قال أحمد خلف، الباحث بمركز الحضارة للدراسات السياسية: إن الدعم المفتوح للفريق السيسي من دولة الإمارات يكشف عن طبيعة جديدة في العلاقة بين دولة صغيرة ثرية ودولة قديمة فقيرة، تقوم فيها الأولى بتقديم دعم مالي للثانية، في مقابل أن تلتزم الثانية بالخط السياسي وعدم الإضرار بالمصالح الاقتصادية للأولى؛ فإذا حادت مصر عن هذا الخط السياسي أو أضرت بالمصالح الاقتصادية للإمارات، امتنعت الإمارات عن المساعدة المادية والوقوف بجانب مصر، وهذا ما حدث حين قامت الثورة ضد مبارك ثم تولى الحكم الرئيس محمد مرسي؛ فامتنعت الإمارات عن دعم مصر؛ لاختلاف الخط السياسي بين النظامين الحاكمين، وسعي الرئيس مرسي للقيام بمشروع محور قناة السويس الذي رأت الإمارات أنه سيؤثر اقتصاديا على التجارة والاستثمارات فيها.

 

وأضاف، في تصريح خاص لـ"الحرية والعدالة"، أن هذه العلاقة ليست مختلة فقط، ولكنها مهينة لمصر أيضًا، حيث يقدم نظام الانقلاب في مصر "الدولة الكبرى" في المنطقة خدمات اقتصادية، تتمثل في تمكين الإمارات من المشاركة بقوة وبامتيازات كبيرة في مشروع محور قناة السويس، بحيث لا تمكن منافسة موانئ الإمارات، أو على الأقل الانتفاع بالعائد الاقتصادي الكبير لهذا المشروع، فضلا عن إعطاء الإمارات امتيازات استثمارية وتسهيلات ضخمة للاستثمار في مصر.

كما تلتزم سلطة الانقلاب بالخط السياسي للإمارات في معاداة المقاومة الفلسطينية والالتزام بالبقاء داخل معسكر دول الاعتدال العربية بالمفهوم الأمريكي للاعتدال مع السعودية والأردن، وقمع رافضي الانقلاب الذين ترفض الإمارات وجودهم في السلطة أو حتى في الشارع.

ومن الواضح- برأي "خلف"- أن الإمارات شريك أساسي في الانقلاب، وتأكد ذلك بأنها لا تزال تدعم سلطة الانقلاب ماديا ومعنويا بصورة غير محدودة حتى من قبل أن تستقر سلطتها والتي لم تستقر حتى الآن، وقبل أن تبدو ملامح التوجهات السياسية للسلطة الجديدة؛ مما يدل على التنسيق الكامل والثقة المطلقة في توجهات سلطة الانقلاب وصيانتها لمصالح الإمارات، وغيرها من الدول المشاركة في الانقلاب

وأوضح "خلف" أن هذا الارتباط بين النظامين في مصر والإمارات من الخطورة بمكان؛ حيث إنه يُلزم الإدارة المصرية بالسير في ركاب الإمارات سياسيا واقتصاديا، بغض النظر عن تحقيق مصالح مصر وشعبها وأمنها القومي وإقامة نظام على أساس من الحرية والعدالة والكرامة، ذلك أن هذا الدعم موجه لخدمة من يخدمون مصالح الإمارات ومشاريع الدول الكبرى التي تدور الإمارات كما نظام مبارك والنظام السعودي في فلكها، وهي مشاريع تعادي ثورة يناير وضد الديمقراطية والحرية وتقف ضد تحقيق الاستقلال الوطني لمصر ودول المنطقة وتسعى لربطها دوما بالخارج.

