بدأت، الخميس 12 ديسمبر 2019، الانتخابات الرئاسية الأولى في الجزائر بعد ثورة 22 فبراير، التي خرج فيها الجزائريون للإطاحة بالرئيس المخلوع بوتفليقة وأركان حكمه، وسط أجواء ملبّدة بسبب رفض غالبية الشعب للمرشحين للرئاسة؛ باعتبار أن غالبيتهم من وزراء العهد السابق، مع موقفٍ حرجٍ للمؤسسة العسكرية التي تخشى فوز مرشح الإخوان “عبد القادر بن قرينة”، رئيس حركة البناء الوطني ووزير السياحة السابق.

وما يُزيد قلق قوى داخلية وإقليمية معادية للربيع العربي، أنَّ هذه الانتخابات تجري في أعقاب فوز النائب بجماعة الإخوان المسلمين “سليمان شنين” برئاسة البرلمان الجزائري، في يوليه الماضي، وفوز رئيس حركة النهضة التونسية الذي يرجع بجذوره لجماعة الإخوان “راشد الغنوشي” برئاسة برلمان تونس، وتولّي رئيس مستقل تؤيده الجماعة هو “قيس سعيد” رئاسة تونس.

وعلى غرار التدخل الإماراتي في تونس بغرض إقصاء الإسلاميين ودفع رشاوى انتخابية انتهت بالفشل، يتردد أن الإمارات وقوى أخرى معادية للربيع العربي تدعم المرشح الحكومي الذي يفضله الجيش، وهو “عز الدين ميهوبي”، وزير الثقافة السابق ورئيس «التجمع الوطني الديمقراطي» الحاكم، عبر بعض رجال الأعمال الإماراتيين الذين يعملون في الجزائر والقريبين من الرئيس السابق بوتفليقة.

يشهد الشارع الجزائريّ غليانًا غير مسبوق في آخر أسبوع قبل الانتخابات الرئاسيّة، المزمع عقدها الخميس 12 ديسمبر، إذ تصرّ السلطة على المضيّ في إجراء هذه الانتخابات رغم الرفض الشعبي الواسع الذي تلقاه، خصوصًا وأن الحراك الشعبي المستمر منذ أكثر من تسعة شهور كاملة، والذي نجح في إيقاف قطار العهدة الخامسة للرئيس السابق بوتفليقة وأجبره على الاستقالة، يرفُض هذه الانتخابات بشكلها الحالي؛ بسبب خلوّها من شروط الشفافيّة والنزاهة، حسب آراء قطاع عريض من المشاركين فيه، ويدعو إلى إلغائها.

وقد اتخذ الحراك الشعبي، الذي انطلق في 22 فبراير (شباط) الماضي، منحى التصعيد، إذ انتشرت المسيرات اليوميّة في الكثير من المدن الجزائريّة، بالإضافة إلى إضراب عام لقي استجابة معتبرة لدى العديد من المحال والمؤسسات.

ويتنافس خمسة مرشحين في الانتخابات التي تلقى رفضًا شعبيًّا كبيرًا؛ لأن ثوار الجزائر يعتبرون المرشحين الخمسة محسوبين على نظام بوتفليقة، وهم: عبد المجيد تبّون الوزير الأول السابق وعضو «جبهة التحرير الوطني» الحاكم، وعلي بن فليس رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب «طلائع الحريات»، وعبد العزيز بلعيد رئيس «جبهة المستقبل»، وعز الدين ميهوبي وزير الثقافة السابق ورئيس «التجمع الوطني الديمقراطي» الحاكم.

إضافة إلى مرشح الإخوان (حزب البناء) عبد القادر بن قرينة، الذي يعتبر البعض توليه وزارة السياحة سابقًا، معناه أنه من وزراء النظام السابق، بينما هو مستقل وصاحب رؤية مختلفة عن المرشحين الأربعة، ولهذا تزيد حظوظه.

الرئيس مرسي وأحمد شفيق.. نموذج يتكرر!

ويبدو أنَّ الصراع في هذه الانتخابات شبيه بدرجة ما بالصراع الذي حدث في انتخابات 2012 في مصر، حين فاز الرئيس الشهيد محمد مرسي في المرحلة الأولى، وأصبح منافسه هو أحمد شفيق، مرشح العسكر والتيارات العلمانية، وانتهي الأمر- رغم التدخلات الحكومية- بفوز المرشح الإسلامي قبل أن ينقلب عليه العسكر ويقتلوه.

وفي حالة الجزائر يقف مرشح الإخوان (حزب البناء) عبد القادر بن قرينة، في مواجهة أبرز من يدعمه العسكر وهو “ميهوبي”، الذي يمكن رصد قرائن ومؤشرات لاحتمال أن يكون هو ممثل المؤسسة العسكرية من بين المرشحين الخمسة، وأنهم سيدعمونه للفوز بمنصب الرئاسة.

