أكثر ما يخشاه جنرال إسرائيل السفيه السيسي، أن ينجح الليبيون في فرض شرعيتهم، وطرد لواء الانقلاب خليفة حفتر من حيث جاء إلى واشنطن، لا سيما وأنه يتمتع بالجنسية الأمريكية ويطمح في حكم ليبيا بالحديد والنار، وضمان المصالح الصهيونية والغربية والخليجية في ليبيا، وبالطبع ضمان ألا تتسرب رياح الكرامة والحرية من وإلى مصر المنكوبة بجنرالات لا يُخفون ولاءهم لإسرائيل.

وكانت عصابة الانقلاب في مصر قد أعلنت منذ البداية، عن أن الانقلابي حفتر والميلشيات التي يقودها تحت تسمية "الجيش الوطني الليبي" ومجلس النواب الذي يؤيده، هي الكيانات التي تعترف بشرعيتها في ليبيا، وجسدت الأمر في دعم لوجيستي وعسكري كبير لقوات حفتر.

ويبدو أنها تريد اليوم تجاوز نتائج فشل الهجوم ضد طرابلس سياسيًّا، وعبر تأكيد شرعية الجيش وأعضاء مجلس النواب المؤيدين له، لذلك تستضيف عصابة الانقلاب في القاهرة اجتماعات لـ80 من أعضاء في مجلس النواب الليبي المنعقد في طبرق برئاسة "عقيلة صالح"، برعاية اللواء عباس كامل، مدير المخابرات العامة، واللجنة المعنية بمتابعة الملف الليبي.

السيسي ينفخ.!

ويأتي الهدف من الاجتماعات هو التوافق بشأن تشكيل حكومة جديدة، بديلة لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، وحكومة عبدالله الثني المتواجدة شرق ليبيا، وهي حكومة غير معترف بها دوليا، وشنت الطائرات التابعة لحفتر، ضربات جوية على مدينة غريان، التي تبعد عن العاصمة طرابلس عشرات الكيلومترات من الجهة الجنوبية.

وأوضح المركز الإعلامي لما تسمى "غرفة عمليات الكرامة" التابعة لقوات حفتر في بيان لها، أن "سلاح الجو نفذ ضربات جوية دقيقة قوية، استهدفت معسكرات في مدينة غريان، تسببت في مقتل وإصابة عدد من عناصر مجلس شورى بنغازي الموالي لتنظيم القاعدة".

وفي السياق ذاته، أعلن ضابط كبير في قوات حفتر، الأحد، أنهم يستعدون لدخول وسط ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس، "تمهيدا لمطاردة المجموعات المسلحة، بعد نجاح خطة الاستنزاف". من جانب آخر، أعلنت عملية بركان الغضب، التابعة لقوات حكومة الوفاق الليبية، عن أن طيرانها الحربي استهدف في غارتين جويتين، الأحد، خط إمداد لقوات حفتر، جنوب مدينة غريان، وغرفة عمليات متقدمة جنوبي العاصمة طرابلس.

وأوضحت عملية بركان الغضب، أن الغارة الأولى استهدفت منطقة مزدة جنوب طرابلس، أما الغارة الثانية فدمرت غرفة عمليات حفتر، بمحور وادي الربيع، جنوب طرابلس. ومنذ 4 أبريل الماضي، تشهد طرابلس معارك مسلحة إثر إطلاق حفتر عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة، وسط تنديد دولي واسع ومخاوف من تبدد آمال التوصل إلى أي حل سياسي للأزمة واستنفار قوات حكومة "الوفاق" التي تصد الهجوم.

وفي سياق ما يجري على الأراضي الليبية، دفع التصعيد الذي قام به خليفة حفتر ضد تركيا، والذي جاء على لسان الناطق باسم مليشياته، وما تلاه من اختطاف ستة بحارة أتراك، ومن ثم إطلاق سراحهم بعيد التهديدات الصادرة من قبل وزارة الخارجية التركية، دفع بتركيا إلى واجهة الأزمة الليبية، ليعود التساؤل من جديد حول دور تركيا ومدى انخراطها في الصراع الليبي.

