قالت ورقة سياسية إن الخطاب الرسمي الصهيوني كان يتمنى أن يصبح الإخوان برجماتيون (أصحاب مصلحة وأطماع)، وإنه وفق لرأي بعض المحللين "الصهيونيين" يدعون لتبني الموقف البرجماتي الأمريكي الذي رأى أن الإخوان المسلمين يعملون وفق القانون، وبرجماتيون وأنهم الشركاء الأنسب لكبح جماح القوى الإسلامية المتشددة التي تهدد استقرار النظام المصري وعلاقاته بـ"الكيان الصهيوني"، بحسب الورقة.

وأضافت ورقة بعنوان (الخطاب الرسمي "الصهيوني" عن جماعة الإخوان المسلمين بمصر (2010 – 2020) للدكتور أحمد الجندي، أستاذ الدراسات اليهودية والصهيونية، نشرها موقع مسار للدراسات الإنسانية أن الصهاينة أدركوا مع مرور الإخوان في الحكم أن الجماعة لديها موقف رافض من الأصل لقيام "الكيان الصهيوني"، وأنها في ظل المواجهة تتبع رؤية قائمة على التدرج؛ فهي لا تلغي الجهاد من قاموسها لكنها تؤجله حتى تأتي الفرصة المناسبة لتمحو "الكيان الصهيوني" وتدخل في صراع مع الغرب، لكن هؤلاء المراقبين كانوا يعتقدون أن ثمة أصواتا معتدلة ليست بالقليلة داخل الإخوان –وفق اعتقادهم– لم يكن لديهم مانع من التعايش مع "الكيان الصهيوني" في حالة وجود حل للقضية الفلسطينية، وهذه الأصوات المعتدلة كان لديها القدرة على إقناع المصريين بهذا التعايش إذا تضمن الحل إقامة دولة فلسطينية.

ورأى الكاتب أنه رغم "مظاهر الضعف البادية على جماعة "الإخوان" تلك لم تعد القيادة "الصهيونية" تذكر الإخوان في مصر إلا في سياق التاريخ، لكنها على الرغم من ذلك تخشى من احتمالية تخطي الإسلام السياسي لأزمته الراهنة كما تخطاها من قبل في أزمات مماثلة".
وأنهم يدركون أنه "حتى لو اختفى الإخوان المسلمون من المشهد فإن أفكارهم ستظل حية عند حركات جديدة، كما يدركون خطورة أن يؤدي سوء الأوضاع الاقتصادية في مصر إلى أن يعود الإخوان للقيام بدور ما، فأيديولوجيتهم حية في قلوب كثيرين، وهو ما يخشاه "الكيان الصهيوني" وعدد من الحكومات العربية".

اتجاهات التعامل
البعد التأريخي في الورقة اكتفى بالتركيز على فترة ما بعد ثورة يناير (2010-2020) مع الإشارة إلى ملامح ما قبل، فتحت عنوان "صعود إخوان مصر في أعقاب الربيع العربي؛ نحو تعامل برجماتي"، أشارت إلى أن القيادة "الصهيونية" تعاملت مع الإخوان المسلمين في اتجاهين؛ أحدهما ظاهري بتبني موقفا برجماتيا ومحاولة إيجاد قنوات اتصال مع الإخوان المسلمين غالبا من خلال الولايات المتحدة الأمريكية، والآخر محاولة إفشال التجربة الإسلامية عامة وتجربة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص.

وأوضح أن المحللين الصهاينة دعوا لتبني الموقف البرجماتي الأمريكي الذي رأى أن الإخوان المسلمين يعملون وفق القانون، وبرجماتيون وأنهم الشركاء الأنسب لكبح جماح القوى الإسلامية المتشددة التي تهدد استقرار النظام المصري وعلاقاته بـ"الكيان الصهيوني".
ورأى أن "الكيان الصهيوني" رغم رفضها للإخوان من الأصل، وتحالفها السري –في ذلك الوقت– مع عدد من الدول العربية والغربية لإفشال الحركة، كان لديها استراتيجية أو رغبة للتعامل مع الإخوان المسلمين في حال ظلوا في الحكم، بغض النظر عن موقف جماعة الإخوان من هذه الاستراتيجية.

ملامح بعد الرئيس
وعن مرحلة ما بعد فوز محمد مرسي برئاسة مصر، قالت إنها حاولت في الاتجاه الأول برسالة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للرئيس مرسي الشخصية عبر السفارة "الصهيونية" في مصر يهنئه فيها بفوزه ويعرب عن أمله في التعاون بين البلدين، ورسالة مماثلة من رئيس الكيان "شمعون بيرس"، مضيفا أنه ثمة رغبة "صهيونية" في أن يكون هناك اتصال هاتفي بين مرسي ونتنياهو من خلال تسريبات صحفية تشير إلى احتمالية التواصل بين الاثنين في ذلك الوقت بتوسط من الولايات المتحدة، وقد تم استبعاد هذا الخيار بعد عملية جس نبض.