من مؤشرات ذلك إعلان بعض الداعمين السابقين للمرشح عبد المجيد تبون، الذي كان يبدو في مرحلة سابقة هو أقرب المرشّحين من السلطة الفعلية، انسحابهم من حملته وانضمامهم لحملة ميهوبي.

ووجود دعم إماراتي لميهوبي للوصول إلى الرئاسة، نكاية في مرشح الإخوان، وسعيًا للتأثير على مستقبل الثورة الجزائرية، والرغبة في تفكيك الربيع العربي وإجهاضه، وسيطرة الجيش على البلاد كما فعلوا في دعمهم الكثيف للسيسي، وأُجهضت ثورة يناير 2011.

أيضا أشار الصحفي “عبد النور بوخمخم” إلى أن أعضاء حزب «جبهة التحرير الوطني» الحاكم، بالإضافة إلى شبكات المقاولين ورجال الأعمال القريبين من السلطة، قد وصلتهم تعليمات من السلطة العسكرية الفعلية تفيد بدعم المرشح عز الدين ميهوبي، وأن حشد الدعم لميهوبي تشرف عليه مؤسسات الدولة الرسمية، بالإضافة إلى المستفيدين من وراء فوزه.

سيرة أبرز المرشحين

وعز الدين ميهوبي، المرشح الحكومي، كاتب وصحفي رياضي في الأساس، ثم انتقل لعدة صحف حتى تولى رئاسة تحرير جريدة «الشعب» الحكومية، ثم أصبح نائبًا في البرلمان عن حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» في انتخابات 1997، التي شهدت عملية تزوير واسعة النطاق من أجل إزاحة حزب «جبهة التحرير الوطني» واستبداله بـ«التجمع» الذي حصل على الأغلبية رغم أنه تأسس قبل الانتخابات بأربعة شهور فقط.

أما المرشح الرئاسي الإسلامي، عبد القادر بن قرينة، المدعوم من جماعة الإخوان المسلمين وتيارات إسلامية أخرى، فهو من القيادات السابقة لحركة “مجتمع السلم” حسم، والذي انشق عنها عام 2008 مع مجموعة من أعضاء الحركة، وأسس “جبهة التغيير” مع مجموعة من القيادات، ثم انشق مجددا ليؤسس حركة البناء الوطني في عام 2017، وكان عضوا في البرلمان ووزيرا للسياحة في يونيو 1997، ووزيرا في الحكومة التي عيّنها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عام 2002.

وأسس “بن قرينة” تحالفا سياسيا مع حركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية، ولحزبه خمسة نواب ضمن تحالف البناء والنهضة، الذي له 15 عضوًا من إجمالي 500 عضو في البرلمان.

ويؤكد “بن قرينة”، في تصريحاته الصحفية، أنّ الفوز حليفه في الانتخابات الرئاسية، وسيكون هو الرئيس المقبل، ويؤكد أنه لم يكن ضمن «اللوبيات» التي أسسها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وفي مواجهة دعوات المقاطعة، يعتبر “بن قرينة” أن “الانتخابات هي المخرج الآمن والحل الأقل كلفة، وليس بالضرورة الحل الأمثل في ظل ما تعيشه البلاد من أزمة انتقال وتحول للسلطة في أعلى هرم الدولة، يهدف إلى وضع حد لممارسات المنظومة السابقة في رئاسة الدولة والحكومة، والانطلاق نحو بناء الجزائر الجديدة، التي عبر حراك الملايين من الجزائريين عن تطلعاته إليها”.

هل تتخلى عنه أحزاب إسلامية؟

برغم فرص “بن قرينة” الجيدة في الانتخابات فهو يواجه تحديًا كبيرًا، خصوصًا من الأحزاب الإسلامية.

فبسبب انشقاق حزب “البناء” عن حزب “حركة مجتمع السلم”، الذي كان المعبر عن جماعة الإخوان حتى وفاة مؤسسه الشيخ “محفوظ نحناح”، تبدي حركة السلم عدم حماسها لدعم “بن قرينة: وظهرت أدلة على دعمها المرشح علي بن فليس، رئيس الوزراء السابق، رغم إعلان رئيسها “مقري” عدم دعم أي مرشح.

الحزبان الإسلاميان الآخران: حركة النهضة وجبهة الجزائر الجديدة، قررا أيضا التوجه إلى دعم المرشح الرئاسي علي بن فليس، بل وحضر الأمين العام لـ”النهضة” يزيد بن عائشة حفل إعلان بن فليس برنامجه الانتخابي الرئاسي، في رسالة دعم سياسي واضح له، على الرغم من أن الحركة مرتبطة بمشروع وحدة اندماجية وكتلة نيابية مشتركة مع حركة البناء التي يقودها بن قرينة!.

