كتب: يونس حمزاوي
الانحياز التركي للشقيقة قطر، بلا شك أغضب دول الحصار، خصوصا السعودية، التي تربطها علاقات وثيقة مع أنقرة، في ظل تنامي العلاقات بين البلدين بصورة كبيرة، حتى فترة ما قبل الحصار مباشرة.

فهل تملك دول الحصار أوراق ضغط على تركيا، خصوصا في قطاع الاستثمار، تدفع تركيا إلى العودة مجددا إلى مربع الحياد؟ أم أن أنقرة باتت تدرك يقينا أن حصار قطر هو بداية لحصارها بعد ذلك، بتوافق بين الحلف الجديد الذي يتشكل بين بعض الدول العربية، لا سيما السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل برعاية أمريكية؟ وعلى هذا الأساس اتخذت قرارها بالانحياز إلى قطر، وهي تدرك تماما تبعات هذا القرار، بينما تخشى دول الحصار أن تفقد تركيا الدولة السنية الكبيرة في حربها مع إيران الشيعية؟.

تسلسل الموقف التركي

في بداية الأزمة، فإن دوائر صنع القرار التركي اتفقت على ضرورة تجنب أي تصريح أو تصرف يمكن أن يوحي بالاصطفاف مع أحد الأطراف، وتطبيقاً لذلك اقتصرت تصريحات كبار المسئولين في ذلك الوقت على الدعوات إلى التهدئة وعرض التوسط والمساعدة في حل الخلافات «عبر الحوار»، وهو ما استمر 48 ساعة قبل أن يدلي الرئيس أردوغان بتصريحات داعمة لقطر والأمير تميم.

وفي اليوم التالي، صدر تعميم إلى جميع وسائل الإعلام التركية المقربة من الحكومة والرئاسة وحزب العدالة والتنمية الحاكم، بضرورة إظهار التعاطف والدعم لقطر «لكن دون الإساءة إلى السعودية».

لكن هذا الموقف المتردد لم يدم طويلا، وتشير المعطيات إلى أنه كان محاولة من قبل صناع القرار التركي لكسب الوقت ومحاولة فهم أبعاد ما يحدث؛ كون الأزمة كانت غامضة في البداية، ولم يكن من السهل فهم أطرافها وتحالفاتها والأسباب الحقيقية لانطلاقها، والأهم صعوبة وضع تصورات حول مستقبلها.

لعبة غامضة

هذه التصورات بحسب مراقبين، تبلورت على ما يبدو عقب سلسلة اتصالات دبلوماسية واسعة قادها أردوغان، ووزير خارجيته مولود جاويش أوغلو، مع عشرات الرؤساء ورؤساء الوزراء حول العالم، وعلمت أنقرة أن «هناك لعبة غامضة لم تتكشف جميع جوانبها بعد»، بحسب ما صرح به أردوغان، الذي أعطى إشارات بوقوف بلاده إلى جانب قطر ورفضها الإجراءات «الخاطئة» بحقها، وتأكيده عزم أنقرة تطوير علاقاتها بشكل أكبر مع الدوحة خلال الفترة المقبلة.

بالتزامن مع ذلك، رأى مراقبون أن أنقرة تيقنت بعد المهلة التي منحتها لنفسها لفهم ما يحدث، أنها الهدف المقبل بعد قطر، وأن الأمر يتعلق برسم خريطة للشرق الأوسط، ويتعدى فكرة الخلاف الخليجي فقط، وسريعا طلب حزب العدالة والتنمية الحاكم من البرلمان ضرورة تقديم بحث وتصديق الاتفاقيات العسكرية الموقعة مع قطر، وخلال ساعات جرت مناقشتها والتصديق عليها، في خطوة تحمل أبعادا سياسية وعسكرية متقدمة. ثم توالى الدعم التركي لقطر وانتقاد موقف دول الحصار ووصفه باللاإنساني، مطالبا العاهل السعودي بحل الأزمة قبل نهاية شهر رمضان.

علاقات اقتصادية متميزة

هذا الانحياز التركي أثار غضب الرياض، ورغم الصمت الرسمي من جانب الحكومة السعودية، إلا أن وسائل الإعلام السعودية عكست حالة السخط السعودي، وأعطت مؤشرا على مستقبل العلاقات بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.

فمجلس التنسيق السعودي التركي كان يتلقى التوجيهات من أعلى قيادة في البلدين قبل الأزمة مباشرة، بحسب تصريحات للسفير السعودي بأنقرة، ويشمل قطاعات ومجالات تعاون عديدة سياسية واقتصادية وتجارية وعسكرية وأمنية وثقافية وإعلامية.

اقتصاديا، يرى خبراء أن الأمر سيكون مكلفا أكثر لتركيا، وسط الحملات التي بدأت فعليا تنادي بوقف السياحة السعودية وقطع العلاقات الاقتصادية معها، لاسيما أن آخر التقارير الاقتصادية قالت إن السعوديين هم الأكثر إنفاقا بين السياح القادمين إلى تركيا، وأنهم من بين أعلى المشترين للعقارات فيها.

مستقبل العلاقات بين البلدين

ويتوقع خبراء أن انحياز تركيا لقطر ربما ينسحب عليها بعقوبات وسحب اسثمارات، وهو ما تكشف عبر تصريحات في بعض دول الحصار، لا سيما وأن أنقرة كذلك تدعم جماعة الإخوان المسلمين وتشيد بالربيع العربي وحق الشعوب في الثورة على الطغاة والمستبدين، وترفض وبشدة الانقلاب العسكري في مصر، وهي مواقف بلا شك تخالف مواقف دول الحصار الرامية لدعم الثورات المضادة، وتكريس حكم العسكر في بلاد العرب وقمع الشعوب المتطلعة نحو الحرية.

وفي ظل المؤشرات على تمكن قطر من تجاوز الصدمة الأولى واستبعاد الخيارات الأسوأ في الأزمة، تبدو تركيا في وارد تقديم مزيد من الدعم السياسي وغيره للدوحة والاصطفاف الكامل إلى جانبها، بالتعاون مع إيران، وهو ما سيكلفها خسارة علاقاتها التي عملت على مدار سنوات وبجهد كبير من أجل تطويرها مع السعودية بالدرجة الأولى والإمارات والبحرين أيضا، بحسب خبراء.

وكانت التصريحات الأخيرة لوزير خارجية الانقلاب واليونان سامح شكرى ونيكوس كوتزياس، باتت تشير إلى اتجاه اتخاذ إجراءات ضد دول أخرى مماثلة لقرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، حيث قال «شكرى»: إنه يعتقد أن تتكرر أزمة قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر مع دولة أخرى دون تسميتها، مما يشير إلى التصعيد ضد الدول الداعمة لقطر وجماعة الإخوان.

وجاءت تلك التصريحات بعد ما أعلنه وزير خارجية اليونان كوتزياس أيضا أن هناك اتجاها للتصعيد ضد دولة أخرى، دون أن يعلن اسم تلك الدولة.

التوقعات بحسب صحيفة الوطن الموالية للانقلاب، تشير إلى اتخاذ إجراءات ضد تركيا قد لا تصل إلى إجراء قطع العلاقات الدبلوماسية، ولكن قد تكون فى شكل إجراءات أخرى لوقف الدعم المباشر لقطر ومساندة عناصر الإخوان وغيرهم.

ولكن الخبير في الشأن التركي بشير عبدالفتاح يستبعد ذلك؛ لخوف دول الحصار من أن تفقد تركيا الدولة السنية الكبيرة في حربها ضد إيران.

Facebook Comments