فجر عاطف صحصاح


وصف الشيخ خالد خليف -عضو هيئة علماء الجمعية الشرعية- قرار وزير الأوقاف الانقلابي أمس الثلاثاء بضم جميع مساجد وزوايا مصر، بالسياسي، صدر ممن يريدون أن يسيطروا على مفاصل الدعوة، ومنصات التوجيه الرئيسة، بما فيها المنابر التي لها دور كبير في بناء العقل المسلم. فهم الآن يحاصرون المساجد بل ويحرقونها على من فيها مثلما رأينا في مسجد "رابعة العدوية"، ويتعقبون العلماء والدعاة ويعتقلونهم، فجميع قرارات تنظيم المساجد وتتبع حل مجالس إداراتها، كل ذلك لا يعني إلا الرغبة في السيطرة وتكميم الأفواه ليس أكثر. والقاعدة أن الدولة إذا قادت الدعوة فشلت الأمور، ولكن الدعوة إذا قادت الدولة نجحت الدولة والدعوة.


وأضاف لـ”الحرية والعدالة” ولكن من ناحية أخرى واقعية أن وزير الأوقاف -في حكومة الانقلاب- لا يمكنه ولا لأي هيئة مهما كانت أن تضم مساجد الجمهورية جميعها؛ ذلك أن عدد المساجد أكبر بكثير جدا من عدد الأئمة الذين لدى وزارة الأوقاف، خاصة أنه لا يقوم بتعيين إلا من يرضى عنه أمن الانقلاب، وعليه فهذا القرار لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع، إلا إذا تم إلغاء خطبة الجمعة نفسها. وإذا كان القرار يتحايل على ذلك بأن يفرض ما سُمي بقصر صلاة الجمعة والخطبة على المسجد الجامع؛ فهذه كلمة حق يراد بها باطل، لأن المساجد لدينا جميعها تكون ممتلئة بل وتمتد في يوم صلاة الجمعة إلي خارجها بكثير؛ فالقاعدة أن قصْر صلاة الجمعة على المسجد الجامع نعم ولكن إذا استوعب أعداد المصلين.


وعلى جانب آخر: يؤكد "خليف" أن تلك القرارات غير واقعية وليس من اليسير تطبيقها؛ خاصة أن وزارة الأوقاف ليس لديها كوادر يشد إليها الرحال أو يأتي إليها المصلون، فبعد فشل تلك الوزارة في تطبيق ما يسمى بالخطبة الموحدة، لأن كل خطيب من الممكن أن يضع العنوان المفروض عليه، ثم يأتي بما شاء بعد ذلك من أفكار أو معان؛ في حين أن الانقلاب ليس لديه من مخبري أمن الدولة من يستطيع أن يفهم تلك الغوامض، وحتى مع وجود عناصر للخطبة مكتوبة وموزعة من قبل ومعلنة على موقع الوزارة الإلكتروني، فهذه العناصر لا تكفي خطيبا أبدا بل تعطيه مادة لا تكفي إلا ثلاث أو أربع دقائق، ولا تكفي خطبة جمعة يحتاج فيها الناس إلى الاستماع إلى مهارة خاصة في الإلقاء والدعوة والحديث، وهذا بالأخص في موضوعات الخطب الموحدة التي تم الإعلان عنها، فهي ليست من الموضوعات السهلة المحفوظة لدى أئمة الأوقاف مثل عذاب القبر أو التقوى أو ما شابه ذلك، بل هي في موضوعات تحتاج إلى لبيب وحاذق في عرضها حتى ولو أراد عرض ما يريده الانقلاب، فهو ليس لديه قدر ثقافي ليتحدث في موضوعات البيئة والعشوائيات والعلم والعمل والبيئة والشباب، والتي هي من الموضوعات المعلنة للخطب الموحدة. وبشكل عام فقرار ضم المساجد ومن قبله الخطبة الموحدة من القرارات السياسية من قبل من يريد أن يلهي الناس ويركعهم.


الجمعية الشرعية

وبخصوص مساجد الجمعية الشرعية بشكل خاص، يقول "خليف" إن الجمعية الشرعية منذ عهد الدكتور فؤاد مخيمر –رحمه الله- ترتبط مع وزارة الأوقاف في عهد وزير الأوقاف الأسبق د.محمود زقزق ببروتوكول خاص، ينص على أنه إذا أرادت الأوقاف أن تضم المساجد فلتأتِ بإمام بترتيب وتنسيق مع الجمعية الشرعية، أو أن تبعث الأوقاف بخطيب مرتين شهريا والجمعية مرتين وهكذا، المهم أنه ووفقا لهذا البروتوكول لا تستطيع الوزارة أن تفرض إماما ما على مسجد من مساجد الجمعية الشرعية، وأن تأخذ صحن المسجد فقط ولا علاقة لها ببقية المشروعات الملحقة بالمسجد، ذلك لأن أكثر مساجد الجمعية الشرعية ملحق بها الكثير من المشروعات مثل كفالة الأيتام أو العيادات الطبية وما شابه وهناك مساجد للجمعية منفق عليها الملايين من الجنيهات، لأن من تبرعوا لها يعلمون أنها ستسير بفكر ومنهج الجمعية الشرعية، أما وأن تأتي الوزارة الآن وبجرة قلم وبحماية بوليسية مثلا تأخذ المساجد وتخطب في أناس رغما عن أنوفهم، فلا أظن هذا معقول، وحتى الجماهير لن تقبل.


