في الوقت الذي حملت فيه الشعوب الإسلامية راية مقاطعة المنتجات والسلع الفرنسية، ردا على تبني الرئيس الفرنسي سيئ الذكر إيمانويل ماكرون وحكومته المتطرفة التطاول المتعمد على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أمرت باريس عواصم عربية وإسلامية أن تمنع المتاجر وشركات التجزئة من مقاطعة المنتجات الفرنسية.

وفضحت معركة مقاطعة المنتجات الفرنسية والتي تدخل يومها الثاني والعشرين كثيرا من الوجوه التي طالما ظهرت على الناس تدعوهم إلى معانٍ كثيرة في الإسلام تبين أنهم أبعد ما يكونون عنها، كما أكدت المعركة أن مكانة العلماء والدعاة لا تكون بكثرة ما يحفظون ويعرفون من علوم الدين ولا بمواقعهم ووظائفهم وكثرة ظهورهم على الشاشات ووسائل الإعلام وإنما بقولهم كلمة الحق في وجه السلطان الجائر حينما تكون واجبة.

شيوخ السلطان
وفي أتون معركة الدفاع عن جناب النبي الكريم، غابت وجوه كانت حاضرة دوما وباستمرار في برامج الفتاوى والدين، بل وخلت صفحاتهم على مواقع السوشيال ميديا من أي منشور ينتقد السلوك الفرنسي ويدافع عن الرسول.. في مقابل مواقف دعاة السلطة والكفيل الخليجي السلبي المساند للحكومات التي أخرصتها فرنسا، برزت مواقف مشرفة رافضة للتطاول والاساءة التي يرعاهما ماكرون، وقال اللاعب السابق محمد أبوتريكة على قناة بي إن سبورت "يجب أن نحاكم الشخص بناء على تصرفه لا أن نحاكم المنهج".

وعلّق أبو تريكة على بيان الخارجية الفرنسية الذي طالبت فيه بعدم مقاطعة المنتجات الفرنسية قائلا "طالما يخاطبوننا بالمال سنخاطبهم بالمال". وأضاف "إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا ديانة الإسلام، ومثلما نحترم الديانات الأخرى لابد أن يتم احترامنا"، وتابع "قاطع المنتجات الفرنسية، قاطع كل من يسيء للنبي صلى الله عليه وسلم وكل من يسيء للإسلام".
واستطرد "نحن نلجأ لله عز وجل ولردة فعل الشعوب وليس الحكومات".

وفي مقابلة خاصة له مع قناة "الجزيرة" القطرية تراجع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن إساءته للدين الإسلامي والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مبررًا اتهامه بدعم الترويج لتلك الرسوم المسيئة باسم حرية التعبير بأنها "مضللة ومقتطعة من سياقها"، مؤكدًا أنه "يتفهم مشاعر المسلمين إزاء هذه الرسوم".

يتفهم الإساءة ويدافع عنها!
المقابلة هي الأولى التي يجريها ماكرون منذ الاحتجاجات المناهضة له ولبلاده التي اندلعت في مختلف العواصم العربية والإسلامية على خلفية تصريحاته التي دافع من خلالها عن نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي في أعقاب مقتل معلم فرنسي على يد لاجئ شيشاني بسبب نشر تلك الرسوم.

وبعيدًا عن التناقض في تصريحات الرئيس الفرنسي التي تتعارض بشكل كبير مع مواقفه السابقة، وتعكس حجم قوة وتأثير حملات المقاطعة والاحتجاجات الشعبية رغم مساعي التقليل منها، فإن تلك المقابلة حملت العديد من الرسائل والدلالات التي يمكن البناء عليها لتدشين موقف عربي إسلامي قوي، قادر على التأثير في السياسات الغربية.
وتنقسم العوامل التي دفعت ماكرون إلى التراجع عن خطابه الحاد إلى عوامل خارجية وأخرى داخلية، فأما الأولى فهي غياب الدعم المتوقع من معظم العواصم الغربية لباريس في تلك الأزمة، ففي الوقت الذي دعمت فيه أوروبا فرنسا في موقفها حيال تركيا نجد أن الموقف من تلك الحملة متدنٍ إلى أبعد حد.

ويعود هذا الغياب لأسباب عدة ربما على رأسها أزمة كورونا وتداعياتها وما ألقته بظلالها القاتمة على المشهد الأوروبي والعالمي بأكمله، الأمر الذي دفع كل بلد إلى الانشغال بأزماته الداخلية وترتيبات الموجة الثانية من هذا الوباء المرجح أن يتسبب في غلق كامل خلال الأيام المقبلة.

ويندرج تحت تلك العوامل الخارجية كذلك تنديد الدول العربية والإسلامية بموقف الرئيس الفرنسي ورفضها القاطع للمجاهرة بالإساءة للنبي عليه السلام، هذا الموقف الذي ربما دفع إليه هبة الشعوب العربية وغضبتها ومطالبتها أنظمتها باتخاذ موقف ما نصرة للإسلام والرسول.
العديد من الدول المصنفة كـ"دول معتدلة" والحليفة لفرنسا سعت إلى إدانة الجرائم المتطرفة التي تشهدها الدولة الأوروبية ومحاولة التقليل من شأن الرسوم المسيئة والبحث عن مبررات واهية لإقناع الشعوب بموقفها، لكن الضغط الشعبي كان له دور فعال في الخروج ببيانات وتصريحات منددة بتلك الإساءة ولو من باب حفظ ماء الوجه.

