كشفت وثائق نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية “بى بى سى”، كيف قامت أجهزة الاستخبارات البريطانية باستغلال عداء جمال عبد الناصر للإخوان المسلمين في شن حروب نفسية مزوّرة باسم الجماعة.

وتُشير الوثائق- التي كشفتها الهيئة على موقعها باللغة العربية اليوم الأحد- إلى أن بريطانيا روّجت، في ستينيات القرن الماضي، بيانات مزورة تحمل اسم الجماعة في عدّة بلدان عربية وإسلامية، تهاجم تدخل الجيش المصري بقيادة عبد الناصر في اليمن؛ لوقوفه بالجهة المعادية لمصالح الاستعمار البريطاني والسعودية.

وكانت تلك البيانات، التي صاغتها الاستخبارات البريطانية، تركز على شيطنة الجيش المصري و”تكفيره” لدوره في اليمن، وجاءت كرد من رئيس الوزراء البريطاني دوغلاس، الذي أمر في يوليو 1964 وزير خارجيته راب باتلر، بالانتقام من عبد الناصر، في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر، ودعم عبد الناصر للجهة اليمنية المناوئة لمصالح بريطانيا النفطية بشكل خاص، عن طريق “جعل الحياة جحيمًا بالنسبة له باستخدام المال والسلاح”.

وذكر الموقع الإلكتروني لـ”بي بي سي”، أن دوجلاس طلب من الوزير أن يكون التحرك سريًّا، وأن “يُنكر ذلك إن أمكن” في حالة انكشافه. وبعدها تشكّلت لجنة عمل سرية بمشاركة مختلف الأجهزة والوزارات المعنية لإدارة السياسة البريطانية تجاه اليمن.

 

حرب اليمن والإخوان والأسلحة الكيماوية

قررت بريطانيا مهاجمة عبد الناصر ونظامه عبر نشر الشائعات، لذلك قامت- بحسب الوثائق السرية التي كشفتها “بي بي سي”- باستغلال حملة القمع الشديدة التي شنتها السلطات المصرية ضد الإخوان المسلمين في تلك الفترة، مستغلة اسم الجماعة، في إطار حربها السرية، لتأليب المسلمين في مختلف الدول على النظام المصري.

وفي سياق الاحتقان بين الجماعة التي أُعدم العشرات منها وزُج بالآلاف منها في السجون، كانت الأجواء مواتية لتمرير المنشورات البريطانية الكاذبة والمزورة على أنها فعلا صادرة عن الإخوان المسلمين.

وتكشف الوثائق عن أن فكرة إصدار منشورات توهم قراءها بأنها صادرة عن الإخوان، جاءت بعد زيارة مسئول بالخارجية البريطانية إلى واشنطن.

وسرت شائعات في تلك الفترة، بأن الجيش المصري “استخدم” أسلحة كيماوية في حربه باليمن، لتُصدر الاستخبارات البريطانية بيانًا مزورًا باسم الجماعة، قيل فيه إن القوات المصرية في اليمن “ليست مسلمة لأنها تقتل المسلمين بالغاز” السوفييتي، الذي صنعه “الشيوعيون الملحدون”.

كما أن بريطانيا، حليفة إسرائيل، استخدمت المنشورات أيضا للتحريض على عبد الناصر، قائلة إن “القنابل التي ألقيت على اليمن خلال الحرب التي تستعر نيرانها في هذا البلد المسكين لأربع سنوات، كانت تكفي لتدمير إسرائيل تدميرا تاما”، فقد كان لجوء عبد الناصر للاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية للتسلح، قد أثار غضب بريطانيا.

“سوكارنو” والإخوان

وقالت “بي بي سي”، إن الوثائق التي صدرت مؤخرًا تُشير إلى أن فكرة إصدار منشورات توهم قراءها بأنها صادرة عن الإخوان المسلمين، جاءت بعد زيارة مسئول بالخارجية البريطانية إلى واشنطن.

وفي إحدى الوثائق يقول المسئول، بعد عودته من الزيارة: “تشاورت مع الآنسة ستيفنسون ووافقت على أنه من المرجح والطبيعي أن مثل هذا التنظيم (تقصد الإخوان) يرسل هذا المنشور”.

وكانت أجهزة الحرب السرية البريطانية تنشر المنشورات من نقاط توزيع مختلفة شملت دولًا عربية ومسلمة (منها مصر) وغير مسلمة في إفريقيا وآسيا، ولعبت بالأساس على جانب تكفير النظام المصري، ووصمه بشتى أنواع التوصيفات كـ”المستعمر في اليمن” وغيرها، لإثارة مشاعر الناس ضده.

وتتضح مدى منهجية الخطة البريطانية الاستخباراتية، في طريقة نشر هذه البيانات المزورة، حيث أرسلت إلى صحفيين وكتاب ومراكز بحثية وتعليمية ومنظمات دينية مسلمة وجمعيات أهلية ومؤسسات حكومية في هذه الدول.

