لم يفهم كثيرون سبب إفراج المجلس العسكري السابق -الذي كان يتولى فيه قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي رئاسة المخابرات الحربية، وهو من قدّم المقترحات- سبب إطلاق سراح 858 جهاديا سابقا، إلا عندما سعى هؤلاء لتكفير الرئيس محمد مرسي لاحقا، وأصبحوا هم من يقومون بالتفجيرات الحالية التي يحاول نظام السيسي إلصاقها بالإخوان.

وعلى حين يستمر التضارب في تصريحات داخلية السيسي، والتصريحات المتناقضة التي تحاول لصق الاتهامات تارة لحركة "حسم"، وتارة أخرى للإخوان، والكشف عن تلفيق الاتهامات.

آخر من تم اتهامه بهذه التهم "علي محمود محمد حسن"، الذي سلم نفسه وقدم أدلة تثبت أنه لم يغادر منزله في البحر الأحمر؛ لأنه أجرى عملية قلب مفتوح، فاضطرت النيابة للإفراج عنه رغم رصدها 500 ألف جنيه للقبض عليه، ويظل السؤال: لماذا أفرجوا عن المتطرفين بعد الثورة؟!.

الأغرب أن صحيفة (القبس) الكويتية، كشفت عن أن المتهم الرئيسي في تفجير الإسكندرية، أبو إسحاق المصري، دخل الكويت في أكتوبر 2016، بتصريح عمل على إحدى شركات التجارة العامة والمقاولات، وعمل محاسبا فيها، إلى أن استدعاه جهاز أمن الدولة هناك بناء على معلومات وردته من نظيره المصري، وخضع لتحقيقات مكثفة حول علاقته بداعش، وبعد التثبت من تورطه، اتُخذ قرار إبعاده، ليتم تسليمه إلى السلطات المصرية، ولكن أجهزة الأمن في مصر أفرجت عنه، ثم عادت لتتهمه بالقيام بالتفجيرات!.

أكاذيب إفراج مرسي عن الإرهابيين

الأكثر غرابة أن إعلاميي السيسي الذين يستقون أخبارهم من جهاز مخابرات السيسي، ينشرون عن جهل وتضليل متعمد أن من أطلق سراح "الإرهابيين" هو الرئيس محمد مرسي، ليزعموا لاحقا أن هناك علاقة بين الإخوان وداعش، على الرغم من أن بيانات داعش تكفر الإخوان، وكانت تدعو لقتال الرئيس مرسي، ولا تزال تهاجم الإخوان.

ولكن الحقيقة من مراجعة وزارة العدل والنيابة الخاصة بالعفو والإفراج عن أعضاء التنظيمات الإسلامية، تؤكد أن المجلس العسكري في عهد طنطاوي هو الذي أفرج عن 858 جهاديا، وأن هؤلاء غالبيتهم عملوا بحرية في انتقاد الرئيس مرسي والإخوان، وهاجموا قوات الجيش في سيناء، ما دفع الرئيس مرسي إلى عزل طنطاوي وعنان ورئيس المخابرات حينئذ؛ لأنهم فشلوا في منع الهجمات.

وتشير نفس الأوراق الرسمية إلى أن الرئيس مرسي لم يصدر سوى قرار عفو واحد ضم 27 إسلاميا، منهم 9 من قيادات جماعة الإخوان الموجودين خارج مصر كي يعودوا، والبقية كانوا من قيادات التنظيمات الجهادية الذين عارضوا المجلس العسكري، وشاركوا في اعتصام رابعة، وكانوا يحذرون من انقلاب عسكري ضد مرسي.

تفاصيل قرارات الإفراج

لو عدنا قليلا إلى قرارات الإفراج عن "الإرهابيين" أو "المتطرفين" سنجد ما يلي:
• في فبراير 2011 (في ظل المجلس العسكري) تم الإفراج عن 61 قياديا بجماعة الجهاد الإسلامية، بينهم 19 من أبناء سيناء.
• في مارس 2011 (في ظل المجلس العسكري) وبعد شهر واحد من سقوط مبارك، قالت وزارة الداخلية على صفحتها الرسمية، إنه بعد فحص ومراجعة ملفات كافة المعتقلين السياسيين والجنائيين، قام قطاع مصلحة السجون، منذ أول فبراير الماضي، بالإفراج عن 904 معتقلين جنائيين، و755 معتقلا سياسيا.
• سمح المجلس العسكري لقيادات الجهاد الصادر بحقهم أحكام من القضاء العسكري، بتقديم تظلمات وطعون على الأحكام، وتم الإفراج عن عدد منهم، وكان من بينهم محمد سلامة مبروك، الذي أفرج عنه بعد إسقاط الأحكام عنه، وليس بقرار من محمد مرسي في نوفمبر 2012، وهو من يصفه الأمن الوطني بأنه زعيم تنظيم أنصار بيت المقدس، وسافر لسوريا وانضم لبيت المقدس.
• سمح المجلس العسكري لـ3000 ممن يتم وصفهم بالإرهابيين بالعودة إلى مصر من البوسنة والشيشان وأفغانستان، في شهر مارس 2011، (قبل أن يتولى مرسي أو الإخوان أي منصب) طبقا لإبراهيم علي، محامي الجماعات الإسلامية لصحيفة المصري اليوم.

