منح  قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي القوات المسلحة الضبطية القضائية وصلاحية التحقيق في القضايا المدنية، وأصدر السيسي قرارًا جمهوريًا بتعديل بعض أحكام القانون رقم 162 لسنة 1958 في شأن حالة الطوارئ. ونشرت الجريدة الرسمية نص القرار، الأحد، بعد أن وافق عليه مجلس نواب العسكر .

وتضمن القرار، تعديل الفقرة الأولى من المادة الرابعة بالقانون بالنص التالي: «تتولى القوات الأمن أو القوات المسلحة تنفيذ الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه ويكون لها صفة الضبط القضائي، تختص النيابة العسكرية بالتحقيق المبدئي في أي من المخالفات لأحكام هذا القانون مع عدم الإخلال باختصاصاتها، وتختص النيابة العامة في جميع الأحوال دون غيرها بالتصرف النهائي في التحقيق».

وأضافت المادة الثانية من القرار 17 بندا جديدا لنص المادة الثالثة من القانون من 7 إلى 24، والتي ضمت أبرزها تعطيل الدراسة جزئيا أو كليا بالمدارس والجامعات والمعاهد واتخاذ ما يلزم من تدابير في شأن امتحانات العام الدراسي وتعطيل العمل بدور الحضانة.

التعديلات الجديدة جاءت وسط مخاوف من تقنين “عسكرة” الدولة وتوسيع صلاحيات الرئيس. ونشرت الجريدة الرسمية، الخميس الماضي، التعديلات الجديدة على قانون الطوارئ، بعد إقرارها في البرلمان أواخر أبريل الماضي، في إطار تدابير مكافحة تفشي وباء كورونا.

وتخضع مصر منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي لحالة الطوارئ، باستثناء فترات فاصلة قصيرة بين عامي 2012 و2017، والتي تتجدد منذ أبريل 2017، ردًا على هجومين استهدفا كنيستين آنذاك. ويمنح قانون الطوارئ سلطات استثنائية لمراقبة وسائل الإعلام والاتصالات، ومصادرة الممتلكات، ومحاكمة المشتبه بهم في محاكمات استثنائية، وفرض حظر التجوال.

صلاحيات موسعة

وأتاحت التعديلات الجديدة في قانون الطوارئ “تولي قوات الأمن أو القوات المسلحة تنفيذ أوامر رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه، فإذا تولت القوات المسلحة هذا التنفيذ يكون لضباطها ولضباط الصف بها اختصاصات مأموري الضبط القضائي”، بينما تختص النيابة العسكرية بالتحقيق في الوقائع والجرائم التي يتم ضبطها بمعرفة القوات المسلحة خلال فترة الطوارئ.

وبخلاف تعديلات الطوارئ، شهدت مصر في السنوات الأخيرة تزايدًا غير مسبوق في حالات منح “الضبطية القضائية” لموظفين إداريين في الدولة، بينهم مفتشو الأوقاف والأئمة، ومحصلو فواتير المياه والكهرباء، ومسؤولون نقابيون.

كما سبق أن نشرت الجريدة الرسمية في أبريل 2017 قرارًا وزاريا بمنح عدد من الضباط العاملين في الجيش صلاحيات مأموري الضبط القضائي في الطرق العامة التي يسيطر على أغلبها الجيش وشركاته الاستثمارية.

وفي صيف 2012، أوقفت احدى المحاكم قرارًا استمر لأيام يمنح سلطة “الضبطية القضائية” لضباط المخابرات الحربية والشرطة العسكرية، بما يخولهم حق توقيف المدنيين.

ومنحت التعديلات الجديدة الحق للرئيس باتخاذ إجراءات لاحتواء فيروس كورونا، مثل تعليق الدراسة في المدارس والجامعات وعزل الأشخاص العائدين من الخارج.

وتشمل أيضا سلطات موسعة لحظر الاجتماعات العامة والخاصة والاحتجاجات والاحتفالات وغيرها من أشكال التجمع.

