كشفت تصريحات طارق عامر، محافظ البنك المركزي، التى قال فيها إن إجمالي التدفقات الدولارية على مصر بلغ 200 مليار دولار خلال الأربع سنوات الماضية، عن فساد عصابة العسكر؛ لأنه فى الوقت الذى زادت فيه ديون مصر الخارجية والداخلية، يزعم محافظ البنك المركزي أنَّ هذه المبالغ الكبيرة دخلت إلى البلاد، وهو ما يؤكد أن هناك عصابة تحكم مصر وتنهب أموال المصريين.

خبراء الاقتصاد أكدوا أنَّ تصريحات عامر تكشف عن تحالف فساد بين قائد الانقلاب الدموي عبد الفتاح السيسي والبنك المركزى؛ لتهريب أموال المصريين وثروات البلاد إلى الخارج .

وتساءلوا: إذا لم تكن هذه الأموال تم نهبها من بلطجية عصابة العسكر فأين ذهبت؟ ولماذا وصلت معدلات الفقر إلى 60% بين المصريين بحسب تقارير دولية؟

يُشار إلى أنَّ إجمالي الدين العام المحلي وصل إلى نحو 4.204 تريليون جنيه في مارس الماضي، مقابل 3.538 تريليون جنيه في نفس الشهر من 2018.

وقفز الدين المحلي منذ انقلاب السيسي بنسبة 147 في المائة، حيث استدان من البنوك المحلية أكثر من ضعف ما استدانه خمسة رؤساء تعاقبوا على حكم مصر منذ أكثر من 60 عاما. وكان الدين المحلي 1.7 تريليون جنيه منتصف 2014، بينما بلغ في يونيو 2011 نحو تريليون جنيه.

كما قفز الدين الخارجي إلى 106.2 مليار دولار في نهاية مارس 2019، مقابل 88.16 مليار دولار في نفس الفترة من 2018، ما يجعل إجمالي الدين العام الداخلي والخارجي يقترب من 6 تريليونات جنيه.

ولم يكتفِ السيسي بالقروض والديون، بل لجأ إلى طباعة النقود بشكل غير مسبوق خلال السنوات الست الأخيرة. فقد بلغت قيمة النقد المصدَّر في يونيو من العام الجاري، وفق نشرة البنك المركزي الصادرة في أغسطس الماضي، نحو 539.2 مليار جنيه، بينما كانت قيمة النقد المصدر في نفس الشهر من عام 2014 نحو 289.8 مليار جنيه، ما يشير إلى أن هذه الفترة شهدت طباعة حوالي 249.4 مليار جنيه، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ البنك المركزي.

كان طارق عامر، محافظ البنك المركزى، قد زعم أن إجمالى التدفقات الدولارية على مصر بلغ 200 مليار دولار خلال الأربع سنوات الماضية، بفضل نجاح برنامج السياسات المالية والنقدية الذى تنفذه مصر.

كما زعم محافظ المركزي، خلال كلمته أمام المؤتمر المصرفي العربي، الذى نظمه اتحاد المصارف العربية، خلال اليومين الماضيين، أنَّ التوافق والالتفاف حول القيادة السياسية ساعد على تجاوز الأزمة المالية التى عانت منها مصر قبل سنوات.

وادَّعى عامر أنَّ برنامج السياسات المالية حقق نتائج إيجابية كبيرة، تبلورت فى استقرار سوق النقد وتراجع التضخم، كما أصدرت مصر سندات لمدد تصل إلى 40 عامًا.

دولة الفساد

وتعليقًا على أرقام محافظ البنك المركزي، أكد أشرف دوابة، رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي، أن مصر تعيش في أسوأ مراحل دولة الفساد، موضحًا أنَّ هذا الرقم يحمل دليل إدانة للنظام العسكري، الذي رسخ باستبداده وأسلوب إدارته للدولة منظومة الفساد وغياب النزاهة والشفافية.

واعتبر دوابة، فى تصريحات صحفية، أنَّ الرقم مبالغ فيه جدًّا، خاصة وأنه يتحدث عن الفترة من 2015 وحتى 2019، كما أن طرح المبلغ بهذا الشكل الغامض ودون توضيح يطرح العديد من التساؤلات التي تمثل إدانة لنظام العسكر.