تصعيد حفتر الأخير ضد تركيا جاء بعد الخسارة التي مُنيت بها قواته في مدينة غريان جنوب العاصمة الليبية طرابلس؛ فعلى الرغم من الدعم السياسي واللوجيستي الذي حظي به حفتر قبيل وأثناء هجومه على العاصمة طرابلس، والذي انطلق في الرابع من شهر إبريل الماضي، إلا أن آماله وآمال دول الشر وعلى رأسها الإمارات وتابعها السفيه السيسي الداعمة صارت في مهب الريح.

حيث لم تستطع قواته السيطرة على طرابلس، فيما توحدت القوات الداعمة لحكومة الوفاق الوطني لتشن هجوما معاكسا استطاع إخراج قوات حفتر من موقعها المتقدم في غريان، موقِعة خسائر مادية وبشرية كبيرة في صفوف هذه القوات، خسارة حفتر الميدانية وخيبة آماله في السيطرة على طرابلس دفعته لتصدير الأزمة مدعيا أن التدخل التركي على الأرض قام بقلب الموازين، الاتهامات المتجددة لتركيا بالتدخل في الأزمة الليبية لم تتوقف على الرغم من كون الموقف التركي تجاه الأزمة الليبية، والمستند لعلاقات تاريخية تربط الطرفين، يتحرك تحت سقف الشرعية الدولية وباتساقٍ مع المساعي الأممية لإيجاد حلّ سياسي للأزمة.

تنسيق عسكري

في مقابل الموقف التركي المتناغم مع المقاربة الأممية والذي يتحرك تحت سقف الشرعية الدولية، تبنت العديد من الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى مواقف لا تتناقض فحسب مع المساعي الدولية لحل الأزمة الليبية سياسيا، بل حتى مع المواقف الرسمية والمعلنة لهذه الدول.

فمن جهتها وقفت دول معسكر الثورة المضادة ممثلةً بالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر بشكلٍ واضح مع حفتر ومشروعه في ليبيا، داعمين إياه عسكريا وسياسيا منذ انطلاقه، كما أن فرنسا المدفوعة بأهداف توسعية في القارة الإفريقية مدت يديها لحفتر، والذي تم استقباله من قبل الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه على الرغم من كونه لا يحمل صفة رسمية، ويعمل بشكلٍ علني للإطاحة بالحكومة المعترف بها دوليا.

حتى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تظهر في موقفها الرسمي دعما لمساعي البعثة الأممية في ليبيا، تبنّت مواقف ضبابية في العديد من المفترقات، هذه المفارقة في المواقف الإقليمية والدولية بدت جلية في الهجوم الأخير الذي أطلقه حفتر للسيطرة على طرابلس في أبريل الماضي، بالرغم من وجود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والمبعوث الأممي غسان سلامة للتحضير لانطلاق المؤتمر الليبي الجامع، والذي كان يراد له أن يكون تتويجاً لمساعي سلامة الأممية.

وقد جاء الهجوم بعد أسبوعٍ من زيارة قام بها حفتر للمملكة السعودية والتقى خلالها الملك سلمان بن عبد العزيز. كما أن السيسي قام باستقبال حفتر في القصر الرئاسي في القاهرة أثناء الهجوم على طرابلس، في حين قام ترامب بالاتصال بعد عشرة أيامٍ من بدء الهجوم، للنقاش حول الرؤية المشتركة لتحول ليبيا إلى نظام سياسي ديمقراطي مستقر، وفق تصريح البيت الأبيض!.

وفي ظل استمرار محور الثورة المضادة إقليميًّا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية دوليًا في تقديم الدعم الميداني والغطاء السياسي لحفتر، فإن العلاقات بين أنقرة وطرابلس يتوقع لها أن تتعزز في الفترة القادمة، كما أن التعاون بين الطرفين قد يتعدى الجانب السياسي إلى التنسيق الميداني في حال عاود حفتر ومعسكره الهجوم على طرابلس من جديد.

Facebook Comments