تتشابه ظروف موريتانيا كثيرا مع مصر، فكلا البلدين يحكمهما- غصبًا- قائد عسكري قام بانقلاب دموي واستولى على السلطة، وكلاهما أيضا يواجه أزمة نص دستور بلاده على فترتين رئاسيتين فقط، ويحاول التغلب على هذا بتغيير الدستور، ويتخذ من “شماعة” جماعة الإخوان مبررًا لفشله المستمر في الحكم.

من هنا تبرز أهمية انتخابات موريتانيا (التشريعية والجهوية والبلدية) الأخيرة، التي جرت ما بين 1 و15 سبتمبر الجاري 2018، وفاز فيها حزب الجنرال الرئيس الانقلابي محمد ولد عبد العزيز (حزب الاتحاد من أجل الجمهورية)، بأغلبية الأصوات بالتزوير، وجاءت جماعة الإخوان المسلمين عبر حزبها “تواصل” في المركز الثاني.

فقد أغضب الجنرال فوز الإخوان (التجمع الوطني للإصلاح والتنمية) بـ14 مقعدا برلمانيا من أصل 157 مقعدا للبرلمان، خاصة أن هذه الانتخابات هي الأخيرة قبل انتخابات 2019 الرئاسية، التي ليس من حق الجنرال محمد ولد عبد العزيز خوضها لانتهاء ولايته الثانية، حيث سيكون من الناحية الدستورية خارج دائرة التنافس، ما لم يتم تغيير المادة المقيدة للولايات الرئاسية بفترتين فقط، وهو يخشى معارضة الإخوان في البرلمان لتعديل الدستور لبقائه في الحكم.

ونفى عبد العزيز في أكثر من مرة نيته الترشح للرئاسة، أو تغيير تلك المادة، بينما ترى المعارضة أن ثمة مؤشرات على توجهه نحو الاستمرار في الحكم، كما يبرز من خلال حراك متصاعد داخل الأغلبية، على غرار ما يفعله السيسي ومؤيدوه أصحاب المصالح حاليًا.

واحتفى الانقلابي “ولد عبد العزيز” بالنتائج، التي حققها حزبه (الاتحاد من أجل الجمهورية) الحاكم، وقال إنه حقق 89 مقعدا برلمانيا من أصل 157 مقعدا، بينما حصلت جميع أحزاب الموالاة الداعمة للرئيس على 120 مقعدا برلمانيًا.

وهكذا أصبحت بحوزة الجنرال «أغلبية ساحقة» في البرلمان، وبالتالي يمكن لحكومته تمرير ما تريد من مشاريع وقوانين تراها مناسبة، مع انعقاد البرلمان الجديد أول أكتوبر المقبل 2018، ومع هذا دخل في مواجهة مبكرة مع جماعة الإخوان، وهددها بـ”إجراءات” لم يحددها، بعد فوزها بـ14 مقعدا، ما يشير إلى سعيه لانقلاب جديد في البلاد يبقيه في سدة الحكم بالتزوير، مع إطلاق غبار أزمة يفتعلها مع الأحزاب للتغطية على انقلابه الجديد.

الانتخابات مكسب للإخوان

ظهر حزب “تواصل”، الذراع السياسية لجماعة الإخوان عام 2007، رسميا بعدما حصل على رخصة رسمية، ومنذ ذلك الحين وهو يشكل رقما سياسيا وتحديا للحزب الحاكم.

ففي أول انتخابات جرت في ظل الرئيس الانقلابي “محمد ولد عبد العزيز” (الذي انتخب رئيسا في 2009 في ظروف احتجت عليها المعارضة)، عام 2013، جاء “تواصل” ثانيا خلف الحزب الحاكم، متفوقا على حزبين آخرين من المعارضة المشاركة، هما التحالف الشعبي التقدمي بزعامة رئيس الجمعية الوطنية مسعود ولد بلخير، والوئام الذي يقوده أنصار الرئيس السابق معاوية ولد الطايع (1984-2005).

وفاز حزب “تواصل” في هذه الانتخابات عام 2013 (عقب انقلاب السيسي في مصر بـ5 أشهر)، بـ16 مقعدا بجانب 110 مقاعد لنواب ومؤيدي الحزب الحاكم، من أصل 147 مقعدا حينئذ جرى التنافس حولها، منها 74 مقعدا للحزب الحاكم، و37 مقعدا لأحزاب منها 16 لحزب “تواصل”، 12 لحزب الوئام، والبقية موزعة بين حزبي التحالف الشعبي التقدمي، وحزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية.

