كتب سيد توكل:

في استفزاز جديد نشرت وزارة المالية في حكومة الانقلاب خلاصة تقرير التنمية البشرية، وما هي إلا بضع ساعات حتى أقدمت الوزارة على حذفه، إثر الجدل الذي أثاره اللغط والحذف الذي تبعه، وكان لإشارة التقرير لخط الفقر المدقع في مصر، والذي يمثل كلفة البقاء على قيد الحياة، الذي كان قد ارتفع ليبلغ نحو 2570 جنيهًا في عام 2013/2012، وهو المنشور نفسه الذي حدَّد خط الفقر القومي للعام نفسه بنحو 3920 جنيهًا.

كان هذا قبل أن تشهد مصر موجات التضخم الخمس التي شهدتها منذ 2014، التي تَسبَّب بها سوء تعامل الدولة مع أزمة الدولار الأخيرة، إضافة لاتجاهها للتخلص من نظم الدعم التي عرفتها مصر لعقود، فضلاً عن تيار الضرائب الجديد "القيمة المضافة" و"الدخل"، وزيادة رسوم الخدمات الحكومية.

ارتفاع خط الفقر
وبحساب معدل التضخم لعامي 2015 و2016، فإن خط الفقر المدقع قد ارتفع إلى نحو 3800 جنيه، بينما يبلغ خط الفقر القومي اليوم نحو 5880 جنيها، أي أن من يبلغ دخله أقل من 5880 جنيها يعد ضمن الشرائح الاجتماعية الفقيرة.

في هذا السياق العام، أعلن وزير المالية في حكومة الانقلاب عمرو الجارحي، أن الحكومة ستجنب ما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي من الوفورات المُحقَّقة من الإصلاحات المالية كل عام للإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية.

وتتضمَّن برامج الحماية الاجتماعية، حسب الوزارة، مخصصات الإنفاق على معاشات الضمان الاجتماعي، ومعاش الطفل، وبرنامج الإسكان منخفض التكاليف، والتأمين الصحي، ودعم الأدوية، والتغذية المدرسية، ودعم ألبان الأطفال، وإعانات نقل الطلاب، والتأمين الصحي للأطفال الصغار والنساء، والتدريب المهني للشباب.

هيكلة الأسعار
لم ينسَ المجتمع السياسي تلك المفارقة التي شهدتها موازنة العام الماضي، حين أعلن معارضون حكوميون عدم دستورية الموازنة؛ بسبب نقص مخصصات التعليم والصحة مقارنة بالنسبة المنصوص عليها دستوريًا.

فما كان من حكومة الانقلاب إلا أن قامت بضم موازنات مستشفيات المؤسسة العسكرية وجهاز الشرطة؛ لكي يبدو وكأن الإنفاق على البندين في الموازنة قد زَادَ ليُلبّي المطالب المتوافق عليها من ضمن الدستور، رغم عدم التوافق على الدستور نفسه، وهو ما يقدح في جدية نظر الحكومة لبرامج الحماية الاجتماعية، بالنظر لاستسلام المصريين، ومحدودية الاحتجاجات على تسريع وتيرة عملية هيكلة الأسعار، كما يقدم سيناريو لما يمكن أن تكون عليه برامج الحماية.

ورغم زيادة موارد الدولة من الضرائب المختلفة التي أقرها نظام ما بعد 3 يوليو خلال عام 2016، فإن خبراء يتوقعون أن يزيد العجز في الموازنة المصرية من 350 مليارا في موازنة مصر 2017/2016، إلى 500 مليار جنيه في موازنة 2018/2017، وهو ما يعود لزيادة مستوى الأسعار الذي يعاد تصديره للموازنة مجددًا.

وتقوم سلطات الانقلاب بابتكار تشريعات جديدة لإعادة تصديره للمواطن، ما يفتح الباب للتساؤل عن مصير الموازنة مع استمرار زيادة مخصصات مواجهة أعباء الدين الحكومي، والذي كان يتوسّع من قبل بالجنيه فقط، أما الآن فصار يتسع بالجنيه والدولار في آنٍ واحد.

لا تكافل ولا كرامة
وبالعودة إلى خط الفقر القومي الذي زاد عن 3920 في 2013، إلى 5880 في 2017، بعد حساب تضخم على أساس سنوي في 2017 بلغ 31%، وتضخم في 2016 بلغ 24%، ما انعكس في هذه الزيادة على خط الفقر القومي، بالإضافة لخط الفقر المدقع.

وعلى الرغم من أن حكومة الانقلاب قد صاغت برنامجي "تكافل" و"كرامة" في 2015، وهو البرنامج الذي يستفيد منه الآن نحو مليون مواطن، فإن برنامج تكافل يهدف لتقديم مساعدات إنسانية للأسر الأكثر فقراً، والأُسر التي لديها أطفال في مراحل مختلفة من التعليم، تشمل المساعدات توفير الرعاية الصحية للأطفال قبل سن المدرسة، ويبلغ حدّه الأقصى 600 جنيه، حتى بعد ضمّ المخصصات الإضافية لطلاب الثانوية العامة بحد أقصى 3 طلاب، حيث إن المبلغ الأساسي للتكافل 320 جنيها للأسرة.

أما برنامج "كرامة" فيقدم الدعم المادي للأسر الأكثر فقرًا، ويستهدف البرنامج الأفراد الذين تفوق أعمارهم الـ65 عامًا، من ذوي العجز أو الإعاقة ممن لا يتقاضون معاشًا ثابتًا، ويبلغ حده الأقصى 1060 جنيها.

ما سبق يعني أن كلا البرنامجين مع إجمالي حجم الاستفادة من المشروعين (مليون مستفيد)، فإن عبء المشروع لم يزد عن مليار جنيه، كما أنه لا يكاد يلبِّي احتياجات مواطن يبلغ حد الفقر المدقع له نحو 3900 جنيه.

قديمًا، كانت مؤسسات المجتمع الأهلي تتدخل لِسد العجز في الفجوة الاجتماعية التي تعاني منها مصر، اليوم، تضغط سلطات الانقلاب على المجتمع الأهلي، حتى أصبح غير قادرٍ على مَدّ يد العَون بالكثافة والكفاءة التي اعتادَها قبل يوليو 2013.

Facebook Comments