كتب- رانيا قناوي:

 

كشف تقرير صحفي، لمجلة "ذي أتلانتيك" الأمريكية، كيف صعد نجم القائد العسكري الليبي المنقلب خليفة حفتر، بعد أن كان منفياً لسنوات طويلة من خلال محاولته لتقليد قائد الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي، عبر الدعم الإماراتي والمصري، وتداعيات سياسات حفتر الخطيرة في بنغازي، وكيف سببت الضغائن والعداوة بين أهل المدينة.

 

وفي التقرير ‏يقول فريدريك ويري الباحث الأول في برنامج الشرق الأوسط بمعهد "كارنيجي للسلام" : "عندما ذهبت إلى ليبيا قبل ثلاث سنوات، قال لي الجنرال حفتر جملةً مُشابهة لتلك المكتوبة على اللوحة الإعلانية: "ستكون ليبيا مقبرة الإرهاب العالمي"، وفقاً لتوقعاته، في حديثه عن التيارات الإسلامية التي كانت متواجدة في بنغازي.

 

ووعد حفتر وقتها أن تنتهي العملية في غضون أسابيع. وفي مايو 2017، تجاوزت الحرب في بنغازي أسبوعها الـ36، وهي فترةٌ أطول من الانتفاضة التي أطاحت بالديكتاتور معمر القذافي. وتسبب في الصراع في مقتل وتشريد الآلاف، بالإضافة إلى دمارٍ على مستوى لم تشهده البلاد منذ أيام الحرب العالمية الثانية، بعد أن نجحت قواته بدعم الإمارات في تدمير المدينة وتشريد أهلها، في تحدٍّ واضحٍ للحكومة المدعومة من قبل الأمم المتحدة في طرابلس.

 

وتعود أسباب انطلاق الحرب التي يشنها حفتر في بنغازي بعد الهجوم الجهادي على القنصلية الأمريكية في بنغازي عام 2012، والذي تسبب في مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة أمريكيين آخرين، وهنا جاء دور حفتر، الذي قضى 20 عاما في ولاية فيرجينا الأمريكية، بعد أن هرب من القذافي لانشقاقه عن الجيش في الحرب مع تشاد، وعاد حفتر إلى ليبيا إبان اندلاع ثورة عام 2011 ضد القذافي، وحاول قيادة الثوار لكنه فشل في ذلك. واختفى عن الأنظار تقريباً بعدها، ليرتحل حول ليبيا وسط حاشيته، متنقلاً في السعي وراء المصير الذي استعصى عليه، وفي فبراير عام 2014، ظهر على شاشات التلفاز، وأعلن حل البرلمان المنتخب، لكن إعلانه قوبل بالسخرية. وأطلق عليه الناس "الانقلاب الذي لم يحدث"، حسب الكاتب فريدريك ويري.

 

وفي أعقاب ذلك، في صيف العام نفسه، ووسط العنف المستعر في بنغازي، وجد حفتر ضالته حين  اعتمد على بعض المئات من أتباعه الذين انضموا له من وحدات الجيش والقبائل الشرقية الساخطة، وبعض الطائرات القديمة، من أجل أن يخوض حربه التي أطلق عليها "الكرامة" للاستيلاء على المدينة وفي غضون عامٍ واحد، سيطرت قواته على معظم الأجزاء الشرقية للمدينة. لكن حملته لم تأت بتفويضٍ من حكومة طرابلس، وهو ما سيُلقي البلاد في غياهب الحرب الأهلية فيما بعد.