لهذا جاء فوز حزب “تواصل” بـ14 مقعدا في انتخابات سبتمبر 2018 بمثابة صدمة للسلطة بعدما حافظ الحزب على مقاعده تقريبا رغم التزوير الواسع، وتحول الجولة الثانية إلى مجزرة صناديق (على غرار ما حدث في انتخابات 2005 بمصر حين منع نظام مبارك الإخوان من الفوز بأكثر من 88 مقعدًا وأسقطهم بالتزوير في الجولة الثانية).

في الجولة الأولى فاز الحزب الحاكم بـ67 مقعدا نيابيا و4 مجالس جهوية و104 بلديات، فيما فاز حزب تواصل بـ14 مقعدا، وفي الجولة الثانية حشد الحزب الحاكم والجنرال العسكري كل وسائل التزوير لإسقاط مرشحي الإخوان ففاز– زورا- بجميع مقاعد المجالس الجهوية، إضافة إلى 22 مقعدا في البرلمان و120 بلدية”.

أغلبية مريحة

وقال مصدر مسئول: “حقق الحزب جميع الأهداف التي سعى إليها في هذه الانتخابات وضمن أغلبية مريحة في البرلمان، والسيطرة على جميع المجالس الجهوية في البلاد”، ليفوز الحزب الحاكم بأغلبية مطلقة بـ89 مقعدا نيابيا من أصل 157 مقعدا في البرلمان، ويحصد جميع المجالس الجهوية البالغ عددها 13 مجلسا، كما رفع حصيلته في الانتخابات البلدية إلى 120 بلدية.

بالمقابل فاز حزب تواصل – بحسب بيانات الحزب – بـ14 مقعدا برلمانيا، كما حصل على إدارة 9 بلديات؛ فيما وصل عدد مستشاري البلديات للحزب منفردا 292، ووصل عددهم مع حلفائه من المعارضة إلى 448، وكسب الحزب- رغم التزوير ضده- 31 مستشارا في المجالس الجهوية؛ منفردا، و79 مستشارا مع حلفائه.

وهو ما يعد مكسبا في ظل إرهاب السلطة العسكرية المسيطرة على مقاليد الحكم، والتي تهدد حاليا الحزب بإجراءات لم تحددها.

وقد تحدث “محمد محمود السيدي”، رئيس حزب تواصل، في مؤتمر صحفي بمقر الحزب، عقب ظهور النتائج وتهديد جنرال الانقلاب لحزبه، مؤكدا أن «الانتخابات الأخيرة أثبتت أننا حزب وطني وبمرجعية إسلامية، وأننا جزء من المجتمع رغم التزوير الفاحش الذي مارسه الحزب الحاكم والدولة».

وشدد على أنه «ليس هنالك تغيير، فقد حصلنا على نتائج مشرفة في 2018، كما حصلنا عليها في 2013، و(تواصل) حزب وطني منفتح يفخر بمنهجه المتميز كحزب ديمقراطي، وضحى من أجل تعزيز الديمقراطية ولا مزايدة عليه فيها».

تقارير كاذبة

كانت صحف الانقلاب في مصر قد نشرت تقارير كاذبة عن خسارة الإخوان أمام حزب الجنرال العسكري، وكتبت صحيفة “الوطن” تزعم أن: “الحزب الحاكم في موريتانيا يهزم الإخوان”، وتدعي “انسحاق حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية الإخواني، وعودته لحجمه الطبيعي”.

كما حذر رئيس «تواصل» من الدفع نحو توتير الوضع في موريتانيا، ومن استيراد المعارك الخارجية؛ لأن ذلك «لا يخدم موريتانيا ويتحمل مسئوليته ما يترتب عنه»، داعيا المعارضة للتعجيل بتقويم الوضع واتخاذ خطوات تمنع الحكم الاستثنائي، ومن أجل التناوب السلمي على السلطة في 2019.

الجنرال وحزب الإخوان

كان من الملفت غضب الجنرال ورئيس الحزب محمد محمود ولد سيدي عقب فوز الإخوان، وزعمه أن «الإسلاميين تسببوا في جميع المآسي التي وقعت في البلدان العربية، وكانوا سببا في خراب بلدان أكثر»، واتهم جماعة الإخوان المسلمين بأنها «تخدم أهداف إسرائيل، وهي تدمير الدول العربية وعزلها وإضعافها»، وهو ما قام به «الإسلاميون فيما يعرف بالربيع العربي»، حسب تعبيره.

