كشف تقرير نشره موقع “المونيتور” أن وزارة الماليّة أعلنت انتهاء حكومة الانقلاب من صياغة مشروع قانون خاص بالمشروعات الصغيرة والمتوسّطة يهدف إلى دمج “الاقتصاد غير الرسميّ” أو ما يسمى بالاقتصاد “الدكاكيني” في المنظومة القانونيّة والرسميّة، وسط ترحيب من قبل الاقتصاديّين بتلك السياسة لقدرتها على زيادة الحصيلة الضريبيّة للدولة، بينما أبدى العديد من أصحاب المشروعات غير الرسميّة تخوّفهم من تلك السياسة.

وقال ديفيد عوض كاتب التقرير إنه تواصل مع مصدر مطلع بـ”الماليّة”، فضّل عدم ذكر اسمه، أنّ حكومة الانقلاب ستعرض مشروع القانون على مجلس نوّاب العسكر في أقرب فرصة لتتسنّى له فرصة مناقشته وإقراره سواء كما هو أو بعد تعديله، رافضًا الكشف عن تفاصيل القانون.

اعتراف رسمي

غير أن عمرو المنير المستشار بوزارة مالية الانقلاب ومساعد الوزير كشف عن القانون ومواده الـ108 في منشور نشره في 28 مارس الماضي، اعتبر أن الحاجة ملّحة لصدور تشريع ينظم العلاقة بين أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة والدولة.

وأشار إلى أن المواد السالف الإشارة إليها تحدد القواعد والإجراءات المتعلقة بتيسيرات إتاحة التمويل لتلك المشروعات من خلال التخصيص المؤقت، وكذا تنظيم أولوية الجهات مقدمة التمويل في استرجاع حقوقها، فضلاً عن تنظيم حق الانتفاع على العقارات المخصصة لأغراض المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، وكذا أداء المشروعات المتعثرة لمستحقات الخزانة العامة وقد افرد القانون بابًا كاملاً عن الاقتصاد غير الرسمي.

وخلص “المنير” إلى تأكيد دعوته للدمج بين غير الرسمي والرسمي في الحياة الاقتصادية، معتبرا أنه أمر بالغ الأهمية، ومدعيا أن هذا النوع من العمل يعتبر خارج المؤشرات الاقتصادية للدولة، وأنه لا يمكن معرفة حجم حقيقي للبطالة؛ بسبب عدم وجود سند قانوني للعاملين في هذا القطاع!!

وللمفارقة يشير “المنير” ضمن منشوره إلى دراسة تناولت قضية الاقتصاد غير الرسمي العديد من الدراسات والأبحاث، والمحاولات الجادة لحل المشكلة من بين هذه الدراسات دراسة حديثة أعدها مركز القاهرة لدراسات التنمية بإشراف الدكتورة مها إسماعيل.

وتوصلت الدراسة التي استعرضها إلى أن القطاع غير الرسمي حاليًا يضم حوالي نصف عمالة العالم حيث قدر هذا بـــ 1.8 مليار شخص مقابل 1.2 مليار عامل بالقطاع الرسمي.

كما أن الإحصاء والبيانات التي يرى أهمية الدمج بسببها وصلت لبيانات البنك الدولي والتي قالت إن ” 58% من العمالة المصرية تعمل دون أي حماية اجتماعية، ويمثل العاملون بشكل غير رسمي في مصر 70 % من العاملين بالريف، و42.6% من العاملين بالحضر”!

 

سخط المواطنين

واعتبر الدكتور حسام الشاذلي السكرتير العام للمجلس المصري والمستشار السياسي والاقتصادي الدولي أن القانون الجديد للضرائب علي المشاريع الصغيرة والمتوسطة ما هو إلا أداة جديدة للسيطرة على كل الأموال والأعمال التي يتم تداولها داخل مصر؛ وذلك من أجل إحكام قبضة النظام على كل مصادر التمويل حتى تلك الصغيرة منها، والسماح بتمرير تلك التي يملكها مؤيدوه ويقوم بالقضاء على أي مصدر للتمويل لأي من معارضيه، بما فيها التي تسد قوت ملايين الأسر المصرية التي تعيش تحت خط الفقر”.

وأكد “أن المنظومة الاقتصادية المصرية، باتت منظومة مسخرة لخدمة أهداف النظام وعلى رأسها جني الأموال من المواطنين عن طريق استحداث قوانين جديدة للضرائب في كل يوم، وكذلك تسهيل سياسة القروض طويلة الأمد التي تورط أجيالا قادمة من الشعب المصري”.

