كتب – هيثم العابد
ربما جاء المشهد الهزلي لانتخابات برلمان العسكر صادمة للتيارات الثورية أكثر من تلك المؤيدة للحكم العسكري والنظام الانقلابي، بعدما جاءت لتجسد بجلاء الانتكاسة التي أصابت ثورة 25 يناير والردة إلى حقبة المخلوع مبارك، خاصة وأن الشعب المصري تعامل مع صندوق الانتخابات منذ استفتاء مارس وحتى دستور الثورة باعتباره الممثل الشرعي والوحيد عن إرادة المصريين قبل أن تتدخل مجنزرات العسكر لتضرب أحلام المواطنين نحو الديمقراطية في مقتل وتعيد سيناريو اللجان الخالية والاستحقاقات المسرحية والإرادة المزيفة والمؤسسات الديكورية.

فضيحة انتخابات العسكر –والتي لم تكشف عن عارها في البرلمان وإنما منذ خطت أول خطوات خارطة طريق السيسي المزعومة- جاءت لتؤكد أن مطلب الثوار بعودة الرئيس المنتخب محمد مرسي لا تتوقف عند حدود جدلية أخطاء وقعت فيها مؤسسة الرئاسة أو حتى جماعة الإخوان في مواجهات تفشيل متعمد من جانب العسكر ومليشيا الدولة العميقة، وإنما باعتباره يجسد روح الثورة التي خلقت مناخا ديمقراطيا حمل الشعب على النزول بالملايين من أجل التعبير عن رغبتهم بإرادة حرة ونزيهة عبر محطات البرلمان والشوري والرئاسة والدستور، وهو ما يفتقده المواطن الآن في ظل حكم البيادة ما أجبره على العزوف عن المشاركة في مسرحية محسومة نتائجها بشكل مسبق.

د. عمرو دراج –وزير التعاون الدولي بحكومة د. هشام قنديل- أعرب عميق حزنه لعودة المشهد الذى ظن الثوار أنه انتهى إلى غير عودة بعد قيام ثورة 25 يناير، والتي كانت أحد أهم أسباب اندلاعها هذا المشهد الفج الذى أفرز برلمان التزوير في 2010 ومن قبله برلمان 2005، قبل أن يأتى استحقاق 2012 ليمنح الشعب بارقة أمل في برلمان يعبر بصدق وبنزاهة عن إرادتهم الحقيقية دون تزوير أو تزييف أو تلاعب بالصناديق.

وأكد دراج –خلال حديثه عبر برنامج «مع زوبع» على فضائية «مكملين»- أن الشعب بمختلف طوائفه استبشر من انتخابات برلمان 2012 بأن تلك هي البداية الحقيقية لمشاهد انتخابية مستمرة لن تتغير تحت أى ظرف، إلا أن العسكر أعاد دون خجل عجلة الزمان لما هو أسوأ من 2010.

وقارن القيادي الإخواني بين المشهد الراقي وطوابير الحرية التي تدفقت على لجان الاقتراع قبل 3 أعوام وبين المقار الخاوية على عروشها والتي فشل إعلام السيسي في التعتيم عليها أو التلبيس على الشعب خاصة مع انطلاق حملات ودعوات تستجدي المصريين للنزول والمشاركة، موضحا أن انتخابات 2012 شهدت مشاركة 32 مليون ناخب شهد لهم العالم أجمع ولم يكن الإعلام في حاجة إلى "جوجل" للإطلاع على أرقام المشاركة في ظل الطوابير الممتدة عبر الشوارع لساعات طوال دون كلل أو ملل من المواطنين، إلا أن السيسي أبي إلا أن يعيد المأساة من جديد.

وضرب دراج مثالا شخصيا لما جرى في برلمان 2012 والتي تفضح معها الأرقام الواقع المخيب الذى تشهده مصر العسكر، مشيرا إلى أنه كان يخوض الانتخابات في دائرة الدقى والعجوزة ودخل في جولة أعادة أمام المرشح المنافس د. عمرو الشوبكي، ليحصل على 250 ألف صوت مقابل 252 ألف صوت لصالح المنافس ليفوز الأخير بفارق صوتين.

