حوار مع الإمام البنا لصحيفة نداء الوطن

ما إن بلغنا عودة الأستاذ حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين من رحلته الشاقة الطويلة فى سائر أنحاء الصعيد حتى أرسلنا مندوبنا ومصورنا إلى المركز العام للإخوان بالحلمية الجديدة، حيث فاجأنا فضيلته وهو جالس فى غرفته بالدور الأول يستقبل وفود الزوار والمهنئين بسلامة الوصول، وكان يرتدى ثيابًا عربية جميلة فبادر مصورنا إلى تسجيل صورته بها فى الحال، وبذلك انفردت نداء الوطن بنشر أول صورة للمرشد العام فى هذه الثياب.

هنأنا فضيلته بسلامة الوصول، ثم دار بيننا حديث متقطع تخللته التحايا المتبادلة بين الأستاذ البنا وبين زائريه من حين لآخر، حتى لقد كان الأستاذ السكرى يجيب بالنيابة عن جماعة الإخوان على بعض الأسئلة عند انهماك المرشد العام مع الوفود.

سألنا فضيلته: اليوم وقد عدتم فضيلتكم من رحلتكم إلى الصعيد ماذا لمستم من شعور الأهالى، وهل ترون هذا الشعور مبشرًا بالخير؟

فأجاب فضيلته مخاطبًا جميع الزوار فى نفس الوقت: نعم لقد كان شعور الإقبال طيبًا يبشر بالخير، وقد بدت الأمة أينما سرنا مسلمة عن إيمان خالص، وبعد أن كانت الدعوة الإسلامية تقابل بفتور -بل وتعد تأخرًا فى نظر البعض- أصبحت الجماهير تتلقفها بحماسة بالغة بعد أن تخلصت من مركب النقص، ولم تعد تنساق كالعمياء فى ركاب الغربيين.

وهنا سألت فضيلته فى شبه همس:

أو لم يحدث حوادث مماثلة لذلك الذى وقع فى بور سعيد؟

لا. وكان شعور الجميع طيبًا فى كل مكان.

ولماذا انفردت بور سعيد بهذا الحادث؟

هو سوء تصرف من بعض رجال الإدارة فى المدينة.

وهنا أفاض الأستاذ فى ذكر بعض التفصيلات التى ليست للنشر بطبيعة الحال.

نريد أن نعرف شيئًا عن أسباب النزاع الحالى بين الوفد والإخوان؟

سل الوفد عن هذا! لماذا تسألنا نحن؟!

لقد قال الوفد فى صحفه الكثير ونريد أن نسمع من فضيلتكم شيئًا، نريد أن نعرف ما إذا كان هذا النزاع بفعل دسائس بعض العناصر الدخيلة أم لأسباب أخرى؟

أتريد الجواب؟

لو سمح وقتكم بهذا.

وهنا تدخل الأستاذ السكرى بناء على إشارة خفيفة من المرشد العام وتكلم بالنيابة عن الإخوان فقال:

نحن لا ندرى سببًا لاختلاف الوفد معنا، فالإخوان بطبيعتهم قوم مسالمون لا يسيئون إلى أحد ولا يعتدون على إنسان. ولكم نادوا -وما برحوا ينادون- بأن نجاح الأمة لن يكون إلا بالتكتل والاتحاد، فلا يعقل أن يعملوا من جانبهم على إثارة خلاف أو فرقة، وهذا الخلاف الذى تسأل عنه بدا من الجانب الآخر، وقد وقع بكل أسف فى وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى تناسى الأحقاد، ولا يغيب عن الذهن أن العدو يعمل جاهدًا للتفرقة بين عنصرى الأمة جميعًا، وكل من يساعده على ذلك يضحى بمصلحة الوطن.

ثم انتقلنا إلى حديث المستوصفات والمتاجر والمصانع ومختلف المؤسسات التى أنشأها الإخوان فقلت متسائلاً:

هل أفهم من هذا أن الإخوان ينظمون أنفسهم كجماعة مستقلة تستطيع أن تعيش كدولة داخل الدولة، وتنمو باطراد حتى تحيط بأطراف البلاد!

وهنا قال الأستاذ البنا: قلنا أكثر من مرة: إن الإسلام فى تشريعه ونظامه يتناول كافة نواحى المجتمع سواء الاقتصادية منها أم الاجتماعية أم السياسية. والإخوان حينما يقومون بدراساتهم المنوعة فى كل من هذه النواحى لا يدرسون لمجرد الدراسة العلمية، وإنما ليطبقوها فى محيطهم، وليكون نشاطهم دليلاً عمليًّا على سمو رسالتهم، وعلى كفاية النظام الإسلامى لحاجات الدولة الحديثة. ونرجو أن ينجح الإخوان عن قريب فى تطبيق كافة النواحى حتى يتم بناء مصر الإسلامية القوية الجديدة على أساس أفضل المبادئ وأعدل الأوضاع.

وما موقف الجماعة من بقية الأحزاب الأخرى؟

قامت الجمعية لنشر روح الإسلام وتعاليمه بعد أن بعدت الشقة بيننا وبين العهد الأول للإسلام، وبعدما بلبلت الحضارة الغربية أفكار الناس، فكان طبيعيًّا أن تجد الجمعية إقبالاً من جميع الناس على اختلاف مذاهبهم السياسية، ولما كانت السياسة عندنا وسيلة لا غاية كان من الطبيعى أن ينضوى تحت لواء الجمعية أعضاء من جميع الأحزاب يعيشون معا داخل جدران الجمعية فى وئام وسلام، ويعملون فى الخارج، كل بوسيلته لنشر مبادئها وهى مبادئ الإسلام.


المصدر:

نداء الوطن، العدد 4، 5 رمضان 1365 – 2/8/ 1946، صـ7.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها