ارتفعت معدلات الفقر في مصر خلال السنوات الخمس العجاف من حكم الانقلاب الماضية، وبلغت ذروتها خلال هذه الأيام، وذلك رغم المؤشرات المعلنة من قبل نظام الانقلاب عن تحسن مستوى الاقتصاد، والتي تركز على مؤشرات أو عوامل لا يشعر بها المواطن العادي، حتى اتسعت خريطة الفقر في مصر، ووصلت إلى أن القضاة في عهد الانقلاب العسكري ولأول مرة يشتكون من الفقر في بيان رسمي.

واشتكى نادى القضاة من “الفقر والمعيشة السيئة التي يعيشها غالبية القضاة في مصر، بسبب غلاء الأسعار وتدنى الأجور، وعدم المساواة بين أبناء المهنة الواحدة” بزعم البيان، وأرسل رئيس نادى القضاة، المستشار محمد عبد المحسن، برسالة إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى، يلتمس فيها “رفع المعاناة عن القضاة، فيما يتعرضون له في الآونة الأخيرة بسبب الغلاء”!

ودعا رئيس نادي القضاة في رسالته إنه “يلتمس رفع المعاناة عن كاهل القضاة بسبب الغلاء وما انتقص من حقوقهم من فروق الترقيات والعلاوات، وشعورهم بعدم المساواة مع بعض الهيئات القضائية الأخرى”.

وزعمت الرسالة عبر بيان صادر عن النادي أمس الأربعاء، إن “الغلاء يتزامن مع ما استشرى أخيرًا من شعور بعض القضاة بعدم المساواة داخل السلطة القضائية ذاتها، الأمر الذي يؤشر إلى بوادر أزمة واستياء وفتنة داخلية تهدد وحدة القضاء وحسن سير العدالة”.

وطالب المجلس “تحقيق المساواة الإيجابية بين الجميع، وهو ما لا يتأتى بالنسبة للسادة القضاة في ظل نظام قضائي يحتاج إلى الإصلاح؛ إلا عن طريق عقد جلسات مسائية كعمل إضافي تحقيقًا للعدالة الناجزة المنشودة، والمساواة الإيجابية المبتغاه، ومضاعفة الفترات المسائية بالنسبة لأعضاء النيابة العامة، أو بالآلية الأفضل التي يراها إقرار التسوية”.

بل طالب عبد المحسن بدعم القضاة بإعانة عاجلة للضرورة القصوى، لحين اجتماع مجلس القضاة، إضافة لاتخاذ قرار حاسم بشأن فروق العلاوات بما يضمن إعادة حقوق القضاء، آخذًا بمضمون فتوى الجمعية العامة للفتوى والتشريع بمجلس الدولة، والتي انتهت لعدم انطباق قوانين الموازنة العامة للدولة، وقانون الخدمة المدنية على الفئات المستثناة ومنها السلطة القضائية.

فإذا كان هذا حال القضاة في مصر، رغم الأرقام الخيالية التي يتقاضونها من رواتب وبدلات وحوافز، فضلا عن الامتيازات الأخرى، إلا أنه وفي ظل التعويم وارتفاع الأسعار بدأ القضاة يشتكون من الفقر بالنسبة للمعيشة التي اعتادوا عليها، فمال بالنا بالفقراء الذين زاد عددهم عن 30 مليون مواطن في مصر، من الذي لا يتجاوز راتبهم كمتوسط بحد اعتراف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء 500 جنيه.

قياسات الفقر

الفقر هو حالة اجتماعيّة لا يتوفر للأفراد فيها أدنى مستويات المعيشة المُتوقعّة والشائعة في المكان الذين يعيشون فيه للبقاء على قيد الحياة. وهو ناتج عن التوزيع غير المتكافئ للموارد الماليّة وللثروات في المجتمعات، مثل الافتقار إلى الغذاء، والملبس، والمأوى، وتدنّي أو غياب الخدمات كالتعليم والرعاية الصحية. فالفقير هو مَنْ لا يتوافر له المستوى اللَّائق للمعيشة، وباصطلاح الفكر الاقتصاديِّ الإسلاميِّ هو مَنْ لا يتوافر له حدُّ الكفاية .

وتفاقم الفقر في عهد الانقلاب العسكري، حيث عجز معظم المصريين عن توفير احتياجاتهم الأساسية، ويندرج تحت هذه الأساسيات: الطعام والشراب، المسكن، الملبس، العلاج الأساسي. وقد يندرج تحت هذه الأساسيات أيضا: التعليم، وعجز المصريون عن توفير هذه الاحتياجات قد يخل بالاستقرار الاجتماعي، وقد يدفع من لا يتمكن من توفيرها للجريمة أو السرقة، وهو ما يعاني منه أغلب الشعب المصري.

خط الفقر في مصر

رغم أنّ الحكومة تحدد خط الفقر في مصر عن طريق حساب متوسط التكلفة السنوية للضرورات الأساسية للشخص البالغ، ويمكن احتسابه طبقاً لتقدير البنك الدولي بأنه معدل الدخل اليومي الذي لا يقل عن 1.9دولار، وهو ما يعادل حاليا في مصر -وفقا لسعر صرف الدولار أمام الجنيه حاليا والبالغ 18 جنيه- “34.2 جنيه تقريبا في اليوم، و1026 جنيه في الشهر للفرد الواحد”، أي أن من يتقاضى أقل من ذلك يوميا فهو تحت خط الفقر، لكن السلطة الحالية في مصر وضعت خط الفقر للشخص بأنه 482 جنيه في الشهر.