هذه الحقائق تنسف أكاذيب نظام السيسي والادعاءات التي تنشر في الصحف، وتحاول الربط بين الإخوان وتفجير الكنائس بأي وسيلة كذب ممكنة؛ اعتمادا على ذاكرة النسيان لدي المصريين.

سر إطلاق العسكر للإرهابيين

هنا يثار السؤال عن السر وراء إطلاق العسكر للإرهابيين، وغالبيتهم من السلفيين والجهاديين الذين هاجموا الإخوان والرئيس مرسي.

(الهدف الأول) كان السعي لضرب الإخوان الذين أصبحوا القوة الأولى المنظمة بعد الثورة برموز من هذه التيارات السلفية والجهادية، الذين فتح لهم رجال أعمال مبارك فضائياتهم ليهاجموا الإخوان والرئيس مرسي، بينما الهدف الاستراتيجي كان ضرب الثورة المصرية والتمهيد للثورة المضادة التي قامت لاحقا بمطاردة هؤلاء المتطرفين وقمعهم، فانقلبوا على السيسي.

(الهدف الثاني) تمثل في خلق فوضى أمنية وسياسية تسمح لنظام العسكر بالعودة لاحقا بدعاوى أن الرئيس مرسي لم ينجح في حل مشكلات البلاد، وأدى وجوده لخلق حالة انقسام، برغم أنهم السبب فيها، وهم من دعموا بوضوح جبهة الإنقاذ وتمرد والسلفيين وحزب النور الذي شاركهم طقوس الانقلاب.

(الهدف الثالث) هو العودة لنفس نظرية مبارك المتعلقة بصعوبة تحقيق الديمقراطية والحريات دون قمع الإرهاب، ما يسمح لهم بإحكام السيطرة على البلاد مرة أخرى، وإجهاض كل مكاسب ثورة يناير خاصة "الحرية". وهي أهداف تحققت بوضوح الآن، وظهر الهدف منها.

والأمر نفسه فعله باقي الرؤساء العرب الذين سعوا لإفشال الربيع العربي، وهناك أدلة على ذلك:

فقد أطلق بشار الأسد، كبار المتطرفين والإرهابيين والسلفيين من سجونه بدعاوى الإصلاح، وهم من تحولوا لاحقا إلى تنظيم داعش السوري، الذي يحارب قوى المعارضة الوطنية السورية بجانب قوات بشار.

وكمثال، قام الأسد في 31 مايو 2011، بالإفراج عن 4 شخصيات من سجن صيدنايا بموجب عفو عام، وهم: زهران علوش قائد لواء الإسلام سابقًا، وحسّان عبّود «الملقّب بأبي عبد الله الحموي»، قائد حركة أحرار الشام، وعيسى الشيخ، قائد لواء صقور الإسلام، وأبو محمد الفاتح الجولاني، أمير جبهة النصرة.

ومنذ إطلاقهم، كثر الجدال والشقاق في صف ثوار سوريا، وظهر الخطاب الديني المتشدد والكتائب المسلحة مثل جبهة النصرة، والمجموعات الإسلامية التكفيرية التي تحارب الآن قوى الثورة السورية مع بشار الأسد!.

وقد كشفت صحيفة «لونوفيل أوبسيرفاتور» الفرنسية ومجلة «دير شيبجل»، عن أن النظام بداية من عام 2003، قام بالإفراج عن العديد من المتطرفين الإسلاميين مقابل إرسالهم إلى العراق؛ لتنفيذ عمليات ضد الاحتلال الأمريكي، وكذلك للبنان للالتحاق بجماعة «فتح الإسلام»؛ عقابا لها على طرد الجيش السوري من أراضيها.

ومن الواضح أن أحد أهداف هؤلاء الديكتاتوريين العرب كان تشويه صورة الربيع العربي المخملي، الذي جاء هادئا في مصر، وسلميا في سوريا، ثم ما لبث أن انتشر الإرهاب والتطرف الفكري مع ظهور هؤلاء المتطرفين، الذين استعانت بهم الأنظمة السابقة.

ولكن المشكلة الآن أن السحر انقلب على الساحر، وأصبح هؤلاء الإرهابيون وفكرهم المتطرف مشكلة لهذه الانظمة، تحاول حلها بمزيد من العنف الذي يجلب عنفا أكبر، فضلا عن تصديرها للإخوان وادعاء أنهم أصل المشكلة، وكذلك الأزهر بادعاء أن مناهجه التعليمية وكتبه التراثية هي مفرخ للتطرف والإرهاب؛ وذلك بهدف إتمام السيطرة عليه تماما.

Facebook Comments