قالت مجلة “وورلد بوليتكس” البريطانية، إن عبد الفتاح السيسي مصيره السقوط فى القريب العاجل، مؤكدة أن السيسي أصبح يمثل تهديدًا وجوديًّا لنظام العسكر الذى أسسه الانقلابي الأول جمال عبد الناصر منذ الخمسينيات من القرن الماضى.

وقالت المجلة، فى تقرير لها، “رغم أن شعلة المقاول والفنان محمد علي قد أُطفئت، إلا أن المجتمع المصري يظل ممتلئًا بالغضب وينتظر الشرارة التالية”. وأشار التقرير إلى أن السيسي من خلال تفكيك مؤسسات الدولة وتركيز السلطة في يديه، جعل هشاشة نظام العسكر أكثر خطورة، وتعد الاحتجاجات الأخيرة بمثابة تحذيرٍ.

وتوقع أن يستجيب الجيش لهذه التحذيرات ويجبر السيسي على الرحيل، موضحًا أنَّ المصاعب الاقتصادية تسببت في فقدان المصريين صبرهم على السيسي الذى وعد بتحقيق أحلام اقتصادية لم ولن تتحقق أبدا.

نص التقرير

ربما تكون الاحتجاجات المطالبة برحيل عبدالفتاح السيسي وسقوط النظام قد انتهت، لكن الأسابيع القليلة الماضية أشارت إلى أن النظام الذي بناه “السيسي” بدلا من أن يكون نموذجا للاستقرار الاستبدادي، هو نظام استبدادي هش، وتوحي تصرفات النظام بأنه يعرف ذلك بالفعل.

في 20 سبتمبر، اندلعت الاحتجاجات السياسية على مستوى البلاد للمرة الأولى في مصر منذ حملة القمع الوحشية ضد المتظاهرين في أعقاب الانقلاب الذي وقع عام 2013 ضد الرئيس “محمد مرسي” أول رئيس مدنى منتخب فى تاريخ البلاد. واندلعت الاحتجاجات بفضل سلسلة مقاطع فيديو تم بثها من قبل ممثل ومقاول يدعى “محمد علي”، الذي كان يعمل في مشاريع مقاولات مع الجيش لأكثر من عقد.

إهدار أموال الدولة

في مقاطع الفيديو، اتهم “علي”، الذي يعيش الآن في المنفى الذاتي في إسبانيا، “السيسي” والجيش بإهدار أموال الدولة في بناء الفنادق الفاخرة والقصور الرئاسية الفخمة. ولقيت الاتهامات صدى عند المصريين الذين يعيش ثلثهم تحت خط الفقر. ومنذ أن وقع “السيسي” خطة إنقاذ مع صندوق النقد الدولي عام 2016، عانى المصريون أيضا من سنوات من التقشف.

وقرر “السيسي” الرد مباشرة على هذه الاتهامات من خلال مضاعفة حجمها. وزعم أنه يبني قصورا رئاسية بالفعل، بل إنه يعتزم بناء المزيد منها، ليس لنفسه بل لمصر. كما زعم “السيسي”، في مؤتمر للشباب منتصف سبتمبر الماضى، أن كل ما يفعله من أجل مصر.

ورغم الخطاب الصادم، فإن هذه اللغة تعد سمة لـ”السيسي” الذي استجاب لشكاوى ارتفاع أسعار المواد الغذائية من خلال إخبار المصريين أن عليهم فقدان الوزن. وجاء رفض “السيسي” العلني لادعاءات الفساد بعد أسابيع قليلة من إصدار الجيش المصري بيانا غير مسبوق على “فيسبوك” ينكر الشائعات بأنه فتح سلسلة من الصيدليات.

وأشار البيان إلى أن الجيش يدرك تماما أن حجم إمبراطوريته الاقتصادية المتوسعة في عهد “السيسي” أغضب الكثير من المصريين.

ربما بدا “علي” في البداية موضع اتهام بالنسبة للكثيرين، بما في ذلك أعضاء المعارضة المحاصرة، لكن اعتراف “السيسي” أعطى مصداقية لمقاطع فيديو “علي”، التي تغذت على شعور متزايد بالإحباط من نظام أجبر المصريين على تشديد أحزمتهم والتضحية بمستويات معيشتهم، بينما يقوم زعماؤهم بتنفيذ مشاريع ضخمة باهظة الثمن، ويملئون جيوبهم الخاصة في هذه العملية.

مصاعب اقتصادية

قبل وقت طويل من ظهور مقاطع الفيديو الخاصة بـ”علي”، تلاشى وضع “السيسي” باعتباره “منقذ” مصر، وهو الوضع الذي روجه نفسه منذ انقلابه على الرئيس مرسي. وظهرت أول إشارة على حدوث ذلك مع رد الفعل الشعبي غير المتوقع ضد قراره بتسليم جزيرتي “تيران” و”صنافير” على البحر الأحمر إلى السعودية، وهو القرار الذي أغضب حتى مؤيدي “السيسي”.

وسرعان ما انخفضت شعبية “السيسي” بشكل أكبر مع أزمة العملة في عام 2016، عندما أدى نقص الدولار والسوق السوداء المتنامية للعملة الصعبة إلى ارتفاع التضخم بسرعة. وأظهرت سلسلة من استطلاعات الرأي آنذاك انخفاضا في شعبية “السيسي” من 91% إلى 68%، وذكر المجيبون أن ارتفاع الأسعار هو السبب الرئيسي. وكان شهر أكتوبر 2016 هو آخر مرة تجرأت فيها شركة الاقتراع “باسيرا” على نشر استطلاعات حول “السيسي”. وفي الشهر التالي، تم تعويم الجنيه كجزء من اتفاق مع صندوق النقد الدولي؛ ما تسبب في انهيار قيمة العملة ودفع معدلات التضخم لأكثر من 30%.

