كتب: كريم محمد

قال تقرير لموقع مونيتور الأمريكي، إن البحث العلمي في مصر بات "منطقة محرمة"، حيث يجري منع العديد من الباحثين من القيام بأبحاث معينة بدعاوى الأمن القومي وكذا "تسييس المؤسسات الأكاديمية، ونقص النزاهة الأكاديمية".

وروت مونيتور -في تقرير بعنوان: "البحث العلمي محرم علي المصريين"- قصة باحث مصري رغب في إجراء دراسة حول أنظمة الصرف الصحي (المجاري) خلال الحقبة الخديوية (1867-1914) لكن كان يتعين عليه التقدم من أجل الحصول على تصريح من السلطات الأمنية، وبعد شهور، قوبل طلبه بالرفض لـ"أسباب تمس الأمن القومي".

ونقل الموقع عن الباحث "أشرف الشريف" أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، قصته التي توضح كيف أن البحث في مصر دائما منطقة محرمة، لأن مهمة الباحثين تعتمد على جمع المعلومات، ما يجعل السلطات والعامة ينظرون إليهم مثل الجواسيس، وفقا للتقرير.

وينوه "الشريف" لأن السلطات المصرية لا تتعامل مع مؤسسات الدولة باعتبارها ظواهر خاضعة للتحليل السياسي والاجتماعي.

ويعزو سبب هذه العراقيل أيضا لمن يسميهم "البيروقراطيين الصغار"، وهم موظفون في المؤسسات الحكومية يفترض أن يساعدوا الباحثين، لكن تصرفاتهم تتسم بأنها أكثر فاشية من السلطات الأمنية، ويتسببون في عرقلة الأمور شهورا طويلة.

فمن أجل السماح بالدخول على أرشيف السجلات الرسمية، يحتاج الباحث للتقدم بطلب للحصول على إذن السلطات الأمنية، وإذا تم رفضه، لا يحق له الاستئناف أو الشكوى أو السؤال عن سبب الرفض.

التقرير الأمريكي أشار إلى أن هناك عوامل كثيرة تعرقل البحث العلمي في مصر منها وجود أجيال من الأساتذة الفاسدين سياسيا واجتماعيا، بجانب البيئة المعادية، ما يجعل الباحثين الطامحين للتخلي عن آمالهم في مصر، ونقلها إلى شواطئ أخرى أكثر ترحيبا واختلافا.

وضرب مثالا آخر بـ"محمد الجوهري" الذي كان باحثا في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ثم سافر إلى الولايات المتحدة ليتعلم ويكتسب قدرات لم يستطع اكتسابها في ظل النظام التعليمي المصري، وأصبح الآن باحثا بـ معهد "أتلانتك كاونسل" البحثي.

ونقل عن "الجوهري" قوله: "لم نتعلم في مصر كيفية تنفيذ بحث صحيح، أو أسلوب مراجعة وانتقاد الأوراق البحثية"، ووصف مركز الأهرام بأنه: "مقبرة الباحثين"، وأكد أن "أعمال الباحثين الشباب يتم سرقتها ونسبها إلى آخرين من الكبار".

وأشار إلى أن القيود لا تقتصر بحسب على البحث السياسي لكن تمتد إلى المجالين الأكاديمي والعلمي أيضا.

ويشير الموقع الأمريكي إلى أن خطورة أوضاع الباحثين في مصر باتت تحت المجهر الدولي بعد مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، الذي تبعته عناصر أمنية قبل اختفائه في 25 يناير، وظهور جثته بعد أيام وعليها علامات تعذيب.

ويؤكد أن "مثل هذا النهج يعزي إلى إعادة ترسيخ مركزية السلطة، بجانب الأيديولوجية التي تفترض أن مؤسسات الأمن الوطني هي الحارسة على رفاهية الدولة، ومن ثم يتم اعتبارها مصدر الاستحقاق الوحيد للمعلومات"، وفقا للشريف.