حركة الإصلاح الوطني الاسلامية أيضا أعلنت عن دعم المرشح الرئاسي عبد المجيد تبون، الذي التقاه رئيس الحركة فيلالي غويني، معلنا أمام الصحافة عن قرار المجلس الوطني والهيئة القيادية للحزب تأييده.

بالمقابل قررت كتلة ثانية من القوى الإسلامية التزام الحياد وعدم دعم أي مرشح، بسبب موقفها الرافض للمسار الانتخابي برمته، مثل حركة مجتمع السلم، وجبهة العدالة والتنمية التي يقودها عبد الله جاب الله، التي أعلنت وقوفها على الحياد، وقررت عدم دعم المرشح الإسلامي، بسبب موقفها الرافض لإجراء الانتخابات الرئاسية دون وجود توافقات وطنية.

واللافت أن موقف جبهة جاب الله البعيد عن دعم بن قرينة، يأتي على الرغم من أن حزب بن قرينة (حركة البناء) يرتبط أيضا بميثاق وحدة اندماجية مع جبهة العدالة وحركة النهضة منذ مارس 2017، ويشكل معها كتلة نيابية مشتركة منذ يوليو من العام ذاته.

ولم يعلن بقايا الإسلاميين من “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” المحظورة منذ مارس 1992، عن موقفهم من دعم أي مرشح، لكنها لا تميل لدعم بن قرينة بسبب خلافات تاريخية تعود إلى أزمة التسعينيات.

ولا تزال القيادات الممثلة للجبهة منقسمة أصلا بين دعم خيار إجراء الانتخابات الرئاسية والدفاع عن ذلك، كالشيخ علي جدي وكمال قمازي، فيما تتبنى قيادات أخرى، كأحمد أحمد الزاوي، موقف الحراك الشعبي وتصف إجراء الانتخابات بالمسرحية السياسية.

وسيستغل الجيش والتيارات العلمانية بالطبع هذه الخلافات بين التيارات الإسلامية لدعم مرشح حكومي علماني، ومع هذا يرى مراقبون أن القواعد الشعبية للأحزاب والأفراد العاديين المحسوبين على التيار الإسلامي سيضطرون لاختيار مرشح الإخوان، واضعين أمام أعينهم تجربة مصر وسيطرة العسكر على السلطة.

يضيف مزغيش: «ومن القضايا التي تستر عليها مسألة تزوير الشهادات العليا في (المعهد العالي للموسيقى)، إذ تستّر ودافع عن أستاذة روسية الجنسية، تمكنت بفضل التزوير واستعمال المزوّر من الاشتغال أستاذة جامعية في المعهد لسنوات طويلة، بفضل شهادة ماجستير اتّضح أنّها مزوّرة، وحين نبّه مدير المعهد جمال غازي إلى فضيحتها، قام الوزير بتنحيته وأمر مصالِحه بمنحها التقاعد رغم أن قضيتها لحد الآن في القضاء».

ويشير مزغيش إلى استعانة الوزير بأفراد من أسرته وتنصيبهم في مناصب رفيعة في وزارته: «عيّن ميهوبي أثناء فترته وزيرًا للثقافة، مقرّبين منه عائليًا وجهويًا وحزبيًا في مناصب هامة في قطاعه، إذ نصّب من أبناء عرشه وقريته وحزبه وولايته الكثير الكثير، فمديرو ثقافة ومحافظو بعض التظاهرات كانوا من حزب «التجمّع الوطني الديمقراطي» ومنهم مدير ثقافة محافظة المسيلة، ومحافظ مهرجان مسرح الهواة بمستغانم، وغيرهم».

يضيف المصدر بأنّ ميهوبي وعد خلال تواجده على رأس وزارة الثقافة بعدّة مشاريع لكنّه لم ينجز أيًّا منها: «كانت مجرد كلام للتسويق الإعلامي، مثل حكاية المدينة السينمائية وحكاية أستوديو السمعي البصري لتسجيل الصوت لفائدة السينمائيين، وحكاية مجلة كبيرة للبلاد وجائزة الدولة للآداب، وحكاية إنعاش حركة الترجمة وحكاية دعم المسرح… إلخ»

ويضيف في تصريحات صحفية: «قرّب الوزير السابق أشخاصًا ومنحهم مشاريع سينمائية، ومنهم سميرة حاج جيلالي، هذه المليارديرة التي صارت اليوم مديرة حملته الإعلامية، فيما تتحدث أوساط إعلامية عن تورطها في «قضية الخليفة»، ولا تستبعد الأوساط نفسها استدعاءها للتحقيق مباشرة عند فتح هذا الملفّ، وهي التي كانت مديرة تلفزيون «الخليفة». وقد منحها مشاريع سينمائية بعشرات المليارات، خصوصًا فيلميْ «أحمد باي» و«ابن باديس».

Facebook Comments