ودلل "خلف" على سبيل المثال بمشروع كمشروع بناء مليون وحدة سكنية، متسائلا لماذا تم التحضير له في الخفاء بعيدًا عن أعين الرأي العام والهيئات المتخصصة والشركات المصرية وخبراء الإسكان والاقتصاد ووسائل الإعلام؟ أين الشفافية في إجراء كهذا؟ ولماذا لم يتم تحديد سعر الوحدة السكنية لنعرف ما إذا كان سيناسب الفقراء ومحدودي الدخل أم لا؟ أم أن المشروع سيبدأ والأموال ستدفع دون أن نعرف مدى ملاءمته؟ وكيف يتم التصرف من قبل الجيش في مساحة من الأراضي التي تبلغ 160 مليون متر مربع؟ مؤكدا أن هذه الأرض ملك للشعب وسيطرة القوات المسلحة عليها إنما يأتي لأغراض دفاعية وتدريبية، وليست استثمارية، وحتى إن قررت صلاحيتها للاستثمار، فيجب أن يتم منحها لهيئة مختصة كوزارة الإسكان لتقوم بإجراء الدراسات اللازمة للانتفاع بها وطرحها للمزايدة أو للمناقصة أو للاكتتاب العام وتحت رقابة أجهزة أمينة على الصالح العام وبمشاركة الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني.

وتابع: لكن أن يقوم الجيش في غيبة من سلطات منتخبة كالرئيس والبرلمان، بتخصيص أرض لا يملك استثمارها لشركة أجنبية دون شفافية وبشكل مفاجئ وبما يمنح هذه الشركة امتيازات غير مقبولة كحريتها في جلب مواد بناء من خارج مصر، فهذا مما يثير الريبة والشك في كون هذه الصفقة من باب الثمن المفروض على إدارة الانقلاب نظير الدعم المادي الكبير الذي تقدمه الإمارات.

مضيفا، ومن باب الدعاية الانتخابية التي لا يملكها أي مرشح باستثناء وزير الدفاع وقيمتها تتجاوز بكثير سقف الدعاية الانتخابية للمرشحين في الانتخابات الرئاسية ولا تندرج في الوقت ذاته ضمن بنودها القانونية، الأنكى أن هذه الشركة لديها مشكلات "تراكم" أو تلكؤ لمشاركتها في تنفيذ المشروعات أكثر من قدرتها على الوفاء بها وصل بعد هذه الصفقة إلى نحو 50 مليار دولار، وهذا قبل أن تبدأ في العمل أصلا، فما الذي يجعل أحد الأطراف مضطرا للتعامل مع شركة بهذا الوضع وإسناد مشروع بهذا الحجم لها دون طرحه على متنافسين يقدمون أفضل الأسعار وأجود المواصفات إلا إذا كان سدادا لفاتورة معينة.

وكشف "خلف" أن مثل هذا التصرف يبين لنا قراءة واضحة لما سيحدث حال وصول السيسي لموقع الرئاسة واستمرار سلطة الانقلاب في السلطة، فهذا هو ما سيحدث: سداد فواتير بأضعاف أثمانها للإمارات والسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة وروسيا، دون تحقيق أي منفعة لمصر وشعبها، مع انعدام التأثير المصري في القضايا المتعلقة بأمنها القومي المباشر مثل الصراع العربي الإسرائيلي وحوض النيل والتأثير السلبي على دور مصر الإقليمي والعربي كما هو مشاهد الآن إلا بما يخدم مصالح أعدائها.

وحذر "خلف" من الحالة السائدة الآن من اعتبار جهاز الدولة نفسه في معركة سياسية ضد منافسين من "الشعب" يستحل لنفسه فيها استخدام كافة الوسائل المتاحة له بدءا من الدعم الخارجي وليس انتهاء بقمع المعارضين؛ ليضع هذه المؤسسات الحكومية في وضع خطير قد يعصف بأي أمل فيما ينبغي أن يكون عليه الجهاز البيروقراطي في الدولة من حياد وخدمة للشعب عن طريق احترامه لمن يقوم بانتخابه وتسليمه مقاليد السلطة ومساعدته في تنفيذ برامجه الإصلاحية والتنموية، أما أن يجعل نفسه طرفا يدافع عن مرشحيه وسياساته واستثماراته ومسئوليه من رغبة الشعب في التغيير أو تحقيق إصلاحات وتنفيذ برامج وسياسات مغايرة لما يريده هذا الجهاز فهذا أمر خطير يعقد المشهد ويؤدي إلى مزيد من التأزيم لمشاكل الوطن ويعرقل الإصلاح.

 

Facebook Comments