كتب رانيا قناوي:

لا يتحكم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في مشاعره، حين كان يخاطب اليهود، والذين أطلق عليهم "الشعب الإسرائيلي" وليس الكيان المحتل، أو حين جلس بأريحية واضحة مع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني، حيث ظهرت الضحكات الصافية والعريضة، التي تكشف مدى متانة العلاقات بين الجانبين، على النحو الذي تفاخر به نتنياهو نفسه، حينما تحدث عن العلاقات الجديدة بين إسرائيل والدول العربية، على رأسها مصر والسعودية، إلا أن مشاعر السيسي الحقيقية والمفعمة بالحب والعشق للصهاينة ظهرت جليا خلال خطابه أمام الجمعية بالأمم المتحدة في مدينة نيويورك الأمريكية أمس الثلاثاء.

عفوية المحب
العفوية التي ظهر بها قائد الانقلاب هذه المرة في إظهار الحب لليهود، أثارت إعجاب ودهشة اليهود أنفسهم، بعدما انهالت عليهم كلمات المودة من السيسي الذي وصفه حاخامات اليهود بأنه "هدية الرب"، حتى أن السيسي لم يطق أن يلتزم بما أمامه في الورقة التي يتحدث منها، وخرج عن النص مرتين خلال حديثه لمن أطلق عليهم "الشعب الإسرائيلي"، حتى يكشف عن حالة العشق التي يبطنها داخله لإخوانه في إسرائيل، فظهر الكلام من القلب إلى القلب، لدرجة جعلت الوفد الصهيوني يصفق للسيسي بحرارة غير مسبوقة في مواجهة خطاب أي زعيم عربي بالأمم المتحدة.

لم يتمالك السيسي نفسه، حتى بدى صوته "محشرجا" ورقيقا، فيطلب الخروج عن النص في المرة الأولى، ليعلن على الفلسطينيين أنه لا مجال غير التعايش مع دولة الاحتلال وليس مقاومتها، ويعتبر أن قبولهم بالأمر الواقع مع دولة الاحتلال هي فرصة لا يجوز إضاعتها، والاستعداد لقبول التعايش مع الأخر، مع الاسرائيليين فى أمان والسلام، وتحقيق الاستقرار والأمن للجميع.

ثم يبدأ السيسي في الحوار مرة أخرى مع المعشوق والحبيب الذي أطلق عليه "الشعب الإسرائيلي" ليبدو في حديثه مطمئنا لهم، وممسكا بأيديهم، فيعلنها بكل صراحة بأنه لا حديث ولا مجال حول قدسية أمن المواطن الإسرائيلي، فيقول: "أوجه ندائي للشعب الإسرائيلي، وأقول لدينا فى مصر تجربة رائعة وعظيمة للسلام معكم منذ أكثر من أربعين سنة، ويمكن أن نكرر هذه التجربة والخطوة الرائعة مرة أخري.. أمن وسلامة المواطن الإسرائيلبي جنباً إلى جنب مع أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي".

بل بدا في دور الملهم للشعب الصهيوني، حين قال لهم: "ندائي إليكم أن تقفوا خلف قيادتكم السياسية وتدعموها ولا تترددوا.. إنني أخاطب الرأي العام الإسرائيلي.. إطمئنوا نحن معكم جميعاً من أجل إنجاح هذه الخطوة، وهذه فرصة قد لا تتكرر مرة أخري، وكلمتي الأخري إلى كل الدول المحبة للسلام والاستقرار، إلى كل الدول العربية الشقيقة.. أن تساند هذه الخطوة الرائعة، وإلى باقي دول العالم أن تقف بجانب هذه الخطوة التي إذا نجحت ستغير وجه التاريخ.. ونداءً إلى القيادة الأمريكية والرئيس الأمريكي، لدينا فرصة لكتابة صفحة جديدة فى تاريخ الإنسانية من أجل تحقيق السلام فى هذه المنطقة".

ترحيب صهيوني ودهشة
وعبّرت أوساط سياسية صهيونية عن ترحيبها بالخطاب الذي ألقاه السيسي في الأمم المتحدة، ودعا فيه الإسرائيليين لفتح صفحة جديدة، والدخول في عملية سلام مع الفلسطينيين.

ونقل المراسل السياسي لصحيفة "معاريف" أريك بندر، عن إسحاق هرتسوغ زعيم المعارضة الإسرائيلية، أن السيسي زعيم مهم في المنطقة ويطالب الإسرائيليين بوقف الجمود السياسي، داعيا رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للاستجابة لدعوته، متهما إياه بتضييع الفرص السياسية التاريخية لتغيير وجه الشرق الأوسط.

ونقلت مراسلة صحيفة "يديعوت أحرونوت" ألكسندرا لوكاش، عن السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانون رده على خطاب السيسي بالقول إن الأخير تحدث من القلب وإسرائيل مستعدة للحديث مع الفلسطينيين، واصفا خطاب السيسي بالحقيقي والجاد، وذكر أنه كما جاء الرئيس المصري الأسبق أنور السادات إلى إسرائيل وتحدث مع رئيس الحكومة الإسرائيلية الراحل مناحيم بيجن، فإن هناك زعماء إسرائيليين مستعدون للحديث.

وعقبت كاسنيا سافتلوفا عضو الكنيست من المعسكر الصهيوني على خطاب السيسي بالقول إن السيسي يمد يده مجددا للإسرائيليين، دون أن يجد أحدا من القادة الإسرائيليين يستجيب له، والسيسي يخاطر بنفسه ويغامر حين يتحدث بعيدا عن خطابه المكتوب، ويخاطب الإسرائيليين وجها لوجه، لكن للأسف فإن القيادة الإسرائيلية الحالية لا تحسن استغلال الفرص التاريخية.

وقالت يديعوت أحرونوت إنها ليست المبادرة الأولى التي يطلقها السيسي للإسرائيليين في محاولة منه لتجديد عملية السلام، حيث سبق له في مايو الماضي أن نقل رسالة من إسرائيل إلى الفلسطينيين، داعيا الجانبين لاستغلال الفرص الحقيقية والكبيرة للتوصل لاتفاق سلام قد يضع حدا للصراع الذي استمر طويلا.

وكان ملفتا في تعليقات قراء "يديعوت أحرونوت" أنهم تمنوا لو كان لدى الإسرائيليين زعيم مثل السيسي، ووصفه آخرون بأنه ملك، وطالبه ثالث بأن يصنع السلام داخل بلاده مصر قبل أن يسعى لتحقيقه خارجها.

وأشار آساف غيبور مراسل موقع "أن آر جي" إلى أن السيسي التقى على هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مع زعماء يهود، وأثنى خلال لقائه معهم على العمل المشترك بين مصر وإسرائيل في محاربة الجماعات المسلحة في شبه جزيرة سيناء. 

Facebook Comments