يواجه المسلمون في فرنسا الذين يبلغ تعدادهم نحو 5 ملايين نسمة اتهامات بالإرهاب والتطرف فى كل مناسبة وحتى بدون مناسبة.. فالمجتمع الفرنسي الذى يزعم أنه مجتمع حر دميقراطى يؤمن بالتعددية لا يتسع صدره للمسلمين لمجرد أنهم يؤمنون بدين آخر غير المسيحية، بالإضافة إلى العُقد التاريخية التى يعانى منها الفرنسيون منذ زمن الإمبراطوريات الإسلامية والتى تنعكس بشكل أو آخر على الجالية الاسلامية فى تلك البلاد.

والأغرب أن هذا التعصب وتلك الاتهامات لا تأتى فقط من العوام بل من كبار المسئولين وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه والذى استبق الانتخابات البلدية المقررة الشهر المقبل بالإعلان عن سلسلة من التدابير لمحاربة ما أسماه كل أشكال "التطرف الإسلامي"! مستخدما تعبيرا مثيرا للجدل هو "الإسلام الانفصالي"، وإصدار قانون "الانفصالية".
ومن بين الإجراءات التي أعلنها ماكرون فى إطار هذا القانون وقف استقدام أئمة ومدرسين للغة العربية من عدد من الدول الإسلامية، ووقف كل أشكال تدخل هذه الدول في بناء أو تسيير مساجد ومدارس إسلامية، بهدف القضاء على ما وصفه بخطر "الشقاق".

كما شدد على أن بلاده لن تسمح بانتشار الإسلام السياسي وفق زعمه، مشيرا إلى أنه سينهي بالتدريج نظاما ترسل بموجبه الجزائر والمغرب وتركيا أئمة للوعظ في مساجد فرنسا.
وأضاف أن إنهاء هذا النظام في غاية الأهمية لكبح النفوذ الأجنبي والتأكد من احترام الجميع لقوانين الجمهورية.

حرب الأئمة
وقال ماكرون إن هذه الدول توفد 300 إمام إلى فرنسا سنويا، وإن 2020 سيكون آخر عام يستقبل مثل هذه الأعداد، مؤكدا أن حكومته طلبت من الهيئة -التي تمثل الإسلام في فرنسا- إيجاد سبل لتدريب الأئمة على الأراضي الفرنسية، والتأكد من أنهم يستطيعون التحدث بالفرنسية وعدم نشرهم أفكار متشددة وفق تعبيره.
وأشار إلى أن هناك جزءا من المجتمع يريد أن يطور مشروعا سياسيا جديدا باسم الإسلام، لافتا إلى أنه لا توجد مشكلة بخصوص العلمانية بالبلاد، وشدد على ضرورة عدم استخدامها وسيلة من أجل "حرب" حيال دين ما.

وتابع ماكرون: أعداؤنا هم أصحاب الأفكار الانفصالية، وغيرهم ممن يريدون ترك الجمهورية الفرنسية، ومن لا يتبعون القوانين. والرغبة في انقطاع صلتك بفرنسا باسم دين ما أمر غير مقبول، فهذا أمر تتعين محاربته بحسب تصريحاته.
وزعم أنه لا توجد لديه أية خطة تستهدف الإسلام، وانما علينا فقط أن نتصدى لتدخلات الأجانب في المدارس والمساجد. وقال ماكرون: لن أسمح لأي دولة مهما كانت بأن تغذي الشقاق.. لا يمكن أن تجد القانون التركي مطبقا على تراب فرنسي. هذا لا يمكن أن يحدث وفق تعبيره.

154 اعتداء
فى سياق الهجوم على الإسلام والاعتداءات على المسلمين كشف المرصد الفرنسي لمكافحة الإسلاموفوبيا أن عام 2019 شهد ارتفاعا حادا في الهجمات ضد المسلمين بفرنسا بنسبة 54% مقارنة بالعام الذي قبله.
وقال عبد الله زكري رئيس المرصد التابع للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إن عدد هجمات الاعتداء على المسلمين في البلاد خلال العام الماضي ارتفع إلى 154 اعتداء، مشيرا إلى أن عام 2018 شهد مائة اعتداء ضد المسلمين.
وأضاف أن غالبية الاعتداءات وقعت في مناطق إيل دو فرانس ورون ألب وبروفنس ألب كوت دازور، مشددا على عدم وجود أي روابط بين الإسلام والإرهاب.

مأساة إيمان
وعلى المستوى الشعبى لا يسلم عوام المسلمين فى فرنسا من الاضطهاد والتنكيل، وفى هذا الإطار كشفت مأساة إيمان بونو طالبة مسلمة 21 عاما من أصول جزائرية ترتدي الحجاب عن تعصب الفرنسيين ورفضهم للآخر، خاصة إذا كان هذا الآخر مسلما.
ظهرت إيمان على قناة تلفزيونية للحديث عن شغفها بالطبخ والترويج لوصفاتها اللذيذة وغير المكلفة، لتجد نفسها عرضة لسيل من الشتائم والتهديدات بالقتل، لمجرد أنها مسلمة ترتدي الحجاب.

وقالت الكاتبة سيسيل ديفونتان في تقرير نشرته صحيفة "نوفال أوبسرفاتور" Nouvelobs الفرنسية، إن إيمان بونو -الطالبة المسلمة التي تقدم وصفات طبخ على موقع إنستجرام- وجدت نفسها في قلب جدل محتدم بشأن الإسلام والحجاب والتطرف، بسبب مقطع فيديو على قناة "بي إف إم" (BFM) الإخبارية تحدثت فيه عن شغفها بالطبخ.
وذكرت الكاتبة أن الطالبة تعرضت لحملات تشهير وتلقت تهديدات بالقتل على خلفية الفيديو الذي بثته القناة الفرنسية في 11 سبتمبر 2020 مشيرة الى انها تفكر جديا في تقديم دعوى قضائية.