ورأى أن “هذه الاستراتيجية التي تدعي الحكومة أنها تهدف لضم المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى اقتصاد الدولة، هي في حقيقة الأمر لا تترك متنفسا لأي مواطن يحاول أن يكسب قوت يومه، بعيدا عن القوانين المجحفة للحكومة ومنظومتها الاقتصادية المسمومة، ويصنع من المنظومة المصرية منظومة ديكتاتورية محكمة الأضلاع تضمن بقاء الحاكم وحاشيته إلى الأبد”.

وحذر الشاذلي “من تنامي سخط المواطنين على النظام”، مشيرا إلى أن “المنظومات الاقتصادية الناجحة تقدم تسهيلات كبيرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بل وتقوم بإعفاء المواطنين القائمين عليها من الضرائب لمدد كبيرة، حيث إنها تمثل المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي الداخلي”.

الحكومة تكذب

وأشار الخبير الاقتصادي نايل الشافعي إلى الاقتصاد الرسمي باعتباره يخضع لرؤية انقلابية بحتة بحكم الارقام الصادرة عنها وقال: “كلما احتاجت الدولة لقرض جديد يقولون: لقد اكتشفنا جزءا جديدا من الاقتصاد غير الرسمي، مثل السوق السوداء في تذاكر مباريات كرة القدم. فيضيفونه للناتج المحلي، فتنخفض نسبة الديون للناتج المحلي فيسمح البنك الأجنبي بإقراضنا.. لذلك تكلمت مرارًا عن الناتج المحلي الإجمالي؛ لأن الحكومة المصرية بإيعاز من صندوق النقد الدولي تقوم، ليس فقط بالتعديل المستمر، ولكن تقوم كذلك بالتعديل بأثر رجعي بشكل مستمر، وهو كمن يمسح بصماته بعد ارتكاب الجريمة، حتى تبدو الأرقام متسقة مع بعضها البعض.

لذلك بالإضافة لحاجتنا لحساب صادق للـ GDP فنحن بحاجة لتدوين تطور الرقم لكل سنة (ومعها رقما السنتين السابقتين لها). فهذه الثلاثية تتغير باستمرار. ففي عام 2016 يصدر الـ GDP لأعوام 2013 و2014 و2015. ثم في العالم التالي تصدر ثلاثية 2014 و2015 و2016، فتمسح (أي تخفي) الأرقام السابقة للسنتين 2014 و2015، وهلم جرا… أي أن كل سنة يمكن تعديل الناتج المحلي الإجمالي لها طوال السنوات الثلاث التالية لها”.

طرق الجباية

ورصد تقرير سابق لـ”الحرية والعدالة” أن السيسي لم يعد أمامه أي طريق للجباية من ورائه ومحاولة إنقاذ موازنة البلاد من العجز الكبير، سوى الجري وراء الباعة الجائلين وملاحقة صغار العمالة غير الرسمية والموسمية وأصحاب الفُرُشِ البسيطة في الأسواق والطرقات والشوارع، بدعوى ضمهم للاقتصاد الرسمي، تحت دعاوى الشمول المالي، والذي يستثنى منه اقتصاد الجيش وشركات الداخلية العاملة بالاقتصاد.

واوضح التقرير أن دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، إجراء اقتصادي منشود في الاقتصادات العالمية القائمة على التطوير والتوازن بين الحقوق والواجبات.

فيما يرى مراقبون أن استماتة حكومة الجباية بحجة أنه لا يدخل ضمن الناتج الإجمالي القومي، وليس له أية بطاقات ضريبية أو تجارية رسمية، يكشف هرولته وراء الاقتصاد غير الرسمي والذي يتراوح بين ما بين 40% و60% من حجم اقتصاد الدولة، وفق تقديرات رسمية، 50% بحسب “المونيتور” ويشتغل به ملايين المصريين، ما يوازي حوالي من 2 إلى 3 تريليونات جنيه.

واوضح أن دمج الاقتصاد غير الرسمي هو محور مناقشة في منتديات ومؤتمرات بين حكومة السيسي وصندوق النقد الدولي، مع توقعات بالفشل مجددا بسبب غياب الرؤية الاقتصادية، ووضع بند “الجباية” في اعتبارها قبل كل شيء من أجل سد عجز الموازنة ليس إلا.

Facebook Comments