ورغم المفارقة التي لفت إليها الإعلامي والقيادي د. حمزة زوبع عن تدني مستوى الانتخابات من منافسة بين دراج والشوبكي، إلى دخول الأخير في تنافس مع أحمد مرتضي منصور وعبدالرحيم علي، إلا أن دراج أوضح أن الأرقام عكست بجلاء هذا التدني حيث حصل الشوبكي الذى حصد ربع مليون صوت في 2012 يدخل الآن جولة الإعادة بـ6 آلاف صوت فقط.

وتابع: "أنا خسرت الانتخابات في 2012 رغم حصولي على 250 ألف صوت، أما المرشح «العملاق» عبدالرحيم علي فاز من الجولة الأولى بـ 9 آلاف صوت، وهى الأصوات الفعلية التي تمثل الذين حضروا بما يرضي الله وليست الأرقام المزورة المعلنة، وهى الفاجعة التي تكشف الفارق الشاسع بين دولتى الثورة والانقلاب من مرشح خاسر في الإعادة بربع مليون صوت وآخر فائز من الجولة الأولى بـ 9 آلاف صوت".

وتوقف دراج ليؤكد أن المقارنة هنا ظالمة تماما بين 2012 و2015 وربما من الإنصاف أن نعقد المقارنة بين ما يجري الآن في عهد السيسي وما وقع في عصر أستاذه المخلوع مبارك، مشيرا إلى أنه يمكن القياس على نفس الدائرة الانتخابية، حيث جرى التنافس فيها عام 2010 بين القيادي الإسلامي المعتقل حازم صلاح أبو إسماعيل في مواجهة ممثلة الحزب الوطني المنحل أمال عثمان، والتي نجح فيها الأول فعلا في حسم الانتخابات بـ 6 آلاف صوت دون تزوير ليقوم النظام بتبديل النتائج ليعلن فوز الأخيرة.

وأشار القيادي الإخواني إلى أن الشاهد من المقارنة الرقمية أن رسالة الشعب في انتخابات 2010 وحصاد الـ 6 آلاف صوت أن تلك الاستحقاقات المزيفة لا تمثلهم ولا تعني بالنسبة إليهم شئ، وعندما مثلت الاستحقاقات فارقا جوهريا في حياة المواطن وأدرك بحق أهمية صوته كانت المحصلة خروج 500 ألف ناخب في دائرة واحدة، ليعود المواطن من جديد ليلزم بيته بعدما تأكد أن مصر تسير إلى الخلف.

ورد دراج على "سر الخلطة" وراء ثقة الشعب في الإخوان آنذاك وخروج مئات الآلاف سواء مع الجماعة أو ضدها وكيف ابتلع السيسي مئات الآلاف من الأصوات، مشيرا إلى أن الواقع يفضح بالآرقام أكاذيب الزيت والصابون التي لا يمكن أن تدفع الملايين للنزول للإدلاء بأصواتهم إلا إذا كان المنتج الآن أصبح ردئ، مشددا على أن الفارق يتوقف على المناخ العام في مصر آنذاك حيث يثق المواطن حقيقة أن صوته له قيمة وأنه غير قابل للتزوير وسوف يذهب لمن يستحق أو من يريد أن يمثله، وهى المصداقية التي أجبرت الناس على النزول تماما كما حدث مع الإخوان في انتخابات 2005 رغم ممارسات الحزب المنحل.

واختتم دراج حديثه بتأكيد أن الأرقام أكدت أن الانقلاب كان على الثورة وليس على جماعة أو رئيس وإنما على 25 يناير بمكوناتها ومكاسبها، وهو ما كشفه بجلاء عدم ثقة الناس في استحقاقات العسكر منذ استفتاء دستور الدم مرورا بمسرحية الانتخابات الرئاسية وانتهاءا ببرلمان "لم يحضر أحد" حيث استعادة الدولة سيرة مبارك الأولي، وهى الحقيقة المجردة التي تجيب على مطلب عودة الدكتور محمد مرسي إلى السلطة باعتباره رئيس شرعي منتخب جاء بإرادة حرة تجسد روح ثورة 25 يناير وطمس ملامحها الانقلاب.

Facebook Comments