القانون يراوغ البحث العلمي
ويشير "مونيتور" إلى أنه "من الناحية القانونية والدستورية، مسموح بالتدفق الحر للمعلومات ويعتبر أمرا مشروعا، "لكن بشرط عدم تهديد الأمن القومي"، وهو مصطلح مراوغ يؤدي إلى توسع مظلة المعلومات التي لا يمكن الحصول عليها، حسب الشريف.

ويقول "جاسر رزاق" -المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية-: "العقلية الأمنية تحكم كافة أشكال حياتنا، بغض النظر عن مجال بحثك، سواء كان المعمار أو البناء أو المثلية الجنسية أو الدين، فإن المنطق الأمني يجعل الحصول على معلومات ووثائق مهمة شاقة جدا".

وواصل قائلا: مؤسسات الجيش والمخابرات يرفضان أن يتم إخبارهما بما ينبغي عليهما فعله.

باحثون سجنوا أو هربوا
وتطرق "مونيتور" إلى حالات باحثين آخرين مثل حالة الباحث إسماعيل الإسكندراني، الذي احتجز في نوفمبر الماضي ويواجه اتهامات "نشر أخبار كاذبة بهدف الإضرار بالمصالح القومية وإزعاج السلام العام".

حيث وجهت له هذه الاتهامات عقب نتائج بحث أجراه الإسكندراني يزعم اختراق عناصر موالية لـ"ولاية سيناء" للجيش، حسب مونيتور.

كما أشار الموقع الأمريكي إلى هروب العديد من الباحثين من مصر، مثل عماد شاهين أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، الذي يدرس كذلك بجامعتي هارفارد ونوتردام، وهو متهم بالتآمر مع جهات أجنبية لتقويض الأمن القومي المصري، وحكم عليه بالإعدام في إحدى القضايا.

مشكلة التمويل
ويشير التقرير لمشكلة أخرى هي التمويل الذي يمثل عقبة أخرى تواجه الباحثين المصريين؛ ففي الوقت الذي يوجد فيه عجز محلي عن تمويل الأبحاث، لا تسمح السلطات بالمال الأجنبي، وتعتبر تلقي تمويلات من متبرعين أجانب، أو جامعات أو غيرها من المؤسسات "أعمال تجسس".

وقد دفع الخوف من اتهامها بالتجسس طالبة الدكتوراه نورهان زعفراني، المتخصصة في التصميم الحضري وتنمية المجتمع بجامعة القاهرة، إلى الامتناع عن التقدم للحصول على تمويلات أو منح، خوفا من العقوبة إذا جرى وصفها بـ"عدوة الدولة" أو جاسوسة.
 
ونص الدستور الحالي على أن تخصص الدولة من الإنفاق الحكومي نسبة 1% من الناتج القومي الإجمالي للبحث العلمي، و2% للتعليم العالي، و4% للتعليم ما قبل الجامعي، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية في العام المالي 2016/2017.

إلا أن مقترح الموازنة العامة المقدم من الحكومة الذي ناقشه البرلمان نص على تخصيص 2.3 مليار جنيه لوزارة الدولة لشئون البحث العلمي بنسبة 0.023% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، ما دفع نوابا لاعتبارها مخالفة للدستور.

وقالت لجنة التعليم والبحث العلمي في "برلمان الدم" ضمن تقرير للجنة الخطة والموازنة إن الاستحقاق الدستوري يستوجب إنفاق 30 مليار جنيه على البحث العلمي، بفارق 27 مليار جنيه عما تضمنته الموازنة المقترحة.

وبناء على ما سبق لجأت اللجنة إلى حيلة محاسبية أجرت بها تعديلًا على تبويب النفقات على نحو أضافت معه نفقات قطاعات أخرى إلى بند التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، في مسعى منها لتمرير الموازنة دستوريًا.

Facebook Comments