كتب يونس حمزاوي:

رغم أن الخروج على المعاش ينبغى أن يمثل نهاية سعيدة للموظف أو العامل؛ طلبا للراحة والاستمتاع بالحياة بعد عشرات السنين من الشقاء والعناء فى العمل، إلا أنه في "مصر العسكر" يمثل بالنسبة للكثيرين مأساة حقيقية.

يغادر الموظف وظيفته الحكومية فيجد ظهره عاريا، فلا توجد رعاية صحية محترمة، أو راتب أو تأمين مقبول، ولا أي مبلغ مالي يحميه من غدر الزمان، كما لا يوجد حد أدنى للراتب التقاعدي أو المعاش يعادل الحد الأدنى للأجور، كما يجد تضخما مستمرا في الأسعار ومواصلات مزدحمة لا تناسب سنه.

التقاعد يعني فقدان نسبة كبيرة من الدخل المادى، فبعد الراتب الذي اعتاد عليه سنوات؛ يجد نفسه أمام مبلغ مالى زهيد لايتلاءم أبدا مع تكاليف الحياة من مسكن، ومأكل، وعلاج، رغم أن الحكومة نهبت أكثر من 500 مليار جنيه من أموال المعاشات حتى يومنا هذا.

أمام هذا البؤس والشقاء يجد أصحاب المعاشات أنفسهم أيضا أمام أزمات مادية وصحية لا تنتهي، ولا يتحملها المعاش الشهرى الذى ينفد بعد أيام من صرفه، ليجدوا أنفسهم مطالبين بالبحث عن عمل إضافى يعينهم على الحياة، وبالطبع هم لا يقدرون لأن ظروفهم الصحية لا تسعفهم، أو أن يمدوا أيديهم لأبنائهم أو لأقاربهم لكى يتمكنوا من تلبية متطلبات المعيشة الصعبة.

أعمال فنية ترصد المعاناة

السينما من جانبها عالجت معاناة أزمة أصحاب المعاشات. فبعضنا يذكر فيلم "البيه البواب" الذي قدم فيه الفنانان أحمد زكي وفؤاد المهندس مستوى راقيا من الفن الهادف الذي يرصد معاناة المواطنين، وكيف تحولت حياة موظف الحكومة إلى جحيم بعد المعاش، وكيف انقلب ميزان المجتمع ليصبح البواب "بيه" ويعمل البيه "فؤاد المهندس" سواقا على "تاكسي" حتى يستطيع أن يعيش بقدر من الكرامة.

وأحيانا يضطر أصحاب المعاش للتسول كما في فيلم "أنا وبناتي" للمبدع زكي رستم، والذي شاركته البطولة فايزة أحمد وناهد الشريف.

احتجاجات لا تتوقف

وقبل أيام، تظاهر أصحاب المعاشات في مصر، والذين يقدّر عددهم بأكثر من 9 ملايين مواطن، ضد إهدار 640 مليار جنيه من أموالهم، مشيرين إلى أن حكومات مبارك الأخيرة أضاعت نحو 500 مليار جنيه من أموال التأمينات والمعاشات.

وعلى الرغم من عشرات البلاغات التي تلقتها جهات رقابية وقضائية في هذا الشأن، إلا أن حكما واحدا لم يصدر لإدانة القائمين بهذه الجريمة، التي كان من نتائجها أن صندوق معاشات مصر بات فارغا، وأن صندوق التأمينات على العاملين في قطاعي الأعمال العام والخاص في مصر اضطر لاقتراض 7 مليارات جنيه قبل أيام، حتى يستطيع صرف المعاشات خلال الأشهر الأربعة المقبلة، في ظل عدم وجود سيولة مالية لديه رغم وجود مستحقاته المالية الكبيرة لدى وزارة المالية.

والملفت أن الأزمة جاءت عقب أيام من إعلان الجهاز المركزي للمحاسبات عن اختفاء 70 مليار جنيه من أموال موازنة مصر لعام واحد.

الحق في 5 علاوات

يقول البدرى فرغلى، رئيس اتحاد المعاشات، إن كل صاحب معاش له الحق فى 5 علاوات اجتماعية، إلا أنه يتم نزعها من صاحب المعاش، ومع أن العلاوات صدرت بقوانين، ولا يجوز إلغاؤها أو نزعها إلا بقانون، وقد قضت المحكمة الدستورية بأنه من حق صاحب المعاش استعادة (80% من العلاوات الخمس الأخيرة) ولم يحدث، وقد أقام اتحاد أصحاب المعاشات دعوى قضائية أمام مجلس الدولة بشأن استعادة تلك العلاوات الخمس الأخيرة، أملا فى الحصول على حكم بتعميم هذا الحق على 9 ملايين من أصحاب المعاشات.

وبشكل قطعي، فإن القضية الصعبة فى أزمة المعاشات – كما يقول البدرى فرغلي- تتعلق بأموالنا، فنحن– كما تعلمون- نتقاضى معاشاتنا من إيرادات التأمينات وفوائد الأموال، ولم يحدث تراجع فى أى منهما، فإن ذلك ينعكس بالطبع على ملايين الأسر من أصحاب المعاشات، فنحن نمتلك نحو 634 مليار جنيه وفقا للأرقام الرسمية، 55 مليارا منها و162 مليار جنيه لدى الخزانة العامة بدون فوائد منذ 10 سنوات وحتى الآن، وهذا الرقم (162 مليار جنيه) هو سبب كارثة أصحاب المعاشات، لأنه لو تم حساب الفوائد المستحقة عليه لوصل ذلك المبلغ إلى نصف تريليون جنيه تقريبا.. وإذا تم أيضا رفع معدل الفائدة على الأموال المودعة لدى بنك الاستثمار القومى من 9% كما هو معمول به حاليا إلى 20% كما هو معمول به في كثير من البنوك، فإن الأزمة سوف تنتهي إلى الأبد.

ولكن يبدو أن قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي وحكومته يصرون على أن استمرار معاناة أصحاب المعاشات بلا حل، رغم الأزمات المتلاحقة والمرار الذي لا يتوقف.

Facebook Comments