كتب: كريم حسن
لم يمنع منصب والده ولا مستواه العلمي والاجتماعي أن يتم اقتحام بيته واعتقاله، منذ شهرين، وإخفائه في مكان لا يعلمه أحد.

ففي دولة الانقلاب كل شيء متاح، وكل المواطنين في القهر سواء، وكل القوانين موقوفة عن العمل إلى حين.

الحكاية باختصار

كان "أحمد" ابن مساعد سابق لوزير الداخلية "اللواء نبيل طاحون" نائما وسط عائلته، ليفاجأ بأن قوة من أمن الانقلاب تقتحم شقة والده، يوم الأحد 16 يوليو الساعة الواحدة صباحا، ليقوموا بكسر أبواب الشقة والعمارة، وتحطيم أثاث الشقة، واختطافه إلى مكان مجهول حتى الآن، رغم مرور شهرين على تلك الواقعة.

ورغم معارف الأسرة ونفوذ والدهم "الراحل"، إلا أن أحدا لم يتمكن من إفادتهم بمعلومة واحدة حول مكان اختفاء الابن المخطوف.

ونترك شقيقته "دعاء" لتحكي التفاصيل، والتي نقلتها على حسابها بموقع "فيس بوك" قائلة:
كنت أجلس مع أختي في غرفتها، بينما أحمد أخي الكبير نائم، وأخي الصغير في غرفته، وتجلس أمي في غرفة المعيشة تسبح الله وتستغفر لما كان يصيبها من شعور قابض للقلب منذ بداية اليوم.

قفزنا أنا وأختي من على المقاعد إثر صوت قنبلة تنفجر في البناية أو في الشقة المجاورة لنا، وعندما خرجنا لنرى ما يحدث وجدنا أمي تصرخ في حالة انهيار ولا وعي وتسقط على الأرض، وامتلأ البيت بأشخاص بعضهم يرتدي زيا مدنيا وآخرون يرتدون زيا عسكريا أسود اللون، ويحملون الأسلحة ويصوبونها باتجاهنا بعد ضرب النار على قفل الباب وكسره، دون مراعاة لحرمة البيت.

انتشروا في المنزل بعد إلقاء نظرة مطولة على مكتبة والدي الكبيرة المكتظة بكتب التوحيد والعقيدة، ومؤلفات ابن القيم، وابن تيمية وكتب محمد بن عبد الوهاب ومجلدات سيد قطب، وأيضا كتب الشيخ الشعراوي ومختلف تفاسير القرآن.

نعم هو ذلك الرجل ذو الخلطة العجيبة، لا يفهمه إلا من عرفه وتعامل معه، تدمع عيناه لذكر اسم النبي عليه الصلاة والسلام، يصادق الشيخ صادق العدوي وصالح الجعفري والشيخ كشك، رحمهم الله، ويعمل بالشرطة ويكافح الفساد بأنواعه، رجل أعمال وكاتب ومزارع ومحام وداعية.. صاحب منصب مهم له هيبته في كل مكان، وشيخ بسيط وخطيب مسجد، معلم ودود له درس كل يوم بعد صلاة الفجر.

ثم سألونا: هل يوجد كتب أخرى؟ بعد التأكد من أنها تخص والدي وأنه الوحيد (إرهابي الفكر) الذي في البيت، رحمه الله، ثم اتجهوا إلى غرف النوم وسألوا عن أحمد الذي كان نائما فأيقظه أربعة أشخاص، ومنعونا من الدخول عليه، وسمعتهم يسألونه عن بعض رجال العائلة، ولبس ملابسه مسرعا، ثم غسل وجهه وارتدى نظارته وأخدوا اللاب توب والهاتف الخاص به بعد تدمير كل ما بالغرفة إثر التفتيش.

ثم سلمونا الأموال الخاصة بأخي التي كانت بحوزته، وقال أحدهم لأمي: "متخافيش يا حاجة هنرجعه الصبح على طول.. فقلت له: "ذنب اللي حصلها ده في رقبتك وأنت خصيمي يوم الدين، ولو كنت ضربت الجرس طبيعي زي الناس من غير ما تكسر باب العمارة وباب الشقة وتفزعنا بالشكل ده، اطمن مكناش هنلحق نخبي الأسلحة والقنابل تحت السيراميك وفي المخابئ السرية"، فظل يعتذر بهدوء أعصاب متفق عليه.

سلم أحمد على أمي وقبل رأسها، وقال لها: "اهدي يا حبيبتي متخافيش.. ورحل منذ ما يقرب من الشهرين.. رحل ولم يعد في الصباح كما وعدوا.. لم يعد حتى يومنا هذا". يسألني أطفاله:" بابا فين يا دودو مش بيكلمنا وتليفونه مقفول كل ده مسافر؟!".

انتظرت أسبوعا من القبض عليه لم أفعل شيئا، لعل كلامهم يكون صحيحا أو يكون تشابه أسماء أو بلاغا كيديا كما قال بعض المعارف والأقارب ممن يشغلون مناصب حساسة في الدولة، ثم بدأت في حملة بلاغات وشكاوى وتلغرافات لكل من يمكن أن تعود عليه المسؤولية.

قابلت مساعد وزير الداخلية ووعدني شخصيا بالتحرك والبحث عنه، وذهبت لمقابلة الوزير بلا جدوى. قابلت بعضا ممن تتلمذ على يدي والدي ويشهد له بحسن الخلق وطيب السيرة ويدعو له بالرحمة.

ذهبت إلى مديرية أمن القاهرة وأقسام الشرطة وفروع أمن الدولة ونيابة أمن الدولة بالقاهرة الجديدة ومصلحة السجون، ومررت على بعض السجون ومعسكر يسمى "السلام" وسجن النهضة، كما أشار علي أحدهم، وسألت في وادي النطرون والعقرب، ثم اتجهت للإعلاميين زملائي لأفضح كل من وعد وعرف وتأخر وتجاهل وتواطأ.

استغاثت أمي بعد الله سبحانه بكل أقاربنا في عائلة طاحون لمن لا يعرف عائلة كبيرة وأمنية في المقام الأول، فكان منهم أن طمأنونا أول أسبوع من القبض عليه أنه لن يمر أسبوع قبل خروجه. وأنه لا تهمة له، وأنه مجرد استجواب فقط ثم مضى الشهران دون أية معلومة.

وقال آخر لوالدتي (لواء سابق في أمن الدولة): "احمدي ربنا يا حاجة أنهم ماخدوكيش إنتي كمان"، وقال أحد المحترمين: استعوضوا ربنا فيه بقاااا.. حسبنا الله وكفى.

أسأل الله العظيم الحنان المنان أن يرده سالما قريبا يا رب.. ويرد كيد الأعداء في نحورهم.

Facebook Comments