توفي الداعية الإسلامي والمفكر العظيم الدكتور محمد عمارة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، مساء أمس الجمعة، عن عمر يناهز 89 سنة، بعد تاريخ حافل من الدعوة.

وفي حياته الحافلة، مر الدكتور عمارة بتحولات فكرية كبرى نقلته من الاتجاه الماركسي إلى المعسكر الإسلامي. يقول الدكتور محمد عباس: إن محمد عمارة هو واحد من كوكبة لامعة صادقة هداها الله فانتقلت من الفكر الماركسي إلى الإسلام. وكانت هذه الكوكبة هي ألمع وجوه اليسار، فأصبحت ألمع وجوه التيار الإسلامي، ودليلا على أن “خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام”.

ماذا قال عن الإخوان؟

إن أهم ما يميز فكره هو إيمانه ودفاعه عن وحدة الأمة الإسلامية، وتدعيم شرعيتها في مواجهة نفي البعض لها، حتى نعَت العلمانيون دكتور عمارة بأنه المُنظر للحركة الإسلامية.

وفي ذلك يقول هو: “وأنا أعتبر الإخوان أكبر حركة من حركات الإسلاميين، وفي ظل التشرذم في الحركة السياسية وفي الأحزاب ليس لدينا رصيد في الشارع إلا الإخوان، فهى قلب الأمة النابض والحى، وإن للإخوان رصيدًا كبيرا في قلوب العالم الإسلامي”.

ولقد تعمّق الموقف الإسلامي لدى عمارة بظهور الصحوة الإسلامية في السبعينيات، فبدأ نشاطه العلمي في إظهار محاسن الإسلام وتعرية دعاة الماركسية الاشتراكية، مستخدما مصطلحاتهم ومفاهيمهم مثل: الحرية والعدالة والتكافل الاجتماعي.

ثم سطع نجمه أكثر مع تعالي التحديات الغربية والتغريبية أمام العالم الإسلامي، وبالذات منذ الثمانينيات، وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، وتفرُّد الولايات المتحدة بالهيمنة العالمية.

يقول عمارة: “عندما أكتب عن غلاة العلمانيين والمتغربين أبدو وكأنني محافظ، وعندما أكتب في نقد الجمود والتقليد أبدو وكأنني ثوري وتقدمي، لكن هناك معالم أساسية لا تتغير كالحفاظ على رؤيتي للإسلام ومعالمه، وعملي الدؤوب لإنهاض الأمة وإخراجها من عنق الزجاجة الذي وقعت فيه، ومواجهة التحديات الشرسة والحرب الصليبية المعلنة على الإسلام”.

مستقبل المشروع الإسلامي

ويرى عمارة- رحمة الله- أن المشروع الإسلامي هو المشروع الوحيد على النطاق العالمي الذي له المستقبل كل المستقبل، فهو من الناحية التاريخية جعل الأمة الإسلامية العالم الأول على ظهر هذه الأرض لأكثر من عشرة قرون، وذلك بعد أن كان العرب همجا لا وزن لهم في الحضارة والتاريخ، وبعد أن كانت شعوب الشرق مقهورة من قبل الرومان والفرس لأكثر من عشرة قرون.

ويضيف: المشروع الإسلامي من الناحية الدينية والقيمية يزداد الانتماء إليه، وتتزايد جماهير الحركات التي تجاهد في سبيل سيادة نموذجه داخل عالم الإسلام.

ويكمل الراحل حديثه: المشروع الإسلامي على المستوى المدني هو مالك المستقبل، فكل نماذج التحديث الغربية قد سقطت وأفلست: النازية والفاشية والشيوعية، وها هي الرأسمالية المتوحشة التي حسبوها نهاية التاريخ، قد دخلت بالغرب نفقًا مظلمًا لم يخرج منه سالما.

تجربة الإخوان

أما عن تجربة الإخوان، فيقول: إن الإخوان لم تتح لهم الفرصة كي تكون لهم تجربة يحاسبون عليها، نعم لهم تجربة في التنظيم، جعلتهم التنظيم الوحيد الذي لا تخلو منه مدينة على ظهر هذه الأرض، ولهم تجربة في معاناة الاضطهاد والقهر والسجون والمعتقلات وتقديم الضحايا، تفوقوا فيها على سائر أصحاب الأيديولوجيات.