ومع هذا ظهرت حقيقة الجنرال وتطبيعه مع الصهاينة– مثل السيسي – حين زعم أن “إسرائيل أكثر إنسانية من الإسلاميين، والثورات دمّرت الدول العربية”!.

وتعد موريتانيا ثالث دولة عربية بعد مصر والأردن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل على مستوى السفراء عام 1996، في عهد الرئيس السابق “معاوية ولد الطايع” رغم الرفض الشعبي، واتهمت المعارضة نظام الرئيس معاوية ولد الطايع عام 1998 بالتستر على دفن نفايات نووية إسرائيلية في الصحراء الموريتانية، وفي يناير 2009 اضطر محمد ولد عبد لتجميد العلاقات مع إسرائيل بسبب الرفض الشعبي، بيد أنه ظل يتغزل في دولة الاحتلال.

وخلال اللقاء الصحفي الأخير قال الجنرال “ولد عبد العزيز”: إنه سيتخذ إجراءات ضد حزب سياسي محسوب على جماعة «الإخوان المسلمين» في موريتانيا، وأكد أن اتخاذ هذه الإجراءات سيتم «في الوقت المناسب»، متهماً هذا الحزب بـ «التطرف والإرهاب».

وزعم أن حزب «تواصل» الإسلامي استغل أموال الزكاة والصدقة في حملته الانتخابية، واصفا إياه بأنه «حزب يعتمد على أموال تأتي من الخارج، وأفكار تأتي من الخارج، وخطط تأتي من الخارج، وتوعد الحزب الإسلامي بإجراءات لم يعلن عنها.

وإن كان “ولد عبد العزيز” قد خصص جزءا كبيرا من مؤتمره الصحفي للحديث عن مزاعم “خطورة الإخوان المسلمين”، إلا أنه تطرق أيضا لمواضيع أخرى تتعلق بمستقبله السياسي، ومع أنه كرر مزاعم أنه «لن يعدل الدستور من أجل الحصول على رئاسية ثالثة»، إلا أنه قال: «عندما أقول إنني سأغادر السلطة، فذلك لا يعني أنني سأفتح الطريق أمام المخربين”، وهو نوع من التلاعب بالكلمات يؤكد نيته عدم التخلي عن السلطة، وربما التعلق بشماعة الإخوان ليبقى في السلطة بدعوى مواجهة “المخربين”!.

وقال: «ذلك لا يعني أن تغيير الدستور أمر غير ممكن»، مشيرا إلى أنه «لا مواد محصنة في الدستور، ولا يوجد دستور جامد أو مواد جامدة»، وكلها مؤشرات على تعديله الدستور والكذب حتى تحين لحظة التعديل فيقوم بتعديله لصالح بقائه في السلطة كما يفعل السيسي حاليا.

وقد رد حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» الإسلامي المعارض، مؤكدا أن اتهامه بالتطرف والإرهاب «فرية وكذبة».

وقال “إن الهجوم المتكرر لرئيس الجمهورية على الحزب قبل الحملة وبعدها لا يعبّر إلا عن حالة القلق قبل الانتخابات وحالة الصدمة بعدها، كما أن استحقاق انتخابات 2019 الرئاسية يلقي بظلاله على مختلف تصرفات النظام وتصريحاته”.

زيمبابوي.. احتجاجات رافضة لنتائج الانتخابات البرلمانية

تزوير “عبد العزيز”

وأكد حزب “تواصل”، في مؤتمر صحفي بمقر الحزب، أن “النتائج الانتخابية التي حققها هذا النظام ما كان ليحصل عليها لولا طبيعته الإقصائية التي تتعدى عدم استعداده لخلق جو من التكافؤ في السباق الانتخابي، إلى الممارسات اللاشرعية من تزوير واستغلال نفوذ واستخدام للإدارة الإقليمية وغيرها من رموز ومقدرات الدولة”.

وقال رئيس الحزب: “لقد سجلنا في مرحلتي الحملة والاقتراع جملة من الخروقات توزعت بين:

1 -التلاعب باللوائح الانتخابية وتغيير مكاتب وأماكن التصويت للناخبين بشكل عشوائي.

2 -جلب ناخبين مستأجرين من الآفاق لفرض مرشحين خاسرين على السكان المحليين في عدد من البلديات والمقاطعات.

3 -تزوير النتائج وتغيير الأرقام في مراحل جمع المحاضر في فروع اللجنة “المستقلة” للانتخابات.

4 -طرد ممثلي المعارضة عامة وممثلينا خاصة من لجان التصويت، والاعتداء عليهم، ومنع مئات الممثلين من تسلم المحاضر، وتعرض بعض ممثلينا للطرد.

