في جلسة واحدة وافقت لجنة الشؤون الدستورية ببرلمان الانقلاب على مشروع قانون المجلس الأعلى للهيئات القضائية الذي عرضته حكومة السيسي ووافقت عليه اللجنة الأربعاء الماضي، والذي يتوقع صدوره خلال أيام ويجعل القانون المجلس الأعلى للهيئات القضائية السلطة العليا في مؤسسة القضاء بيد السيسي منفردا كما نصت على ذلك التعديلات الدستورية، وضم إلى أعضائه “رئيس هيئة القضاء العسكري”، وتصدر قراراته بالأغلبية التي يجب أن تتضمن رئيس المجلس وبالتالي يملك السيسي ما يعتبر حق فيتو على قرارات المجلس.

كما يؤله القانون رئيس الجمهورية المنصب الذي اغتصبه العسكر، وجاء في المشروع: “ولرئيس الجمهورية حق اختيار من يرأس المجلس في غيبته من بين أعضائه، وبالتالي قد يحدث أن يرأس المجلس رئيس هيئة القضاء العسكري والذي يقرر قواعد تعيين وندب وترقية القضاة في كافة الهيئات الأخرى”!.

واعتبر قضاة أن مشروع القانون نص على اختصاصات ذلك المجلس وتحديد قواعد تعيين القضاة وندبهم وترقيتهم في كافة الجهات القضائية عدا هيئة واحدة لم يتضمنها القانون، وهي هيئة القضاء العسكري، وبالتالي يبقى ذلك الاختصاص بشأنها للمجلس العسكري وليس مجلس الهيئات القضائية كسائر الجهات!

أحذية السيسي

ولأنهم بحسب مراقبين قبلوا ان يكونوا أحذية في قدم السيسي فقد صمت غالبية القضاة ولم يعترض سوى أقلية؛ خشية البطش بهم وإبعادهم وهو ما سيحدث لمن اعترض منهم بعد إصدار القانون.

وتذكر المراقبون كيف كان حال القضاة في ظل الحكم الديمقراطي لثورة يناير، والذي لم يستمر سوي عام بقيادة الرئيس مرسي وحالهم الآن حيث سيطر الجيش على مؤسسة القضاء وسخرها لصالح النظام العسكري الجديد، فتوالت أحكام القضاء الجائرة بالمؤبدات والإعدامات، التي قتلت آلاف المصريين على المشانق أو داخل السجون، وبعدما كان الهتاف في الشارع المصري: “إن في مصر قضاة لا يخشون إلا الله” أصبح: “إن في مصر قضاة لا يخشون حتى الله”.

وتفاصيل المقارنة كانت بين صراخهم وهم أحرار ومطالبتهم بتدخل أجنبي (أوباما) وبين صمتهم الآن تماما على انهاء أي استقلال للقضاء، والسؤال: أين الزند؟ وأين كبار القضاة؟ وهل تعيين السيسي لبعضهم أخرسهم عن الانتقاد والاعتراض؟

غير أنه ومنذ انقلاب 3 يوليو 2013، فإن القضاة الذين تآمروا على الثورة والنظام الديمقراطي يتعرضون لأكبر عملية تجريف واحتواء تمثلت في تعديلات قانون الهيئات القضائية بما أفضى إلى هيمنة السلطة التنفيذية بشكل كبير على مفاصل القضاء؛ وبالتعديلات الدستورية المرتقبة فإن عملية تطويع القضاء والوصاية عليه، تكون قد وصلت إلى محطتها الأخيرة التي بدأت مع جمال عبدالناصر وصولا إلى عبدالفتاح السيسي.

تطويع كامل

وسرد خبراء مجموعة من الترقيعات التي أقرها العسكر بهزلية انتخابات وهزلية حوار مجتمعي معتمد من هزلية “برلمان” و”رئيس” منقلب، فالتعديلات المشئومة برأي الخبراء تقضي على ما تبقى من “هامش استقلال محدود للسلطة القضائية”، وكذلك تمنح حصانة للتشريعات الاستثنائية الصادرة عن السلطة التشريعية “بتوجيهات من رئيس الجمهورية، بهدف ترسيخ ركائز حكم ديكتاتوري وقمع كافة الأصوات المعارضة”.

وطالت مقترحات التعديل بعض المواد الدستورية التي تخص القضاء (185 – 189 – 190 -193) وهي بحسب دراسة لموقع ” الشارع السياسي Political Street” في مارس الماضي بعنوان “أزمة القضاء مع السلطة التنفيذية من “عبدالناصر” إلى السيسي”:

1) فيما يتعلق بالمادة 185 اقترحت التعديلات “تعيين رئيس الجمهورية رؤساء الجهات والهيئات القضائية من بين خمسة ترشحهم مجالسهم العليا من بين أقدم سبعة من نوابهم”.