ومن ناحية أخرى فنحن نتعجب لأن وزارة الأوقاف ليس بها أئمة تغطي بها مساجدها، فكيف لها الآن أن تغطي مساجد جهات أخرى عديدة. خاصة أن مساجد الجمعية الشرعية تزيد عن خمسة آلاف مسجد في مصر؛ وإذا كان أئمة الأوقاف أصلا لا يذهبون لإقامة الجمعة في مساجد وزارتهم، فكيف لهم أن يذهبوا في جهات أخرى، ولذا فنحن حتى الآن نسير معهم على طريقة أن يخرجوا ما في جعبتهم.


ويتوقع "خليف" أن يكون هذا القرار من قبيل الكلام الأجوف الإعلامي فقط غير الواقعي، من قبيل أن وزير الأوقاف الانقلابي هذا يريد إرضاء غرور الدولة البوليسية التي يعمل فيها.


ويلفت "خليف" الانتباه إلى أن مصادر المعرفة الدينية الآن متاحة بكل طريق، حتى إن الجماهير تستمع الآن لخطبة الشيخ القرضاوي في قطر قبل أن يذهبوا لصلاة الجمعة في مصر. هذا بخلاف الدروس العديدة المتاحة على كافة المواقع الإلكترونية، ولذا فظن وزارة أوقاف الانقلاب أنه باستطاعتها تجفيف كافة المنابع الدينية فهو وهم ليس أكثر.


وبخصوص تطرق القرار لفكرة منع جمع التبرعات أو ما شابه ذلك إلا وفقا للقوانين، يقول "خليف": حتى هذا القرار ليس بجديد في شيء، فكل الأموال التي يتم جمعها لا بد أن تكون بتصريح مسبق، لكن هذا الوزير الحالي في حكومة الانقلاب يريد أن يثبت أنه يعمل وأنه يقدم شيئا في الحكومة الانقلابية، فقضية جمع الأموال لا علاقة لها بالأوقاف وإنما تخضع للشئون الاجتماعية بحكم علاقتها بالجمعيات الأهلية المقيمة لتلك المساجد.


وفي السياق نفسه يشير "خليف" أن وزارة الأوقاف التي تتحدث الآن عن منع التبرعات وما شابه، لا تستطيع أن تسيطر على ملف "صناديق النذور" والذي يجمع الملايين خاصة في المساجد التي بها أضرحة، بلا أوراق أو جمعيات أو أي إشراف، وهذا تحت سمع وبصر قيادات في الجيش والشرطة، حتى إن من بين تلك الجهات أعضاء في لجان فتح تلك الصناديق وفقا للوائح غير مكتوبة من الأساس، ولا يعلم أحد إلى أين تذهب تلك الأموال الطائلة، والتي حاول من قبل د.طلعت عفيفي وزير الأوقاف الشرعي في حكومة الرئيس مرسي، حاول أن يفتح هذا الملف الشائك، ولكن واجهته العديد من الصعوبات والمشكلات، خاصة أن هناك العديد من المناصب والقيادات المستفيدة من تلك الأموال، وتقف حجرة عثرة في سبيل فتح هذا الملف. فميزانية تلك الصناديق ضخمة بل وتعادل ميزانية الوزارة نفسها.فمسجد الحسين بالقاهرة وحده يدخل في صندوق نذوره أكثر من مائة ألف جنيه شهريا. ولذا فقبل أن يفكر وزير أوقاف الانقلاب من تتبع بعض المساجد وضمها، فليذهب لتتبع هذا الملف وتلك الأموال المهدرة.


ويضيف"خليف" على حكومة الانقلاب كذلك تتبع الكنائس أيضا وليس المساجد فقط، فلا يوجد من يتتبع أموال الكنائس مهما كثرت، ولا يقول لهم من أين أتيتم بهذه الأموال أو أين ستنفقونها.

ويختتم "خليف" بالتأكيد على أن إغلاق المساجد كما تحلم حكومة الانقلاب فهو شيء مستحيل، حتى إنهم عندما حاولوا تعيين أئمة بالقوة في بعض المساجد لم تصمت الناس، ولم يستمر هؤلاء. فالجماهير التي لم تكف عن صلاتها في الميادين ولا ينفضون وقوات الجيش والشرطة فوق رؤوسهم، لن تكف أيضا عن الدفاع عن المساجد لأنه مسألة صلاة لله رب العالمين. 

Facebook Comments