أما العوامل الداخلية فتتراوح بين السياسية والاقتصادية، إذ إن الإصرار على السير في هذا الاتجاه سيعزز من الإسلاموفوبيا، الأمر الذي يخدم مصالح اليمين المتطرف في فرنسا، الذي من الممكن أن يستخدمه كورقة انتخابية قوية في الماراثون القادم، وهو ما يهدد مستقبل ماكرون وتياره السياسي.
أما البعد الاقتصادي الآخر فيتمحور حول القلق من التأثير الواضح لحملات المقاطعة للبضائع الفرنسية، التي لاقت قبولًا كبيرًا لدى الكثير من العواصم العربية والإسلامية، ما يعني تهديد مصالح فرنسا الاقتصادية في الشرق الأوسط والبلدان الإسلامية التي تمثل سوقًا كبيرًا للمنتجات الفرنسية، وهو ما يمكن أن يعزز من الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد حاليًّا خاصة أنها تتزامن مع تداعيات كورونا الكارثية.

الجندي والجبنة!
وخرج الإعلامي المُعمم الموالي للعسكر، خالد الجندي، بفتوى على مقاس الزعماء العرب والمسلمين المتخاذلين عن نصره الإسلام والنبي الكريم، يؤكد فيها عدم جواز مقاطعة البضائع الفرنسية بزعم أن ذلك سيجعل الأمة الإسلامية لعبة في يد تركيا، وفق قوله.
وعلّق خالد الجندي، والذي يشغل منصب عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والمعروف بتطبيله لعصابة السفاح عبد الفتاح السيسي، على حملات مقاطعة المنتجات الفرنسية، بعد تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المسيئة للإسلام، قائلًا: "فيه ناس بتحركم علشان تبقوا ألعوبة في أيدي النظام التركي الذي يسعى لإحداث أي زعزعة".

وأضاف الجندي، وفق مقطع فيديو، أن عدد المسلمين مليار و500 مليون شخص، ودعوات المقاطعة موجودة فقط في مصر، معقبًا: "عايزين تقاطعوا إيه الجبنة؟، ناسيين المفاعلات النووية ومحطات الكهرباء ومحطات توليد الكهرباء بالرياح، ومترو الأنفاق".
وأشار إلى أن هناك 165 شركة فرنسية في مصر بها 38 ألف موظف مصري، وتبلغ الاستثمارات الفرنسية في مصر 5 مليارات دولار، فيما يصل حجم التبادل التجاري بين مصر وفرنسا لـ2.8 مليار دولار.
وتابع: "هتهجص وتقولي مقاطعة، خليك راجل عاقل وانت بتتكلم، عايز تكون فداء لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- ورينا أخلاق رسول الله".

الجدير ذكره، أن الكويت وقطر وعددا من الدول العربية والإسلامية أطلقت حملة مقاطعة للمنتجات الفرنسية ردًا على إساءة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للإسلام والنبي محمد، ونشر فرنسا رسوم مسيئة للنبي محمد، الأمر الذي أثار غضبًا عارمًا بين المسلمين.

الشارع المسلم
ومن المبكر الحديث عن تأثيرات ملموسة لحملة المقاطعة للمنتجات الفرنسية، لكن سرعة رد الفعل الفرنسي تشير إلى أن هناك مخاوف من زيادة زخم هذه الموجة التي تتسع رقعتها ساعة تلو الأخرى، لتزيد من الوضع المتأزم الذي عليه ماكرون ونظامه الذي يعاني من أزمات اقتصادية طاحنة وتراجع كبير في شعبيته جراء سياساته المرفوضة جماهيريًا وهو ما تجسده تظاهرات "السترات الصفراء" على مدار أكثر من عامين.

 يبدو أن الأمور جاءت على عكس ما كان يتوقع ماكرون الساعي لمغازلة اليمين المتطرف على حساب الجالية المسلمة، لكن ردة الفعل هذه المرة تختلف عما سبق، وإن كان الشارع المسلم غض الطرف في مرات سابقة من قبيل أنها تصرفات فردية من متطرفين فرنسيين، لكن الأمر هذه المرة يتعلق برئيس الدولة الذي ورط نفسه في حملة عنصرية ربما تزيد أوجاعه خلال الآونة المقبلة.
ورغم جهود الموالين لفرنسا من بعض الأنظمة الحاكمة وأذرعها الإعلامية والسياسية لتبرير ما حدث والتقليل من شأنه، فإن ذلك لم يحل دون انتشار المقاطعة والدعوات لها على نطاق الشعوب بصورة لم يتوقعها أكثر المتشائمين حيال جدوى تلك الأدوات التي ربما لم تحقق النجاح المطلوب في السابق، ليبقى السؤال: هل تؤثر المقاطعة هذه المرة على الاقتصاد الفرنسي؟

Facebook Comments