حاورته فى سر محبة الناس له، وإجماعهم عليه، ولجوئهم إليه فى مسراتهم وأحزانهم. والرجل ليس ذا منصب رسمى، ولا مركز مالى، بل كل ما يملك وجه مضىء بالبشر، وقلب عامر بالإيمان، ورجلان يسعيان إلى المساجد ويمشيان فى حاجة الناس، خفيض الصوت، قليل الكلام، لا يُغتابُ فى حضوره أحدٌ.

قلت له: فشت فى الناس ظواهر جعلتهم ينكفئون على ذواتهم، وقد تفككت عرى المودة بينهم، فقلّتْ -من ثم- مروءتهم. كيف تحولت مجتمعاتنا من مجتمعات متكافلة إلى شراذم متطاحنة ليس بينها رحمة؟

قال: هذا بسبب غياب قيم الدين التى تضبط علاقة الحب بين البشر، وفيها صلاح الفرد والمجتمع، واطمئنان القلوب، وسواء النفوس، وهى الدواء لكل الظواهر الشائنة كالأثرة والاستبداد والطمع. والمؤمن إن لم ينفع الناس فلا يضرهم، كما قال أحد الصالحين: «ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضرُّه، وإن لم تفرحه فلا تغمُّه، وإن لم تمدحه فلا تذمُّه»، وهذا مصداق حديث النبى –صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن، يكف عن ضيعته، ويحوطه من ورائه».

قلت: وما الوسائل التى تساعد فى إشاعة المحبة وإيجاد الثقة والمودة بين الناس؟

قال: هى أكثر من أن تعد؛ هى نفسها وصايا ديننا الحنيف الذى أمر بالإحسان فى كل شىء، وقد جاء متممًا لمكارم الأخلاق، ومن تبعه فلن يضل ولن يشقى. وأولى تلك الوسائل أن تُلِقى السلام على من عرفت ومن لم تعرف، والسلام هنا ليس فقط قولاً باللسان بل عمل بالجوارح، هدفه إسعاد الناس وتطهير دواخلهم، وهذا يحتاج إلى إخلاص ونية، وعلى قدر الإخلاص تكون النتيجة. وإن الذى يسعى إلى إفشاء السلام بين الناس مترفع بالتأكيد عن دمائهم وأموالهم وأعراضهم.

قلت: لكن مثل هذه الأمور ربما تحتاج علمًا وإمكانات لا تتوافر لكل الناس.

قال: قيم الدين وأخلاقه تسع الجميع، وفى الخبر «لا تحقرن من المعروف شيئًا…»، وكلٌ يعمل على شاكلته، وعلى قدر وسعه وطاقته، وما يفعلوا من خير فلن يُكفروه -أى لن يُحرموا أجره. لنسأل أنفسنا: ماذا فعلنا مع الجيران وقد أوصى بهم الدين مرارًا وشدد النكير على المسيئين إليهم؟ وماذا فعلنا بوصايا الرسول فى ضبط النفس وحفظ اللسان وكف الأذى عن الخلق؟ بل أين الرفق والرحمة اللذين دأب المعصوم –صلى الله عليه وسلم- على التذكير بفضلهما فى مقابل النهى عن الفظاظة والغلظة؟

قلت: وما رأس مالك يا شيخنا الذى ربحت به كل هذه القلوب؟

قال: ربحتهم بفضل الله أولاً؛ فإن القلوب بين أصبعين من أصابعه -سبحانه- يقلبها كيف يشاء؛ ثم بالزهد مما فى أيديهم، والبذل لهم قدر المستطاع، وفى كل عمل أجدد النية وأرفع أكف الضراعة، وقبل هذا وذاك أنهض لإصلاح ما بينى وبين ربى، وأسعى فى صلة رحمى، وأجدُّ فى العفو والتواضع، والقصد فى كل أمرى، ولا أحرم نفسى من التنافس فى الخير، وأنظر -فى الدنيا- إلى من هم دونى فأحمد الله، ولا أحزن على ما فات، ولا أختال، ولا أفرح بما آتانى ولو كان فى وزن الجبال.

قلت: ألا ترى أن تلك مثالية لا يستطيعها غالب الناس.

قال: كلٌ يعمل حسب جهده، والدين رحب يسع الضعيف كما يسع ذا الهمة، إنما يشترط النقاء والإخلاص، ورُبَّ درهم سبق ألف درهم، ورب عمل لا يؤبه له فى نظر الخلق يعدل -عند الله- أعمال ملايين البشر. المهم أن نصحح قبلتنا، ونعدِّل وجهتنا، وأن نسلك صراط الله المستقيم التى تقود إلى الخيرات جميعها.

قلت: بدأنا حديثنا بالظواهر السيئة التى تفشت فى مجتمعاتنا. كيف الصلاح؟

قال: لِيَجُدْ كلُ ذى زاد على من لا زاد له، ولِيَجُدْ كل ذى ظهر على من لا ظهر له، وليتقن كلٌ منا عمله، وعلينا بالصبر فإنه شطر الإيمان، وما نُزع الصبر من أمة إلا غشيتها الأثرة وحب النفس، ومحبة الناس تكون بإلانة القول لهم، وبذل الهدية لإسعادهم، ومداراتهم، واحترامهم، وإنظار معسرهم، والاهتمام بأمرهم، قريبهم وبعيدهم، وأن يُحمل ضعيفهم، ويُجبر كسيرهم، ويرد شاردهم، واجتناب الظن بهم، والتجسس عليهم، وخفض الجناح لمن يستحقه منهم.

قلت: وصية أخيرة.

قال: كن عمليًّا، فقد سئم الناس الكلام وكرهوا القول، وبشِّر ولا تنفِّر، ويسِّر ولا تعسِّر، وانشغل بنفسك ولا تسلْ عما لا يعنيك، وليكن الذكر والدعاء سلاحك، فلا تتركهما ساعة.

فيسبوك