تسببت المصاعب الاقتصادية في فقدان الكثير من المصريين صبرهم على السيسي الذى وعد بتحقيق أحلام اقتصادية لم تتحقق أبدا. وعانى المصريون سنوات من التضخم المكون من رقمين، إلى جانب التخفيضات المستمرة والموسعة في الإعانات الحكومية، لا سيما فيما يتعلق بالوقود؛ ما أدى إلى تفاقم التضخم وتكاليف المعيشة العامة مع آثار غير مباشرة على أسعار السلع والنقل.

حتى الشهر الماضي، ركزت الاحتجاجات القليلة المتناثرة منذ انقلاب “السيسي” على المظالم الاقتصادية، مثل الزيادات الكبيرة في أسعار تذاكر المترو أو الشائعات التي تفيد بخفض دعم الخبز. لكن ما يجعل مظاهرات الشهر الماضي جديرة بالملاحظة هو أنها كانت احتجاجات سياسية على مستوى البلاد طالبت “السيسي” بالرحيل ونادت بسقوط نظامه. وخلال الحملة القمعية التي صاحبت التظاهرات، تم اعتقال أكثر من 3600 شخص، وفقا لـ”المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”. وأكثر ما يلفت الانتباه في هذا الصدد هو حقيقة أن هؤلاء المعتقلين ينحدرون من 14 محافظة على الأقل؛ ما يشير إلى تنامي السخط في جميع أنحاء البلاد.

كما اعتقلت سلطات العسكر العديد من شخصيات المعارضة البارزة، مثل الرئيس السابق لحزب الدستور “خالد داود”؛ والمتحدث باسم الحملة الرئاسية للجنرال المتقاعد “سامي عنان”، “حازم حسني”، وأستاذ العلوم السياسية البارز “حسن نافعة”. ومن المحتمل أن النظام استهدف شخصيات معارضة لا علاقة لها بالاحتجاجات خشية أن يكون الغضب الشعبي أكثر خطورة إذا أصبح أكثر تنظيما.

مظالم الفقراء

وفي حين قلل الكثيرون، بما في ذلك سلطات العسكر، من عدد المتظاهرين الشهر الماضي، زاعمين أنه لا يمكن اعتبار بضعة آلاف من الأشخاص ممثلين لبلد يبلغ تعداد سكانه نحو 100 مليون نسمة، فإن رد فعل النظام قبل الاحتجاجات وبعدها يشير بوضوح إلى أنه يراها أكثر خطورة بكثير. ويعكس شعور “السيسي” بالحاجة إلى الرد على كلمات “علي” إدراكه أن خطابه لاقى قبولا من جمهور عريض. في الوقت نفسه، قام وزير دفاع الانقلاب “محمد أحمد زكي” بطمأنة الجمهور بأن الجيش سيحمي الأمة، في حين تم غمر وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة بشكل أكثر من المعتاد بالدعاية والتطبيل لـ”السيسي”.

في الوقت الحالي، يبدو أن “السيسي” تجنب تصعيد الاضطرابات، لكن السؤال الرئيسي هو ما الدرس الذي سيستخلصه منها. وفي الأول من أكتوبر أعلن “السيسي” التزامه بمعالجة مظالم الفقراء مضيفا 1.8 مليون مواطن مرة أخرى إلى قوائم الدعم، لكن هذا أبعد ما يكون عن الحد الكافي. وهناك حاجة إلى إصلاحات أكثر عمقا، ومن غير الواضح أن “السيسي” يستطيع تنفيذها. ويتطلب تقاسم موارد مصر بشكل أكثر إنصافا التراجع عن الامتيازات السخية التي منحها “السيسي” لزملائه الضباط لضمان ولائهم، وهذه الامتيازات ليست مكلفة فحسب، لكنها أضرت بالاقتصاد المصري؛ ما أدى إلى تفاقم الضغوط على الجمهور. وتجعل شعبية “السيسي” الضعيفة من الصعوبة بمكان المخاطرة بهذا العمود الفقري لنظامه، لذا فإنه ربما يعتقد أن خياره الوحيد هو مضاعفة القمع وحشد المؤيدين له.

تفكيك المؤسسات

أفقدت سياسات “السيسي” النظام تماسكه وجعلته أكثر هشاشة وقوضت دعمه الشعبي. وفي محاولة لحماية نفسه من الانقلابات، شرع “السيسي” في تفكيك مؤسسات الدولة الضعيفة بالفعل من خلال تعديل الدستور لتوسيع سيطرته الشخصية على السلطتين القضائية والتشريعية. لكن ذلك يجعل من الصعب توجيه اللوم إلى المؤسسات الحاكمة الأخرى، ويضع “السيسي” وحده في موقع المسؤولية؛ ما يجعل شعبيته المتردية تهديدا وجوديا لنظام العسكر.

وعلى الرغم من أن شعلة “علي” قد أُطفئت، إلا أن المجتمع المصري يظل ممتلئا بالغضب وينتظر الشرارة التالية. ومن خلال تفكيك مؤسسات الدولة وتركيز السلطة في يديه، جعل “السيسي” هشاشة نظام العسكر أكثر خطورة. وتعد الاحتجاجات الأخيرة بمثابة تحذير، لكن هل سيستجيب النظام لهذه التحذيرات؟.

Facebook Comments