وأشارت إلى أن إيمان تملك حسابا على موقع إنستجرام يحمل اسم "recettes.echelon7"، تقوم من خلاله بتقديم وصفات طبخ بسيطة وغير مكلفة، وتقدمها أساسا للطلاب الذين يملكون ميزانيات محدودة ويريدون تناول وصفات طعام شهية في البيت، وكان يتابع حساب إيمان حوالي 80 ألف مشترك – زاد عددهم إلى 140 ألف مشترك بعد الأزمة- يشاهدون وصفاتها المميزة.

وتقول الكاتبة إن الجدل احتدم عندما نشرت الصحفية جوديث واينتروب من صحيفة "لوفيجارو" تغريدة كتبت فيها عبارة "11 سبتمبر " مع صورة إيمان بونو وأثارت التغريدة موجة عارمة من التعليقات والانتقادات اللاذعة، حيث اعتبر العديد من المتابعين أنه من المخزي ربط فتاة محجبة بالإرهاب، واتهموا الصحفية بالعنصرية والإسلاموفوبيا.

وتتساءل الكاتبة "لماذا كل هذا الجدل بشأن إيمان؟ ولماذا ارتبط اسمها بالإرهاب رغم أنها تعرف أساسا من خلال وصفات الطبخ اللذيذة على موقع إنستجرام؟".

قانون الانفصالية
وحول مشروع قانون "الانفصالية" المرتقب حذر شمس الدين حافظ عميد الجامع الكبير بباريس ، ، من أن يكون مشروع هذا القانون مجرد مسألة موضوع انتخابي، لا قانونا مهما يجعل المسلمين يشعرون بالحماية من الانتهاكات.

وأعرب عميد الجامع الكبير  في تصرحات صحفية عن رفضه للخلط بين الإسلاميين والإسلام السياسي ومجموع المسلمين في فرنسا الذين يمارسون إسلاما سلميا في إطار جمهوري غير قابل للنقاش
وقال إن المسلمين لا يريدون أن يكونوا رهائن لوضع الأقلية الواقعة في فخ الطائفية، والتي تعزز الانعزال المجتمعي، مشيرا إلى أن البعض يسعون لتحويل المسلمين إلى كبش فداء.

إقصاء وعنصرية
وأعرب أنور كبيبش، رئيس مجلس الديانة الإسلامية سابقا، ورئيس "تجمع مسلمي فرنسا"، عن تحفظه بشأن تعبير "الانفصال"، مؤكدا أن بعض مظاهر الانفصال عن المجتمع وقيم الجمهورية الفرنسية ليس بسبب التشدد في مظاهر التدين، ولكن أحيانا كثيرة بسبب عوامل اقتصادية واجتماعية، بينها الفقر والتهميش والإقصاء والعنصرية.

وحذر كبيبش في تصرحات صحفية من وصم ملايين المسلمين بـ "الانفصاليين"، مؤكدا أن "الانفصالية" ظاهرة هامشية تمس فئة قليلة من المسلمين الفرنسيين، لهم قراءة ضيقة للإسلام، أما الأغلبية الساحقة منهم فهي مندمجة وتحترم قيم الجمهورية الفرنسية خصوصا مبدأ العلمانية.

وقال إن أغلب الإجراءات التي أعلنها ماكرون كان قد اقترحها عندما كان رئيسا للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، بينها وقف استقدام أئمة من عدد من الدول الإسلامية، لأن هؤلاء الأئمة أغلبهم لا يتقنون اللغة الفرنسية، ولا يفقهون كثيرا في قيم الجمهورية الفرنسية، وبالتالي لا يمكنهم التواصل وتوجيه خطاب ديني يتناسب مع طبيعة النظام العلماني الفرنسي حسب وصفه.

وأوضح كبيبش أن لا مانع لديه في وقف استقدام مدرسين أجانب لتدريس اللغة العربية، لأن أغلبهم لا يتقن اللغة الفرنسية مطالبا، بتدريس العربية كلغة حية في المدارس الفرنسية، مثل باقي اللغات الحية الأخرى لكل الفرنسيين وليس لأبناء الجاليات الإسلامية فقط.

مزايدات انتخابية
ويرى بشير العبيدي أكاديمي ومحاضر في حوار الثقافات، أن حملة الانتخابات البلدية الفرنسية فتحت الباب أمام المزايدات التي دأب السياسيون الفرنسيون على خوضها، طمعا في حصد أكثر عدد من الأصوات.

وأكد العبيدي في تصريحات صحفية، أن الرأي العام الفرنسي والأوروبي يتجه نحو أفكار اليمين المتطرف منذ سنوات،مشيرا الى أن خطاب السياسة يستثمر في محور تقليدي سهل الاستهداف ومأمون من ردود الفعل.
وأوضح أنه فى هذا السياق لا يعتبر خطاب ماكرون جديدا، ولا يحمل أي إضافة عدا مزيد من تقسيم الفرنسيين،لافتا الى انه من المعروف أن الديمقراطيات تحكم عبر التخويف والترهيب وحشد الناس في اتجاه مواقف أغلبها للتستر على أوضاع أخرى تعجز الطبقة السياسية عن معالجتها وتصرف الناس عنها باختلاق مثل هذه القضايا المفتعلة.

Facebook Comments