لكن بريطانيا حاولت أيضا أن تستفيد من هذا التزوير لضرب شرعية زعماء وأنظمة أخرى معادية لتمددها الاستعماري، عبر استغلال اسم الإخوان المسلمين كذبا. وتكشف الوثائق عن أن الزعيم الإندونيسي الراحل أحمد سوكارنو كان أحد أهداف الحرب السرية البريطانية.

كما تُشير الوثائق إلى أن الحرب النفسية التي شنتها بريطانيا على سوكارنو، الزعيم الإندونيسى الشهير، امتدت لمدّة عام واحد بين عام 1965 و1966، قامت فيها بإصدار منشورات باسم الإخوان المسلمين، تهاجمه بـ”سبب أشكال البذخ المخالف للدين في حياته الخاصة”، وهو اقتراح كان مدعوما بمباركة أمريكية أيضا.

وبرر مسئول بريطاني في هذه الوثائق، مقترح فكرة الاستمرار في إصدار المنشورات، بأن “المنشورات السابقة حققت بعض التأثير” ثم ركز على “أن ترسل المنشورات إلى الشخصيات البارزة والصحف، خاصة في مختلف الدول المسلمة في إفريقيا وآسيا”.

ويتضمن منشور آخر أنه” لا ينكر أحد أن سوكارنو قد لعب في الماضي دورا عظيما في تحرير بلاده من المستعمرين، ولكن يجب أن يقال إن عيوبه وأخطاءه في السنوات الأخيرة قد غطت على عظمته في بادئ الأمر”.

ودخل المنشور المزور إلى حد التدخل بحياة الزعيم الإندونيسي الخاصة، حيث كُتب: “إن انغماس سوكارنو في شهواته الجنسية مع النساء الفاحشات، رغم أن قدرته حتى فيما يتعلق بهذا الخصوص أخذت تزداد ضعفا يوما بعد يوم، قد صدم المؤمنين بدين الله الحنيف إلى حد لا يطاق”.

وقال المنشور، الموقع باسم “جمعية الإخوان العالمية” زورا، إنه “بدلا من أن يساعد سوكارنو شعبه على اتباع طريق الإيمان الحق، قام بتشجيع الشيوعيين الملحدين في بلاده ليس سرا فقط بل وعلى رؤوس الأشهاد كذلك”.

 

الإلحاد “على جدران المساجد”!

كان النظام الصيني، بزعامة ماو تسي دونج، هدفا آخر للحرب السرية الدعائية البريطانية، التي كانت إحدى سمات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي الشيوعي والغربي الرأسمالي. ففي عقد السبعينات من القرن الماضي، اشتعل الصراع بين بريطانيا والصين .

الزعيم الصيني بدأ “ثورة ثقافية” في الصين خلال عقد السبعينات من القرن الماضي؛ بهدف الحفاظ على الشيوعية وهيمنة الحزب الشيوعي الصين.

وفي الفترة بين عامي 1966 وو1976، بدأ ماو “ثورة ثقافية” سُميت بالماوية؛ بهدف القضاء على الرأسمالية ومؤيديها، وتمكين الشيوعية والحزب الشيوعي الصيني من السيطرة التامة على الصين. وخلال هذه الفترة قُتل ما بين نصف مليون ومليوني شخص.

وفي شهر ديسمبر عام 1966، روجت وحدة الحرب الدعائية البريطانية منشورا يحرض المسلمين في الصين وخارجها على الحكومة الصينية.

وقال المنشور “كيف نقف جانبا بينما يقوم هؤلاء الملحدون وعصاباتهم الهمجية التي يطلقون عليها اسم الحرس الأحمر لماو تسي تونغ بارتكاب هذه الجرائم الشنيعة التي لا تُغتفر ضد الدين الحنيف. كيف لا نقول شيئا بينما يقوم هؤلاء الهمجيون والفوضويون بتدمير وتدنيس كل ما هو مقدس لدينا”. وحاول البريطانيون إلهاب مشاعر المسلمين ضد السلطات الصينية.

وقالوا في منشورهم: “إن الخجل والفزع يختلجان في قلوبنا بحيث نكاد لا نستطيع احتمال سماع كيف أن المجرمين الحمر أغلقوا المساجد، بل الأدهى من ذلك كيف قاموا بغزو المساجد ونهبها، وكيف دنسوا الأرض المقدسة بنجاستهم الشيوعية، وكيف دمروا كل شيء مقدس وكتبوا الشعارات الإلحادية على حيطان المساجد”.

وتساءل: “كيف لا نشعر بأن الملحدين الشيوعيين إنما ينظرون إلى جميع المعتقدات الدينية على أنها مجرد أضحوكة يسخرون منها؟”.

ودعا المنشور المسلمين إلى العمل على “أن نحيي ضمير العالم ونبذل كل ما في وسعنا من قوة، إلى أن يتمكن جميع إخواننا في الصين من العيش في سلام وحرية وكرامة”.

وعمد البريطانيون إلى تركيز الحملة الدعائية، باسم الإخوان، ضد الصين على “الأماكن التي بها صحافة إيجابية تجاه الصين مثل سوريا والجزائر”، ثم أضافوا باكستان إلى القائمة.

Facebook Comments