ورأت الكاتب أن الصهاينة لمحوا تحيُّنًا من الإخوان المسلمين للمعاهدة التي وقعتها مصر في كامب ديفيد، وأن "قيادات الإخوان ومن بينهم مرسي بعد أن صار رئيسا يمسكون العصا من طرفيها؛ فمن ناحية كانوا حريصين على عدم قطع الجسور مع المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى ربط احترام معاهدة السلام بتصرفات الكيان الصهيوني التي دائما ما تخرق شروط المعاهدة".
وكشف الكاتب أن جس النبض كان بالعدوان "الصهيوني" على قطاع غزة في 2012، وأن التقارير "الصهيونية" أشارت إلى أن شمعون بيرس أثنى على الرئيس محمد مرسي حينها لدوره في هذه الأزمة؛ حيث نقل عنه قوله لتوني بلير "هناك عدة مفاجآت بما فيها موقف محمد مرسي، فلم أكن أتوقع حقا أنه سيحاول أن يلعب دورا في خفض التوتر".

استحالة التلاقي
واعتبر الكاتب أن الاتجاه الثاني بالسعي لإفشال الإخوان المسلمين والتخطيط لذلك هو الحقيقي، لاعتقادهم الجازم أن الإخوان المسلمين "لديها موقف رافض من الأصل لقيام الكيان الصهيوني، وأنها –أي الجماعة– في ظل المواجهة تتبع رؤية قائمة على التدرج؛ فهي لا تلغي الجهاد من قاموسها لكنها تؤجله حتى تأتي الفرصة المناسبة لتمحو الكيان الصهيوني".
وأشارت إلى ادعاءات لبعض الصهاينة أن "ثمة أصواتا معتدلة ليست بالقليلة داخل الإخوان -وفق اعتقادهم- لم يكن لديهم مانع من التعايش مع "الكيان الصهيوني" في حالة وجود حل للقضية الفلسطينية".
واستدرك الكاتب أن الأصوات الرسمية "الصهيونية" كانت رافضة للإخوان المسلمين لمواقف أيديولوجية رافضة لأي اتجاه إسلامي دون تمييز بين المعتدل والمتشدد، مشيرا إلى تصريح للسفير "الصهيوني" الأسبق في مصر تسفي مزال الذي مدح سلوك مبارك تجاه الإسلاميين وتقييد حركة حماس "قدر الإمكان، لكن مرسي يتصرف بصورة مغايرة تماما".

وأضاف مزال أن مرسي بعد اغتيال أحمد الجعبري أحد قادة حماس اتجه لمعاقبة الكيان الصهيوني بعدة طرق دبلوماسية كان منها سحب السفير المصري، وطلب اجتماع عاجل لجامعة الدول العربية ومجلس الأمن، ولم يقم بالتهدئة أو الوساطة المطلوبة في وقت الأزمة، بل ساند حماس وبذلك انضم للإسلام المتشدد الذي ينتمي إليه".
وأردف "أيديولوجية الإخوان المسلمين تتضمن تعاليم مهمة جدا معادية للسامية حتى من قبل قيام الكيان الصهيوني، أما الآن فهم في سدة الحكم والعالم يظن أنهم برجماتيون، لكن تبين خطأ هذا الظن، فالإخوان أشعلوا الوضع نتيجة وقوفهم إلى جانب حماس".

وأشار الكاتب إلى أن "مزال" وظف ادعاءات غير صحيحة تجاه الإخوان وعلاقتهم بألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن الماضي، أو ما يتعلق بنظرة العرب لكل يهودي على أنه صهيوني دون التفريق بين المفهومين.

تقارب شعبي
ولفت الكاتب إلى أن كثيرا من منطلقات الإخوان الأيديولوجية هي في الحقيقة منطلقات إسلامية أو عربية أو إنسانية؛ فرفض كثير من تفاصيل رواية الهولوكوست اليهودية، وتحرير فلسطين ومقاومة المحتل أمور مترسخة لدى عامة المصريين وهو ما يضع المصريين جميعا مباشرة في نيران تهمة معاداة السامية، لكن هذه الأمور التي كانت مترسخة شعبيا لدى المصريين على كافة المستويات على المستوى الأيديولوجي تحولت في ظل صعود الإخوان بعد ثورة يناير لأن تصبح جزءا لا ينفصل من أيديولوجية السلطة الحاكمة، وبالتالي فإن النظرة "الصهيونية" لحركة الإخوان حتى بعد وصولهم لسدة الرئاسة ظلت في الحقيقة كما هي باعتبارهم حركة متشددة.