لكنهم في الحكم وإدارة الدولة لم تتح لهم الفرصة للتجربة، لقد امتلكوا رأس الدولة، ولم يمتلكوا الآليات التي يديرون بها الدولة، بل كانت هذه الآليات تابعة للنظام القديم المعادي لهم، وهم وإن نجحوا على المستوى الجماهيري، في استفتاء مارس 2011، وانتخابات مجلس الشعب، ومجلس الشورى، ورئاسة الجمهورية، والاستفتاء على الدستور، إلا أن آليات الدولة القديمة، والقوى المؤيدة لها، وكذلك أصحاب الأيديولوجيات المرعوبة من جماهيرية الإخوان، والسلفيين وبالذات الذين لهم علاقة بدول الخليج، كل هؤلاء لعبوا دورا في تشويه صورة الإخوان، وتحالفوا جميعًا على حرمانهم من حقهم الدستوري في تجربة حظهم مدة 4 سنوات، فكان مثلهم كمثل الذي قال فيه الشاعر القديم: ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء.

رفض الانقلاب العسكري

كما رفض المفكر الراحل، الانقلاب العسكري على الرئيس المدني المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي، يوم 3 يوليو 2013، وأصدر بيانًا واضحًا طالب فيه بالعودة إلى المسار الديمقراطي واحترام إرادة الشعب، وعودة الجيش إلى ثكناته.

واعتبر- في مقطع مصور- أن عزل مرسي “باطل شرعا وقانونا هو وكل ما ترتب عليه”. وهو الموقف الذي أثار عليه هجمة انتقاد شرسة من وسائل الإعلام والدوائر المؤيدة للانقلاب.

وصفه الدكتور يوسف القرضاوي- في حفل تكريمي لعمارة أقامه مركز الإعلام العربي عام 2010- بأنه “أحد مجددي القرن الخامس عشر الهجري، الذين هيأهم الله لنصرة الدين الإسلامي من خلال إجادته استخدام منهج التجديد والوسطية، وصولاته وجولاته القوية في تعرية أعداء الإسلام”.

أما الدكتور راشد الغنوشي فاعتبره “كاسحة ألغام أمام الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية، فهو شديد البأس على أعداء الإسلام من العلمانيين الاستئصاليين، وهو فحل في هذا المجال وعون لكل باحث في الفكر الإسلامي ولكل شاب يريد أن يطلع على الإسلام في موارده الصافية، وأنا أعتبر نفسي تلميذا من تلاميذه في جوانب كثيرة”.

المستقبل لما تحمله الأيام المقبلة

ويؤكد المفكر الراحل، أنه بالنسبة للمستقبل المتوسط والبعيد، فإنه شديد التفاؤل، فليس هناك بديل حضاري على النطاق العالمي سوى الإسلام.

كل البدائل أفلست وجربناها، ولكن على المستوى القريب المنظور هناك تحديات شرسة، ومحاولات لوأد الجنين الذي ولد مع ثورات الربيع العربي، والذي ثبت بعد التطورات الاخيرة أنه كان يحذر من ترك ظاهرة ثورات الربيع العربي تعيد للأمة الاسلامية مجدها الذي أسقط وطويت صفحته بإسقاط الخلافة الاسلامية.

مؤلفاته

وصلت مؤلفات محمد عمارة خلال ستة عقود إلى نحو 240 مؤلفًا ما بين كتاب ودراسة، ومن هذه المؤلفات: “التفسير الماركسي للإسلام”، “معالم المنهج الإسلامي”، “الإسلام والمستقبل”، “نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام”، “الغارة الجديدة على الإسلام”، “التراث والمستقبل”، “الإسلام والسياسة: الرد على شبهات العلمانيين”، “الجامعة الإسلامية والفكرة القومية”.

كما قام بتحقيق مجموعة من الكتب القديمة والحديثة، منها الأعمال الكاملة لكل من: رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وقاسم أمين، وعلي مبارك.

Facebook Comments