ثلاثون عامًا على اتفاق الطائف الذي وضع حدًا للحرب الأهلية المروعة التي عاشها لبنان وما يزال يعانيها على شكل نظام سياسي طائفي محاصصي أجوف، وفزاعة تهدده عند كل محاولة تنفّس وانعتاق، إلى أن فاض كيل اللبنانيين وكفروا بكل طوائفهم وسياسييهم وأحزابهم ودشنوا في أكتوبر 2019 واحدة من أقوى الثورات العفوية التي شهدتها البلاد طيلة ثلاثة عقود.

واليوم حدث هذا الانفجار المروع، وكأنها "نجازاكي يابانية" جديدة شعر به سكان جزيرة قبرص على بعد ٢٤٠ كم، وموجة الانفجار تشبه التجارب النووية، وسقط أكثر من 30 قتيلًا و3000 جريح، بينهم حالات خطرة، في انفجار ضخم هز مرفأ بيروت عصر الثلاثاء، ويأتي الانفجار قبيل صدور الحكم، الجمعة، في اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان في 2005.

وفي 14 فبراير 2005، ركب الحريري سيارته بعد أن زار مقهى "كافيه إيتوال" بجوار مجلس النواب الذي كان عضوا فيه، وبينما كان موكبه يمر على الكورنيش انفجرت شاحنة ملغومة تابعة لميلشيا حزب الله الشيعية بجانب سيارته، وخلفت حفرة هائلة ودمرت واجهات المباني المحيطة بالمنطقة.

الانفجار
وسُمع دوي انفجار في العاصمة اللبنانية، وشوهدت سحب الدخان تتصاعد في سماء العاصمة بكثافة عقب الانفجار، ووصل الدوي إلى قبرص، ورجح المدير العام للأمن العام اللبناني عباس إبراهيم، مساء الثلاثاء، أن يكون الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت عصرا ناجمًا عن مواد "مصادرة وشديدة الانفجار".
وقال إبراهيم للصحفيين خلال تفقده المكان: "يبدو أن هناك مخزنا لمواد مصادرة منذ سنوات وهي شديدة الانفجار"، مشددًا على ضرورة انتظار نتيجة التحقيقات.

وفي تل أبيب، قال مسؤول في حكومة الاحتلال الصهيوني إن حكومته ليس لها علاقة بانفجار مرفأ بيروت، وقبل عامين رفع رئيس وزراء العدو "بنيامين نتنياهو" أثناء خطابه في الأمم المتحدة (2018   —   9   —   28) خريطة لمرفأ بيروت وأشار إلى تخزين حزب الله أسلحة ومتفجرات في المرفأ واليوم سارع الكيان الصهيوني بنفي صلتها بالانفجار.

وقالت شاهدة إنها رأت دخانا رماديا كثيفا بتصاعد بالقرب من منطقة الميناء ثم سمعت دوي انفجار وشاهدت ألسنة من النيران والدخان الأسود. وأضافت: "كل نوافذ منطقة وسط المدينة تحطمت وهناك جرحى يسيرون بالشوارع. إنها فوضى عارمة".
وشاهدت صحافية في وكالة فرانس برس عشرات الجرحى يصلون الى مستشفى أوتيل ديو في الأشرفية في شرق بيروت، بينهم أطفال. وكان عدد كبير منهم مغطى بالدماء من رأسه حتى أخمص قدميه.

وفي منطقة الأشرفية، كان أشخاص كثيرون يسرعون سيرا إلى المستشفيات، وأمام مستشفى كليمنصو في غرب بيروت، كان عشرات الجرحى ينتظرون في الخارج إدخالهم لتلقي العلاج.
وشوهدت سيارات متوقفة ومتروكة في وسط الشارع القريب من المرفأ وقد لحقت بها أضرار بالغة، وكتب أحد اللبنانيين على "تويتر" أن "حجم الصوت والهدير استمر لبضع ثوان، ولم أسمع مثله في حياتي".

قصف صهيوني
من جهته، يقول الخبير العسكري اللبناني والعميد المتقاعد خليل الحلو، أنه "لا يستبعد أن يكون الانفجار نجم عن قصف أو انفجار مواد خام متفجرة"، وأضاف: "عايشت الحرب اللبنانية وشاهدت أضخم التفجيرات التي وقعت في بيروت ومنها اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري لكن لم أر في حياتي هذا الحجم من الأضرار".

وأضاف: "إذا صحت المعلومات عن انفجار العنبر رقم 12 بالتأكيد المواد التي انفجرت هي عبارة عن ذخائر شديدة الانفجار أو متفجرات خام وليس مجرد مفرقعات".
ومع تأكيده أنه لا يريد استباق التحقيق يقول الخليل: "هناك بعض المؤشرات التي تجعلنا لا نستبعد إمكانية أن يكون ما حصل نتيجة قصف إسرائيلي".

واستشهد في هذا الصدد بأن الانفجار جاء بعد التهديدات الأخيرة التي صدرت عن مسؤولين صهاينة، إضافة إلى أنه جرى تسجل تحليق للطيران الإسرائيلي قبيل الانفجار.

لم يثر اللبنانيون ضد ضريبة واتساب، بل ضد الضريبة الكبرى التي ما يزالون يدفعونها يومًا بيوم: فساد يتلوه فساد، وطائفية تقزّم البلد وحكومته وطموحات أبنائه وتقسّم شعبه، سوء في الإدارة الدولة وانهيار لمنظومة الحكم برمتها. ما الذي أوصلنا إلى هنا؟ لماذا يجد لبنان نفسه غير قادر على النهوض بنفسه وشعبه منذ الحرب الأهلية التي أوقعت ما يربوا عن 120 ألف قتيل؟ وما الأحداث التي شكلت هويته وأزمته التي ثار اللبنانيون ضدها اليوم؟

إيران وبشار
وأعاد انفجار بيروت زخم التمترس المهبي والطائفي في لبنان؛ فعلى جانب هناك المجموعات السنية، مثل تيار المستقبل المتحالف مع السعودية والمتعاطف مع الثوار في سوريا والجهاديين الذين يقاتلون إلى جانبهم من جميع أنحاء العالم، وعلى الجانب الآخر هناك الشيعة حزب الله وحركة أمل المتحالفة مع إيران وبشار الأسد والذي يعتمد في حربه على الأقلية العلوية.

وفي وقت سابق، أخذ تيار المستقبل عددا من اللوحات الإعلانية الكبيرة والتي وضعوا عليها صورة العاهل السعودي وهو يحدق بالأسفل مع كلمة "ملك الصلاح، مملكة العطاء" في شكر للسعودية التي دعمت الجيش اللبناني بـ 3 مليارات دولار لإعادة تسليحه بأسلحة فرنسية، في خطوة فهمها الكثيرون في سياق المواجهة مع حزب الله.

وأشار عدد كبير من المغردين إلى أن الانفجار حدث بفعل فاعل، وعرّض بعضهم إلى أن ما حدث هو تفجير تم بطائرات إسرائيلية على مقر أسلحة لحزب الله في المرفأ، واعتبر الناشطون أن ما حدث هو أمر مفتعل لتعطيل المرفأ وزيادة الحصار الاقتصادي على لبنان.
وشبه المغرد السعودي المعارض عمر بن عبد العزيز الانفجار بما حدث منذ أسابيع في إيران، ورجح أنها عمليات نوعية إسرائيلية ضد محور إيران.

Facebook Comments