 

وربط التقرير بين توجهات حفتر في محاربة التيارات والأحزاب الإسلامية، من خلال شراء ذمم العسكريين، ليتوافق هذا الهدف مع سياسات عبدالفتاح السيسي، الذي ينسخ حفتر خطاباته ويُدرك جيداً أهمية الحصول على دعمه العسكري والسياسي في المعركة، وشاركت الإمارات، بإرسال العربات المدرعة والمستشارين العسكريين والطائرات الحربية، وأغرقت روسيا حفتر بالاهتمام: زيارة متكلفة لحاملة طائرات، ومساعدات طبية، وقوات خاصة، وفقاً للتقارير. كما أرسل الفرنسيون والبريطانيون والأميركيون موظفيهم المميزين لتقديم الدعم على كافة المستويات، بدايةً من الاستخبارات وحتى الدعم المُقدَّم على جبهات القتال.

 

ونوه التقرير إلى أن حفتر وقع في الخطأ. إذ تسبب هجومه على الإسلاميين في توحيد المعتدلين والجهاديين على حد سواء، كما ثبت مع مرور الوقت، وتحوَّلت موازين القوى في صالح الإسلاميين، وفي أواخر عام 2015، وصلت عملية الكرامة إلى طريقٍ مسدود، وشوهد رجال حفتر ممزقين من الألغام ورصاص القناصة. وتحوَّلت مساحاتٌ واسعةٌ من المدينة إلى مناطقٍ محظورة.

 

ويقول كاتب التقرير "ليست حرب بنغازي مجرد عمليةٍ عسكريةٍ ضد الإرهابيين، بل هي صراعٌ اجتماعيٌّ حميميٌ عميق بين الجيران وأبناء العمومة، بالإضافة إلى التوترات القبلية والطبقية بين القبائل الشرقية والعائلات الغربية، وبين القبائل الشرقية وبعضها، وبين النخب الحضرية والفقراء الريفيين. وتتزايد التقارير عن حالات التعذيب والإخفاء وتدمير الممتلكات بأعدادٍ كبيرة. كما توجد أدلةٌ على تنفيذ عمليات إعدامٍ بإجراءاتٍ موجزةٍ من الطرفين".

 

وتتحمل الميلشيات القبلية والحضرية، التي سلَّحها حفتر في بداية حملته، المسؤولية عن العديد من الانتهاكات. وشكَّلت تلك الميليشيات، المعروفة باسم "قوات الدعم"، نسبة 60 إلى 80% من رجال حفتر في وقتٍ من الأوقات، ولا تزال تحتفظ بسلطاتها حتى يومنا هذا رغم الجهود المبذولة لتفكيكها. وقامت العديد من تلك الميليشيات بمهاجمة عائلات المسلحين المشتبه بهم، ودمروا منازلهم وتجارتهم. وبرر أحد قادة عملية الكرامة هذا الدمار بأنه يصب في مصلحة إنقاذ "النسيج الاجتماعي" لبنغازي. لكن ما حدث على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً.

 

وكشف التقرير أن حفتر استعان بسلفية السعودية على غرار ما فعله السيسي في مصر عندما استعان بـ"سلفية برهامي" التي تنتمي للمدارس الفكرية السعودية. وفي الأشهر الأخيرة، حاول السلفيون المؤيدون لحفتر إحكام سيطرتهم على الشؤون الأمنية والحياة الاجتماعية في بنغازي والشرق، إذ حشدوا ميليشياتهم الخاصة ونشروها على الخطوط الأمامية للمدينة. وهم ينشطون في مجال السجون، والتقيت واحداً منهم يعمل في مجال "المراجعات الفكرية" للجهاديين المعتقلين.

 

ويعمل السلفيون أيضاً كشرطةٍ أخلاقية، إذ قاموا بمصادرة وإحراق الكتب التي يرون أنها تحتوي على بِدَعٍ، ومنعوا الاحتفال بـ"يوم الأرض" ووصفوه بأنه غير إسلامي. ويُثير نفوذهم حفيظة العديد من مؤيدي حفتر الليبراليين، إذ ظنوا أنه سيستعيد الأمن ويقضي على الإسلاميين، وليس أن يطلق العنان لنوعية خاصة من الإسلاميين.

Facebook Comments