على ست شهور بدون فوائد»، «قسّط ثمن حذائك»، «قسّط عجلتك»، وقائمة طويلة من السلع التي تشملها خدمات التقسيط أصابت الكثيرين بذهول، فالصورة الذهنية عن البنك وأقساطه لطالما ارتبطت بالسلع الضخمة، من سيارات وشقق وفيلات، لذا ربط كثيرون بين الخدمات المعلنة وضياع مصر وفقر أهلها على يد الانقلاب.

المواطن "أحمد جاد" توقف كثيراً أمام إعلان للبنك الأهلى يحمل صورة حذاء، مع عرض بإمكانية تقسيط ثمنه على 6 أشهر دون فوائد، تساءل: «إحنا وصلنا لمرحلة إن البنك يقسط جزم، وملابس لبعض المحلات».

سؤال تكرر على لسان خالد خضير الذى أكد: «زمان كان البنك بيقسط عربيات، دلوقتى بيقسط زيت العربية، الوضع صعب، واللى بيلاقى حاجة بالقسط بيجرى عليها». أحمد حسن لا ينسى إعلاناً سابقاً للبنك العربى الأفريقى عن تقسيط ثمن حلوى المولد على 14 شهرًا: «الموضوع مبقاش هزار، كله بالتقسيط»، فهل يقسط "أديب" حذائه مثل بقية المصريين؟

تحليل ظاهرة أديب
الإعلام المؤيد للنظام عبر نموذجه الأشهر والأكثر صخبا أحمد موسى، يخاطب شريحة محدودة جدا كتفكيره، وهم من قرروا إتخاذ موقف عدائى من يناير منذ يومها الأول وحتى الآن لدوافع مختلفة، إما لثقافة ضحلة تخولهم لتصديق أكاذيب لا يصدقها الأطفال، أو خوفا على مكاسب ما.

رجل يروج لأن "كل شيء عال العال زى الفل"، ولكن المؤامرات الخارجية فقط ما يعكر صفو حياتنا، يضحك النشطاء رغم أنه ثقيل الظل ويشعر من يشاهده بأنه يشاهد شيئا يعود لعصور ما قبل التاريخ.

وعلى شاكلة أحمد موسى عدد من الإعلاميين منعدمي الكاريزما والكفاءة، ومن ثم لا يحظون بنسبة متابعة تذكر.

أما "عمرو أديب" فيخاطب الشريحة الأكبر من المواطنين، الذين يكرهون الفساد ويكرهون حقبة حسنى مبارك بطبيعة الحال، ولن ينسوا بالتقادم ما ارتُكب فى حقهم من جرائم خلالها، ولكن خاب أملهم لأنهم لم يجنوا ثمار الثورة سريعا، ليسوا مؤيدين ليناير تماما وليسوا معارضين لها، ودوافعهم في هذا أكثر إنسانية، إما الخوف الغريزي من مستقبل مجهول خاصة فى لحظات مربكة كالتى يعيشها المصريين، أو غياب الثقافة السياسية بسبب توقف الحياة السياسية منذ عام 1954.

كثيرا منهم أيدوا السفيه السيسي لا بسبب الحنين للنظام القديم، ولكن لأنهم لم يربطوا بينه وبين النظام القديم، رأوا فيه إبنا للمؤسسة العسكرية غير مسؤول عما كان يفعله مبارك، ويحمل الكثير من الخير لهم، وبالتالى تتراجع شعبيته بينهم الآن.
باختصار هم القطاع الأوسع فى أى دولة فى العالم، المواطنون الباحثون عن "المصلحة" وفقط.

البيضة والحجر
عمرو أديب يدرك هذا جيدا، ولهذا يتعامل بذكاء شديد، فهو لا يهاجم يناير أبدا بشكل مباشر ولا يتهم الشباب بالخيانة عمّال على بطّال، ولكنه يلمح للمؤامرات التى اخترقت مصر عبر الثورة ومخطط الشرق الأوسط الكبير ..إلخ.

وهو طرح يلقى قبول القطاعات السابق ذكرها التى لا تجزم بأن الثورة مؤامرة كما يزعم أحمد موسى وجمهوره، ولكن على أقل تقدير هى ردة فعل طبيعية لممارسات آل مبارك الأخيرة، وتم اختراقها وكفاية عليها كده.

عمرو أديب ليس ساذجا ليحاول إقناع الشعب بأن الوضع عظيم وعال العال، ولكنه يروج دائما لمرافعة أحمد زكى "كلنا فاسدون لا أستثني منكم أحدا"، وومن ثم من المفهوم ضمنا أنك فاسد تحب الفساد وتمارسه يوميا فى تعاملاتك، وبالتالى مالكش عين تطالب بالتغيير، وأن الفساد الإدارى متوغل لدرجة تستعصي على الإصلاح أو على الأقل تحتاج لديشليون سنة كده وربنا يدينا ويديكم طولة العمر.

ولأن أذكى أشكال الكذب هو ذلك الذى يحتوى على شيء من الحقيقة، فطرح "أديب" لا يخلو من الحقيقة، ولكنه يتناسى عشرات الدول الفاسدة التى نجحت فى الإصلاح بسبب وجود إرادة سياسية، رغم أنها لم تكن تقل فسادا عن مصر، وأننا مارسنا الفساد بسبب غياب القانون الذى لم يترك لنا شكلا آخر من التعامل.

الأخطر هو التبنى المستمر لمنهج الرأسمالية فى التعامل مع القضايا المختلفة، وبما أن هناك تحالفا بين رجال الأعمال والسلطة منذ السبعينيات، فيصب خطابه لصالح السلطة فى النهاية، ولكن بشكل أكثر أناقة وحداثة.

وعن ذكاء عمرو أديب وتميزه عن بقية عصابة إعلام الانقلاب، يؤكد مراقبون أن اللعبة الحلوة تستحق الإشادة حتى لو من الخصم، ولكن علينا أن نتعلم منها كيف نطور أسلوبنا لمخاطبة القاعدة العريضة وليس مخاطبة من يشبهوننا فقط.. حتى يسقط الانقلاب. 

Facebook Comments