5 -التدخل السافر للإدارة الإقليمية في عمل اللجان الفرعية “المستقلة”.

6 -تسريب بطاقات التصويت وشراء الأصوات والتصويت الواسع بالوكالة وغيرها من الخروقات.

وشدد حزب “تواصل” على “تسبب حوادث واسعة من هذه الممارسات في قلب النتائج، كما حدث في لوائح النيابيات في مقاطعة كوبني وفِي كيهيدي وتمبدغه، وفي نتائج المجلس الجهوي في نواكشوط وفي الحوض الغربي ونواذيبو وفِي لوائح بلدية دار النعيم وبلدية تنحماد وكوينيت وغيرهم”.

وأضاف: “العملية الانتخابية لم يكن لنا فيها دور، وكذا النصوص المنظمة، وكانوا يراهنون على أن نقاطع لكي تبقى لهم الساحة خالية من أي منافسة، لكنهم عجزوا عن دفعنا إلى ذلك، وأصررنا على المضي قدما حتى لو كان ذلك بأدنى حد من الضمانات”.

وتابع: “لديهم وزير الداخلية والمالية والحكام والولاة والمؤسسات الحيوية، وقد أسسوا المستقلة للانتخابات بدون مشاركة المعارضة واستخدموا الأموال والأمن، وما زالوا يحاولون منازعتنا في عرفات بجشع زائد”.

لعبة جنرالات

والمؤكد أن الجنرال “عبد العزيز” لن يغادر الحياة السياسية بسهولة، فسيرة الرجل تؤكد خبرته في العمل الانقلابي، فالرجل الذي التحق بالجيش عام 1977، ودرس في الأكاديمية العسكرية في المغرب، قام بتأسيس قوات الحرس الرئاسي، كما أنه أسهم بدور كبير في إحباط المحاولة الانقلابية عام 2003 ضد ولد الطايع.

غير أنه أضحى بعد ذلك أحد أبرز مهندسي انقلاب 2005 الذي قاده الجنرال ولد محمد فال، وإذا كان الأخير فضل التقاعد بعد تسليمه السلطة للمدنيين، فإن الجنرال عبد العزيز ظل في موقع القيادة بالنسبة للمؤسسة العسكرية، حتى قام بانقلابه الخاص عام 2008، وعين نفسه رئيسا عام 2009، وهو نفس ما فعله الانقلابي السيسي في مصر.

ومثلما أفسد السيسي بانقلابه تجربة ديمقراطية رائدة في العالم العربي عقب ثورة 25 يناير 2011، وتولي رئيس مدني لأول مرة في مصر، أفسد الجنرال عبد العزيز بانقلابه تجربة موريتانيا الديمقراطية، ويسعى حاليا للقضاء على ما تبقى منها عبر تزور الانتخابات، ما يشكل انتكاسة وردة في التطور السياسي الموريتاني.

كما أنه يعيد مرة أخرى ضرورة طرح إشكاليات علاقة العسكر بالسياسة في العالم العربي، والبحث عن آليات جديدة لتحقيق السيطرة المدنية على العسكر في ظل ثقافة ديمقراطية تعلي من حكم القانون واحترام إرادة الجماهير.

فالجنرال ولد عبد العزيز قام بالانقلاب علي الرئيس السابق بعدما تولى رئاسة الحرس الرئاسي؛ لأن الرئيس قام بالاستغناء عن خدماته وعزله هو ورئيس الأركان حينئذ، وهو الذي لعب دورا في الانقلاب على الرئيس معاوية ولد الطايع.

وفى مايو 2005، قرر العقيد ولد عبد العزيز مع مدير المخابرات العسكرية محمد ولد الغزواني، وضع حد لحكم الرئيس الأسبق معاوية، خصوصا بعد قرار الأخير الدفع باتجاه حرب مفتوحة- لم يكن العقيد ولد عبد العزيز راضيا عنها- مع الجماعة السلفية للدعوة والقتال بعد تعرض ثكنة للجيش مرابطة عند “لمغيطى” إلى كمين من قبل مسلحين إسلاميين أدى إلى سقوط 15 جنديا، وهو القرار الذي نفذ في 3 أغسطس 2005 حين كان ولد الطايع -الذي طالما اشتهر بإقصاء القادة العسكريين البارزين خوفا على كرسيه- لا يزال يفكر في إقصاء ولد عبد العزيز.

ومنذ استقلال موريتانيا عام 1960 وقعت أربعة انقلابات: عام 78 ثم عام 84 ثم 2005، ثم 2008.

رابط دائم