2) أما المادة 189 اقترح أن تعدل بما يسمح بأن “يعين رئيس الجمهورية النائب العام من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى”.

3) كما جاء في المقترحات “اختيار رئيس الجمهورية رئيس المحكمة الدستورية العليا من بين أقدم خمسة نواب لرئيس المحكمة”، بدلًا مما كانت تنص عليه المادة 193 من اختيار الجمعية العامة للمحكمة رئيسها.

4) حُذف من مهام مجلس الدولة المنصوص عليها في المادة 190 “مراجعة مشروعات العقود التي تكون الدولة، أو إحدى الهيئات العامة طرفًا فيها”، وقصرها على مشروعات القوانين “التي تُحال إليه”، وبذلك يتم تقليص صلاحيات القضاء الإداري الذي كان يلجأ إليه النشطاء في مخاصمة الحكومة؛ حيث اقترحت التعديلات إلغاء اختصاص مجلس الدولة بالمراجعة “الإلزامية” لجميع مشروعات القوانين قبل إصدارها، والاكتفاء بإبداء الرأي فيما يطلب منه، وبالتالي يصبح عرض القوانين والاتفاقيات على القضاء الإداري غير ملزم للبرلمان، وهي الإشكالية التي تعرض لها البرلمان بعد الموافقة على اتفاقية جزيرتي تيران وصنافير، والتي حكم القضاء الإداري ببطلانها.

5) تتضمن التعديلات المقترحة تشكيل مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية برئاسة السيسي، على أن يتولى هذا المجلس تعيين وترقية وندب القضاة، فضلا عن النظر في القوانين المقترحة لتنظيم عمل الهيئات القضائية.

6) بينما ساوت التعديلات بين «المحكمة الدستورية» وباقي الجهات والهيئات القضائية في طريقة اختيار رئيسها، لكنها بالمقابل سمحت لرئيس الدستورية بالبقاء في منصبه مددًا أطول من نظرائه، فضلًا عن أنها ميزت الدستورية بالاحتفاظ بموازنتها مستقلة، وذلك دون عن باقي الجهات والهيئات القضائية.

وكانت الجريدة الرسمية نشرت، في 7 فبراير الجاري، حكمًا صادرًا عن المحكمة الدستورية العليا في 20 يناير الماضي، بوقف تنفيذ حكم للمحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة، بإلزام رئيس الدستورية بالكشف عن رواتب قضاة المحكمة؛ حتى يتمكن القضاة المماثلين لهم في الدرجة وتاريخ التعيين في باقي الجهات والهيئات القضائية من إجراء مساواة مالية معهم في الرواتب والامتيازات المالية.

كان هذا الحكم هو الثاني للدستورية الذي ترفض من خلاله تنفيذ أحكام بالكشف عن رواتب أعضائها، إلا أن توقيت نشر الحكم الجديد؛ بعد أربعة أيام فقط من تقدم رئيس ائتلاف “دعم مصر” بمقترح لتعديل الدستور، متضمنًا حذف النص على تخصيص ميزانية مستقلة لكل الجهات والهيئات القضائية باستثناء المحكمة الدستورية العليا، جدد الخلاف بين “الدستورية” وباقي الجهات القضائية، حول الرواتب والأجور.

رشوة القضاة

وكان عبدالفتاح السيسي قد استبق التعديلات الدستورية، برشوة القضاة، مرتين؛ الأولى ما ورد بتصريحات وكيل البرلمان أحمد حلمي الشريف بأن ثمة مقترحات بمنح كل هيئة قضائية موازنة خاصة بها، والرشوة الثانية عندما أصدر قرارا بتعيين 341 معاونًا للنيابة العامة، معظمهم من أبناء القضاة والمستشارين، وقبلها بشهور أصدر قرارا بتعيين 400 آخرين، كان معظمهم من أبناء القضاة أيضا، وبالتالي فإن هذه التعديلات تعصف باستقلال القضاء لكنها في ذات الوقت تحقق مكاسب لنفر من القضاة، ولا يعارضها سوى أولئك الذين مازالوا ينظرون إلى الاستقلال بشكل أوسع من الموازنة المالية.

“وبذلك تلغي التعديلات مبدأ الفصل بين السلطات، وتمنحها جميعها لرئيس الجمهورية منفردًا؛ إذ يسعى “زعيم الانقلاب” من خلال هذه التعديلات إلى دسترة انفراده باختيار وتعيين رؤساء وأعضاء الجهات والهيئات القضائية”.

Facebook Comments