التلاقي المستحيل
وأضافت الورقة أن قادة "الكيان الصهيوني" لم يكونوا يرون إمكانية التلاقي مع الإخوان المسلمين، وأن "الكيان الصهيوني" كان غير راضٍ عن سماح الولايات المتحدة للإخوان المسلمين بالوصول للسلطة في مصر في أعقاب الربيع العربي على أساس أن الولايات المتحدة كانت تعتبرهم معتدلين، بينما كان "الكيان الصهيوني" وروسيا (التي كانت تخشى من امتداد فكر الإخوان إلى القوقاز والدول المسلمة المجاورة لروسيا) تريان أن الإخوان المسلمين متشددون.
وأشارت إلى رأي "أليكس جرينبرج" الذي تمنى أن يكون الإخوان –في فترة تصدرهم الشأن المصري وتوليهم السلطة في أعقاب الربيع العربي-اضطروا للتراجع الجزئي عن الأيديولوجيا نتيجة مشاكل الواقع وصعوباته، ولكنه استدرك مشيرا إلى أنهم "لم يتخلصوا من تلك الأيديولوجيا نهائيا؛ فتأخر تطبيقهم للشريعة مثلا دون أن يتم إلغاؤه، لكن في مقابل ذلك كان ثمة تعاون وثيق بينهم وبين حماس".

شركاء الانقلاب
وألمحت الورقة إلى أن الانقلاب الذي حدث في 2013، كان سرا لدى القيادة الصهيونية، وأنه لذلك وافق "نتنياهو" على بيع ألمانيا أسلحة للجيش المصري، واكتفى "نتنياهو" في رده بأن "سر وراء موافقته تلك"، وقد تحدث بعض المحققين عن أن هذا السر يتعلق بتنسيق صهيوني ألماني من أجل إفشال الإخوان المسلمين يتضمن هذا التنسيق تمرير أموال للجيش المصري – من خلال العمولات التي يحصل عليها من صفقات الأسلحة التي سيعقدها مع الألمان حتى إن تصدير السلاح لمصر زاد بنسبة 205% في السنوات الخمس من 2014 / 2019 عن السنوات الخمس التي سبقتها – الذي كان يعارض فعليا الإخوان المسلمين، وهو ما أدى لاحقا إلى الانقلاب العسكري وتولي السيسي مقاليد السلطة في مصر.

ما بعد الانقلاب
وأشارت الورقة إلى أن الخطاب الرسمي "الصهيوني" رأى أن جماعة الإخوان بعد الانقلاب العسكري كانت بين نارين، نار الكفاح المسلح ضد نظام السيسي ونار التمسك بالنضال السلمي، ولكل خيار خسائره؛ فالعمل المسلح كان سيحد من قدرة الحركة على العمل على الساحة الدولية، ويعطي مزيدا من المبررات لمزاعم النظام ضدهم، فضلا عن عزل قيادات الحركة التقليديين في الخارج، وفي مقابل ذلك كان التمسك بالعمل السلمي سيزيد من حالة الإحباط بين الشباب، ويهدد ما تبقى من سيطرة محدودة لقيادة الحركة على أعضائها.

وأشارت الورقة إلى أن المؤشرات دلت على تخوف "الكيان الصهيوني" من ردود فعل الإخوان في العامين التاليين للانقلاب بسبب ارتباط مصالحها بحليفها الجديد في مصر".
ورأى الكاتب نقلا عن رؤى صهيونية أن "هذا التخوف والاهتمام تراجعا كثيرا مع مظاهر الضعف الواضحة التي عاشتها الجماعة، ويدرك الكيان الصهيوني مظاهر الضعف هذه إدراكا تاما؛ من ذلك انهيار هيكلية القيادة الهرمية التي ميزت الجماعة طوال تاريخها، وتعمّق "الانقسام الداخلي"، مع دخول تأثيرات إسلامية متشددة إلى أيديولوجية كثير من أعضائها نتيجة اليأس من النضال السلمي، وضعف تأثير قيادة الخارج على أعضاء الجماعة في مصر".
وتابع نقلا عن التقارير الصهيونية أن "أعضاء الجماعة في مصر يعملون منفردين مسترشدين بأحد عشر عضوا من قيادة الجماعة، مع وجود ضبابية كبيرة في إدارة الجماعة وعدم جود نشاط منظم أو سلسلة قيادة حقيقية، لقد وصلت جماعة الإخوان المسلمين لمرحلة ضعف كبيرة، حتى أنها لم تستطع أن تعبر عن غضبها عند وفاة الرئيس السابق محمد مرسي إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي".
ولكن رغم ذلك يخشى الصهاينة "من احتمالية تخطي الإسلام السياسي لأزمته الراهنة كما تخطاها من قبل في أزمات مماثلة، وأنه حتى لو اختفى الإخوان المسلمون من المشهد فإن أفكارهم ستظل حية عند حركات جديدة، كما يدركون خطورة أن يؤدي سوء الأوضاع الاقتصادية في مصر إلى أن يعود الإخوان للقيام بدور ما، فأيديولوجيتهم حية في قلوب كثيرين، وهو ما تخشاه الكيان الصهيوني وعدد من الحكومات العربية.

Facebook Comments