كما أتاحت للسيسي  الحد من التجارة ببعض المنتجات، ووضع اليد على مراكز طبية خاصة، وتحويل مدارس ومراكز تربوية وغيرها من المنشآت العامة إلى مستشفيات ميدانية.

إلى جانب ذلك، سيكون للسيسي سلطة تأخير الضرائب ودفع فواتير الخدمات والتحكم في أسعار بعض السلع والخدمات.

مزيد من العسكرة

وتستهدف التعديلات الجديدة فرض مزيد من العسكرة على المجتمع المصري، فلم يعد السيسي يكتفي بأن تكون الإدارة العليا للعسكريين، لكنه يسعى بشكل متواصل لصبغ كل نواحي الحياة بالصبغة العسكرية، وفرض هيمنة العسكر على المجتمع بشكل كامل، تطبيقا لقناعة راسخة في أذهان الجنرالات وهي أن مصر وجدت ليحكموها لا ليحكمها مدنيون.

وبحسب خبراء، يجري استغلال جائحة كورونا لتمرير هذه التعديلات وغيرها في زحمة انشغال المصريين بالوباء وخطره عليهم.

إذ إن التعديلات ستمنح أي ضابط أو ضابط صف أن يقتاد مواطنا عاديا إلى النيابة العسكرية لأتفه الأسباب. فيما يعلق الباحث الحقوقي أحمد العطار إلى أن الكثير من دول العالم ألغت المحاكمات العسكرية، لأنها الاستثناء وليست القاعدة.

مضيفا: المحاكم العسكرية في مصر أنشئت خصيصًا لمحاكمة العسكريين، لكن السلطات المتعاقبة توسعت في استخدامها لتطال المدنيين من أجل المزيد من القمع، خصوصًا في فترات تطبيق قانون الطوارئ.

ومنذ أصدر السيسي قانون الإرهاب أواخر 2014 بحسب العطار، زاد توحش السلطات واستخدمته على نطاق واسع لفرض مزيد من سياسة الأمر الواقع وترهيب المعارضين، بل أصبح المواطن المصري غير المسيس في دائرة استهداف المحاكمات العسكرية.

وأشار إلى محاكمة أكثر من 15 ألف مدني أمام القضاء العسكري المعروف بقسوته وعدم مناسبته وملاءمته للمحاكمات الطبيعية، مما أدى إلى إصدار مئات الأحكام بالإعدام، تم تنفيذ العشرات منها في كارثة حقوقية لاقت إدانات أممية وحقوقية.

وحذَّر العطار من فرض مزيد من الإجراءات الاستثنائية- على غرار الضبطية القضائية- التي أدت إلى تكريس وتغول الحياة العسكرية على المدنيين، معتبرًا أن هذه التعديلات لا مبرر لها، خاصة في ظل وجود مواد القانون المدني المصري غير الدستورية هي الأخرى”.

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد نددت بمصادقة السيسي على “توسيع صلاحياته ضمن قانون الطوارئ، في إطار تدابير مكافحة تفشي وباء كورونا”، واصفة هذه التعديلات بأنها “ذريعة” لإنشاء “سلطات قمعية جديدة”.

وتطرقت المنظمة في بيان الخميس الماضي، إلى أن التعديلات ستسمح للسيسي- حتى في غياب أي غرض متعلق بالصحة العامة- بأن يقيّد الاجتماعات العامة والمواكب والمظاهرات والاحتفالات وغيرها من أشكال التجمعات، كما يجوز تقييد الاجتماعات الخاصة.

وحذَّرت من أن التعديلات قد تؤدي أيضًا إلى توسيع اختصاصات المحاكم العسكرية لتشمل محاكمة المدنيين، عبر منح النيابة العسكرية سلطة التحقيق في الوقائع التي يكون فيها ضباط الجيش مُكلَّفين بسلطات تنفيذ القانون، أو عندما يأمر الرئيس بذلك.

وقالت إن “اللجوء إلى خطاب حفظ الأمن والنظام العام كذريعة، يعكس العقلية الأمنية التي تحكم مصر في عهد السيسي”.

Facebook Comments