ومبلغ 482 جنيها الذي تم على أساسه إجراء الإحصاء الأخير في مصر عام 2015 ضئيل جداً، ولا يفي باحتياجات الإنسان الأساسية، بل لا يفي حتى بطعامه فقط في ظل الظروف الحالية التي نتجت عن رفع الأسعار، ورفع الدعم عن كثير من السلع والخدمات، وعلى رأسها وسائل النقل والمواصلات، وهذا المبلغ يزيد قليلاً عما يحتاجه الفرد الواحد لركوب المترو ذهابا وإيابا لمرة واحدة في اليوم، حيث يبلغ سعر تذكرة المترو 7 جنيهات وباعتبار انه سيستقل المترو كل يوم فيلزم الفرد 14جنيها في رحلتي الذهاب والعودة اليومية، وبضرب هذا المبلغ في ثلاثين يوماً يكون إجمالي ما يدفعه المواطن لركوب المترو 420 جنيهاً لركوب وسيلة مواصلات واحدة.

وأيضاً فإن هذا المبلغ (482) جنيها يزيد قليلاً عن قيمة وجبتين في اليوم الواحد وأرخص وجبة يمكن الحساب عليها مكونة من 2سندوتش فول أو طعمية “وهو الطعام السائد لسكان المدن”، وبحساب سعر السندوتش الواحد 4 أو5 جنيهات يكون ما يحتاجه الفرد ثمناً لوجبتين فقط في اليوم باعتبار أن الوجبة يتراوح ثمنها في أقل تقدير بين 8 أو 10 جنيهات وبضرب هذا المبلغ في عدد أيام الشهر “30 أو 31 يوماً” يتراوح الإجمالي بين 240 و310 جنيهات.

بل إن المبلغ المقرر في المسح الجديد المقرر الإعلان عنه في العام المقبل 2019 وهو 800جنيه يكفي لركوب مواصلة واحدة ذهاباً وإياباً وتناول وجبة واحدة يومياً أو يزيد عن ذلك قليلاً، ولذلك يرى الباحث أن تقدير البنك الدولي”1.9″دولار كمعدل دخل للفرد الواحد يوميا “هو الأقرب إلى الصواب بسبب رفع الدعم عن معظم السلع والخدمات في مصر وتطابقها أو اقترابها من الأسعار العالمية.

ارتفاع معدلات الفقر

وارتفعت معدلات الفقر في مصر خلال السنوات الخمس عشرة الماضية لتصل إلى 27.8 في المائة في عام 2015، حسب تقديرات اليونيسف والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري ، وأظهرت تلك الإحصائيات أن 30 مليون مصري على الأقل يرزحون تحت خط الفقر المدقع، إضافة إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى 3.5 مليون مواطن، حسبما أعلن تقرير الأمم المتحدة عام 2017.

كما أعلن اليونيسيف عن عشرة ملايين طفل “فقراء متعددي الأبعاد” مما يجعلهم محرومين “من أبعاد الرفاهية الرئيسية التي لها تأثير مباشر على قدرتهم على البقاء والنمو”. وتشمل أبعاد الرفاهية: “التقزم، والتسرب من المدرسة، وعدم وجود مياه شرب نظيفة، وعدم الحصول على الرعاية الصحية، أو تعرضهم للعنف الجسدي الشديد، وكشف تقارير ميدانية عن أن 60٪ من الأطفال في حي منشية ناصر لا يزالون خارج نظام التعليم الرسمي. نتيجة للفقر ولحاجة أسرهم لعملهم لتحقيق دخل للأسرة.

وتؤكد تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وصول نسبة الفقراء تحت خط الفقر إلى 27.8 % بمعدل استهلاك 482 جنيها للفرد في الأسرة حتى يتوفر له 3 احتياجات أساسية هي المسكن والمأكل والملبس، وباعتبار أن متوسط الأسرة في مصر 4.1 فرداً فإن الأسرة التي يقل دخلها عن 2000 جنيه شهرياً تكون تحت خط الفقر، كاشفاً وصول نسبة الفقر في محافظات الصعيد إلى أكثر من الـ 50% بينما تبلغ نسبة الفقر بمحافظة أسيوط 66% .

ويتوقع أن يتم رفع خط الفقر إلى 800 جنيه للفرد الواحد في المسح الجديد للتعبئة العامة والإحصاء بسبب زيادة معدلات التضخم والقرارات الاقتصادية الأخيرة كرفع سعر الوقود ورفع الدعم عن العديد من السلع والخدمات، لذلك يتوقع ارتفاع نسبة الفقر إلى 35% على الأقل فى خط الفقر الجديد، وهذا الرقم يقل عن المعدل البنك الدولي البالغ 1024 جنيها طبقاً لمتوسط سعر صرف الدولار كما سبق ذكره.

ويلاحظ أن معدلات الفقر السابق ذكرها تقل عن التقديرات السابقة التي تم رصدها من قبل المجالس القومية المتخصصة عام 2009 في مصر والتي ذكرت أن نسبة الفقر في مصر بلغت 46%، وأنها ترتفع بصفة خاصة في النساء والأطفال-الذين لا يحصلون على الطعام الكافي ويعانون من سوء التغذية، وأن 35% من النساء و53% من الأطفال في مصر لا يحصلون على الطعام اللازم، وأضافت التقديرات أن نسبة الفقر تتفاوت ما بين المحافظات الحضرية (6.6%) والمناطق الريفية (41.4%).

Facebook Comments