تغيّر الزمن بعد انقلاب الثلاثين من يونيو 2013، وتغيّرت معه معايير جنرالات العسكر فيما يتعلّق بإسرائيل، انهارت الخطوط الحمراء، ولم يعد أحد يتذكر تلك الحقب التي كان العسكر يتقربون إلى المصريين فيها، ولو كذبا، بدعاوى مناصرة الفلسطينيين في تحرير بلادهم، من أيام أبو الانقلاب الفاشي عبد الناصر، مرورًا بالسادات والمخلوع مبارك.

وحده الرئيس الشهيد محمد مرسي الذي أوقف معادلة الخنوع، وقال فور انتخابه رئيسًا للبلاد في عام 2012: “مصر بالأمس ليست كاليوم”، وأوفد رئيس وزرائه هشام قنديل إلى غزة لإنذار إسرائيل بوقف العدوان، وهدم الجدار الفاصل بين شطري رفح المصرية والفلسطينية، ومنح كل مولود من أم فلسطينية الجنسية المصرية، مما جعل أطرافًا دولية- على رأسها واشنطن- يدبرون الانقلاب عليه وقتله في محبسه.

وأشاد رئيس وزراء العدو الصهيوني، بنيامين نتنياهو، بالعلاقة التي تربطه مع السفيه السيسي، واصفا إياه بالصديق العزيز. كما أكد الرئيس الصهيوني رؤوفين ريفلين أن السفيه السيسي عزز العلاقات مع إسرائيل، وجاءت هذه التصريحات بمناسبة مشاركة نتنياهو وريفلين في حفل أقامته سفارة العسكر في تل أبيب بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو 1952.

يحب اليهود!

ومع تلاشي عمل المعروف تلاشى كذلك النهي عن المنكر، وبدلا من الخوف من الاتهام بإسرائيل صار التقرب منها شائعا بأعذار تثير السخرية، كالقول الذي نسبه صحفي أمريكي لولي العهد السعودي محمد بن سلمان “إنه يحب اليهود لأن مربيته كانت يهودية إثيوبية!”.

لكن القيمة المضافة لهذا التطوّر هو المديح الذي صار يتلقّاه زعماء عرب من قبل عصابة إسرائيل، وكان آخر أمثلة ذلك ما فعله رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو الذي أشاد بالعلاقة التي تربطه مع جنرال إسرائيل السفيه السيسي واصفا إياه بـ”صديقي وزميلي” وأنه معجب بـ”زعامته وذكائه”.

وإذا كان لا أحد يملك أسبابًا للتشكيك في قضايا الصداقة والزمالة بين نتنياهو والسفيه السيسي فهناك دلائل واضحة عليها، كما أنه لا أحد مؤهل علميا للحكم في قضايا الذكاء، فإن من حق المصريين أن يشككوا في قضية الزعامة هذه، إضافة إلى أنه من موقع الاختلاف مع الطرفين، ضرورة الدفاع عن أنفسهم كمصريين، من هذه الصداقة اللعينة التي تعني الخيانة في أقبح صورها.

يجمع المجرم نتنياهو على هواه بين السفيه السيسي ومصر، ويراهما ثابتين مثل السلام بين الكيان الصهيوني وبين المصريين، ويشيد بالسفيه السيسي على “وقوفه الحازم أمام هذه الموجة من التطرف والإرهاب”، ويعرف الفلسطينيون والعرب طبعا ما يعنيه نتنياهو بوقوف إسرائيل ضد “التطرّف والإرهاب”.

لأن نتنياهو يعنيهم به شخصيًّا، والمقصود به مقاومة الاحتلال الصهيوني، كما يعرفون ما يعنيه أيضا بوقوف السفيه السيسي ضد التطرّف والإرهاب، وهو مقاومة الديكتاتورية التي فرضها الانقلاب العسكري على رئيس وحكومة منتخبة نشأت بعد ثورة شعبية في 25 يناير 2011.

إيدي كوهين

ويتساءل مراقبون: أين ستمضي وحدة الحال بين نتنياهو والسفيه السيسي؟ وما هو أفق التحالف مع عدو محتلّ على قصف شعبك واستهدافه، من جهة، وعلى توصيف النضال الفلسطيني المشروع على أنه إرهاب، وخصوصا مع الجولات المكوكية للوساطة الأمنية السيساوية في غزة ورام الله؟ وما هي مصداقية هذه الوساطة التي يعتبر رئيسها السفيه السيسي صديقا وزميلا لنتنياهو؟.

صحيح أن تصريحات كهذه لم تعد تفاجِئ المراقبين، لكنّ اشتغال الإسرائيليين على خط التودد والحنان نحو الخونة العرب ومنهم السفيه السيسي، وما يقابله من تصريحات رسمية عربية صفيقة مشابهة، قلب الميزان فاختلطت الوحشيّة الممارسة ضد الفلسطينيين والشعوب العربية، بمشاهد هزليّة تحاول تمويه الموت والقمع.

آخر هذه المشاهد كان ظهور إيدي كوهين، الصحفي المقرب من الاستخبارات الإسرائيلية، والذي اشتُهر بجلده الحكام العرب على نفاقهم مع إسرائيل، في حوار تلفزيوني مع فلسطيني من حملة الجنسية الإسرائيلية، وتفاجأنا به ينسحب استنكارا لإساءةٍ للملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، وهي إساءة تستحق الاستنكار من السعوديين دفاعا عن ملكهم، ولكن ما حصل هو دليل آخر على انقلاب الأدوار والموازين والمواقع.

Facebook Comments