ي بادرة إنسانية معبرة، سار نائب رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان بالنيابة عبد الفتاح مورو، في جنازة الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي، مشيًا على الأقدام، بخلاف كل المشيعين من الرؤساء والأمراء والوزراء الأجانب الذين استخدموا سياراتهم.

وأشارت صحف تونسية إلى أن "مورو" أصر على السير على الأقدام في الجنازة استجابة لرغبة "السبسي"، التي عبر عنها في وقت سابق، حيث مازح الرئيس الراحل "مورو"، قبل مدة، طالبًا منه السير في جنازته، وهو ما دفع الأخير إلى فعل ذلك.

مبدأ التوافق

وظهر "مورو" يسير وحيدًا مشيًا على الأقدام، خلف المركبة التي أقلت جثمان "السبسي" من قصر قرطاج إلى مثواه الأخير في مقبرة الجلاز جنوبي العاصمة تونس، ونجح السبسي في تكوين محور سياسي صلب مع خصومه السياسيين من الإسلاميين خاصة، وحافظ على مبدأ التوافق الذي ميز المرحلة الانتقالية السابقة ولا يزال، كما رفض الرجل كل اقتراحات الانقلاب على التوافق؛ وكل الإغراءات التي طرحها بعض مستشاريه من أجل تصفية خصومه الإسلاميين والانفراد بالسلطة.

رحيل السبسي سيطلق أحلام كثيرين كانوا يعتبرونه عقبة أمام طموحاتهم الشخصية والحزبية، وستكون له أيضًا تأثيرات كبيرة على ما تبقى من حزبه، "نداء تونس"، ونجله حافظ قائد السبسي. ولا يمكن التنبؤ إذا كان هذا الرحيل سيكون لصالحهم أم العكس، فموجة التعاطف الكبيرة مع الرئيس قد تشكل دافعا سياسيا وانتخابيا مهما، وربما كانت لتكون فاصلة في الانتخابات لو كانت شقوق "النداء" متجمعة.

ولا يُعرف أيضًا إذا كان المنافس الرئيسي للسبسي وحليفه السابق، حركة "النهضة"، ستتعامل مع هذا الفراغ بشكل جيد، فقد كان أكبر داعميها في الخارج والداخل، وقد يولد هذا الفراغ حالة من انعدام التوازن داخلها أيضًا، وقد ترتبك حساباتها، وربما تزيد طموحاتها بما لا يتلاءم مع المقتضيات الإقليمية والدولية، ومع حقيقة حجمها الذي ستبيّنه نتائج الانتخابات المقبلة.

كان الخيار السياسي الاستراتيجي الذي حافظ عليه الرجل إلى حين وافاه الأجل؛ حبل النجاة الذي منع البلاد من السقوط في الفوضى ومن الالتحاق بركب الثورات الفاشلة في ليبيا وسوريا ومصر، كما التزم الرجل بسلطة الدستور، ولم يعمل على تجاوزه رغم سلطات الرئاسة المحدودة، والتي لم تُبق له على نفوذ أو سلطة كبيرة مثلما هو حال سلفيه بورقيبة وبن علي.

أكبر الخاسرين من المشهد السياسي التونسي؛ فهي الأحزاب المحسوبة على الثورة من غير الاسلاميين الذين يملكون قواعد أكثر انضباطا من غيرها. لقد فشلت الأحزاب الثورية في التكتل وفي تكوين جبهة واحدة يمكنها أن تشكل كتلة تستطيع منافسة الإسلاميين والنظام القديم معا، بسبب صراع على الزعامة وعلى المناصب.

رحيل السبسي

لقد كان التيار الثوري، ممثلا في "حزب التيار الديمقراطي" و"حراك تونس" و"المؤتمر من أجل الجمهورية" و"حركة وفاء"، وغيرها من الأحزاب؛ قادرا على اكتساح المشهد السياسي التونسي لو توفرت لقيادييه الجرأة على التنازل، والشجاعة على تغليب المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية.

لكن ذلك لم يحدث، فانكسرت أغلب هذه الأحزاب ولم تعد اليوم تمثل شيئا على الساحة السياسية، الاستثناء الوحيد هو حزب التيار الديمقراطي الذي عمل على بناء قواعد حزبية في الجهات، ولم يعمل أصحابه على تلميع صورتهم الشخصية والمراهنة عليها ولو كلفهم ذلك انهيار الحزب وتفتته، بل تحركوا بين الغايتين.

وتمنّعت حركة النهضة وغيرها طويلاً بشأن الرئاسية، لكن رحيل السبسي سيدفع الجميع إلى تحديد مرشحيهم وبسرعة، ما سيقلب كل الخطط الموضوعة إلى حد الآن، وستبحث "النهضة" سريعاً إذا ما كانت سترشح أحداً من داخلها، ولا يعرف إذا ما كانت ستغير خططها بترشيح زعيمها راشد الغنوشي للبرلمان.

كما ستظهر بقية الشخصيات الطامحة في الترشح بسرعة أكبر، ومن بينهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد وبقية زعماء الأحزاب والمستقلون. لكن الثابت أن رحيل السبسي سيبعثر أوراق الجميع وسينتج بالضرورة مشهدا تونسيا مغايرا لما قبل وفاته.

Facebook Comments