لم يكن مفاجئًا إعلان جنرال إسرائيل السفيه السيسي المشاركة في ورشة البحرين الاقتصادية، حيث قال مسئول بالبيت الأبيض، إن الأردن ومصر والمغرب أبلغوا الرئيس ترامب نيتهم حضور ورشة البحرين، المقررة في 25 و26 يونيو الجاري، وسط مخاوف عربية من أن تكون مقدمة لـ”صفقة القرن”.

من جهته توقع مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير عبد الله الأشعل، أن يقتصر الحضور على وزير خارجية الانقلاب سامح شكري، مؤكدا أن حضور السيسي مستحيل، بل ويتعارض مع دوره الخلفي بصفقة القرن التي يلعب فيها دورًا خلف الستار، موضحًا أن حضور مصر يأتي في ظل تعليمات ترامب.

وتساءل الأشعل: “هل سيناقشون علنا بنود ما اتفقوا عليه سرا؟”، مؤكدا أن “الهدف من الحضور المصري هو اختبار شعبية الصفقة، خاصة بعد الرفض الفلسطيني لها”، وجزم بالقول، إن “ورشة المنامة ستفشل فيما قصدت إليه”، مطالبا بتوعية الشعوب العربية، وداعيا إلى تدشين منتدى للمثقفين العرب للقيام بهذا الدور، مضيفا أنه “لا يمكن أن تمر صفقة القرن، ولا يمكن أن ينتصر الخونة المتآمرون على الشعوب والأوطان”.

رشوة

وقسمت الولايات المتحدة خطة السلام إلى قسمين، اقتصادي وسياسي، وذلك بعد مناقشات طويلة وتقديرات داخل البيت الأبيض بعد إعلان السلطة الفلسطينية رفضها للخطة، وتأمل الولايات المتحدة من إعلان القسم الاقتصادي لوحده أن يشكّل ضغطًا شعبيًّا على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للقبول بالقسم السياسي؛ نظرًا لسوء الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها الفلسطينيون في الضفة والقطاع.

وجاء استعمال الورقة الاقتصادية للضغط على الفلسطينيين، بل ومساومتهم وابتزازهم لقبول ما لا يمكن قبوله، يجعل الهدف من مؤتمر البحرين، وفق ما قاله مصطفى البرغوثي، هو “تمرير صفقة القرن التي هي ليست حلا، وإنما هي محاولة لإضفاء شرعية أمريكية ودولية على استمرار الاحتلال، ومحاولة لفرض التطبيع بين العرب وإسرائيل”.

وقد يكون للأمريكيين وسط ذلك فَهْم آخر يسعون لترويجه حاليا؛ فالمتحدّث الإقليمي لوزارة الخارجية الأمريكية (ناثان تك) يقول إن “الهدف الرئيسي من ورشة البحرين هو الرفع من مستوى عيش المواطن الفلسطيني العادي، من خلال حشد الدعم لإيجاد سُبُل جديدة للوصول لهذا المُبتغى، وأن المؤتمر سيشكّل فرصة لطرح جزء من الخطة الاقتصادية على الحاضرين والاستماع لردودهم للتعامل معها، وعليه فإن واشنطن قامت بدراسة عميقة ومتأنية للقضايا السياسية الفلسطينية العالقة، وبالتالي ستعمل على معالجتها بشكل دقيق جدا”.

وإن كان واقع الأمر أنه لا أحد من الفلسطينيين يمكن أن يقبل بتبريراتٍ من هذا القبيل، فالجانب الاقتصادي لا يمكن أن يكون سوى التتويج لمسار سياسي عادل وثمرة له، لا يمكن أن يكون سابقاً له، ناهيك أن يكون بديلاً أو “رشوة” لإسقاط الحل السياسي القائم بالضرورة على إنهاء الاحتلال وتحرير الأرض.

لماذا البحرين؟

اختيار المنامة لعقد هذه “الورشة” في محاولة لتخفيف كلمة “مؤتمر” لم يأت صدفة، فهذا الاختيار ينمّ مُسبقا عن موافقة عربية على المناسبة وسياقها، وهو الموقف المطلوب تحديدا من هذه العواصم العربية التي تعوّل عليها واشنطن لتمويل بعضهم كل ما يتعلق بالجانب المالي والاستثماري في صفقة القرن.

وفي العقود السابقة، كان المال العربي الذي يُقدَّم إلى الفلسطينيين ممثلين في منظمة التحرير، موجّها إلى دعم صمودهم، وكان هذا المال في معظمه خليجيًّا وسعوديًّا بالدرجة الأولى، غير أن هذا الدعم تراجع كثيرًا في السنوات الماضية حتى بات الآن يوجَّه في الاتجاه المُعاكس.

يبقى في النهاية أنها “ورشة” محكوم عليها بالفشل الذريع، ذلك لأن “عربة تطبيع” تحمل 650 مليار دولار لن تفلح في اقتياد “حصان سلام” جاثِم خلفها، ومُكبّل أصلا بخيارات ترامب المُعادية للفلسطينيين أولاً، وكذلك بسياسات نتنياهو في الاستيطان وقَضْم الأراضي وقرصنة الأموال وفرض الحصار وسنّ القوانين العنصرية.

ولعلّ بند النجاح الوحيد الذي ستنجزه “ورشة البحرين” سوف يتمثل في إضافة صفحة جديدة إلى سجل المنامة وعديد من عواصم العرب نحو مزيد من التطبيع مع كيان العدو الصهيوني، فالبحث عن “سلام” من بوابة الاقتصاد ليس أمرا جديدا في تاريخ هذا النزاع، فقد تمّ تجريبه في الماضي وكان بندًا دائمًا على غالبية مشاريع التسوية منذ بدايات الصراع، وانتهى دائمًا إلى فشلٍ ذريعٍ أو انقلب إلى الضد.

ولهذا فإنّ إعلان البيت الأبيض عن مسعى استدراج عشرات المليارات من الدولارات، تسدّدها دول عربية غنية وأخرى مانِحة في أوروبا وآسيا، لن يصنع فارِقا عن مساعٍ سابقة ما دامت المليارات لا تخدم الحلّ السياسي أولا، ولا تضمن حقوق الشعب الفلسطيني، كذلك سوف تظل المحاولة عقيمة ما دامت “صفقة القرن” هذه لم تعلن من عناصرها السياسية سوى إسقاط حق فلسطيني أصيل.

Facebook Comments