وتساءل: هل يشمل هذا المبلغ مثلا الأموال النقدية فقط؟ وهل يدخل فيه عوائد السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وقناة السويس وأموال الخليج التي حصل عليها السيسي بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013، ووصلت قيمتها وفقا للأرقام الرسمية المعلنة إلى نحو 30 مليار دولار حتى يونيو 2016؟ وهل من ضمنها مبلغ الـ8 مليارات التي أدخلها السيسي في موازنة الدولة من أموال الخليج؟.

وكشف “دوابة” عن أن الاحتياطي النقدي- وفقا لآخر بيان للبنك المركزي- وصل إلى 45 مليار دولار، والتكلفة النهائية للمرحلة الأولى من إنشاء العاصمة الإدارية تصل إلى 45 مليار دولار، ما يعني أن باقي مكونات مبلغ 200 مليار دولار، دخلت في حسابات سرية خاصة برموز نظام الانقلاب العسكري، إما للإنفاق على مشروعات مثل العاصمة الإدارية بعيدا عن موازنة الدولة وحتى لا تخضع لأي رقابة، أو للاستفادة الشخصية .

ويشير إلى أنه بعيدا عن غموض تصريحات محافظ البنك المركزي، فإن المسئولين اعتمدوا سياسة اقتصادية قائمة على سياسة التداين وترقيع القروض، ولذلك فإن السؤال الذي يحتاج لإجابة وتوضيح هو: أين أنفق النظام مبلغ 200 مليار دولار في ظل أن الاحتياطي النقدي الذي لا يتجاوز 45 مليار دولار معظمه ودائع خليجية؟.

إمبراطور التهريب

وأكد الدكتور أحمد ذكر الله، أستاذ الاقتصاد السابق بجامعة الأزهر، أن الاحتياطي الأجنبي وصل في نهاية حكم حسني مبارك إلى 36 مليار دولار، وخلال عام ونصف تولى فيها المجلس العسكري الحكم انخفض إلى 15.5 مليار دولار، ما يعني أنه تم تهريب ما يقرب من 20 مليار دولار للخارج خلال تلك الفترة، على يد فاروق العقدة محافظ البنك وقتها.

وقال ذكر الله، فى تصريحات صحفية: إن طارق عامر يقوم الآن بنفس الدور الذي كان يقوم به فاروق العقدة مع رجال مبارك، حيث يقوم عامر بتسهيل خروج أموال المتربحين الجدد، والمتورطين في قضايا فساد؛ نتيجة الاحتكار الذي تقوم به المؤسسة العسكرية لكل الشأن الاقتصادي حاليًا.

وأوضح أنَّ إدارة المصروفات في المشروعات التي كان يقوم بها الجيش لم تكن معروفة، حتى ظهرت فيديوهات المقاول محمد علي، الذي كشف ما يجري داخل هذا المطبخ، وأن 60% من تكلفة أي مشروع تذهب مباشرة لكبار القيادات، الذين يديرون مع السيسي المنظومة الاقتصادية والسياسية، بمعنى أن المشروع الذي يتكلف مليون دولار يذهب 600 ألف منه مباشرة عمولات وسمسرة للقيادات والمقربين، ولأنهم لن يستطيعوا الاحتفاظ بعمولاتهم المليارية داخل مصر، فإن دور طارق عامر هو تسهيل خروج هذه الأموال للخارج عن طريق البنك المركزي.

ويضيف ذكر الله: “معروف عن عامر ولاؤه المطلق للنظام منذ أن كان رئيسًا للبنك الأهلي، فهو لا يعرف كلمة لا، ويعتبر توجهات النظام أوامر يجب تنفيذها، ولذلك تم التغاضي عن فضائح الفساد التي تم كشفها عن المجموعة الاقتصادية التي تديرها زوجته، وزيرة الاستثمار السابقة.

ولفت إلى الدور الذي لعبه عامر في تحرير سعر الصرف، والتسهيلات والضمانات التي قدمها للبنوك الأجنبية لحصول النظام على القروض بشكل مخيف، وهو ما ساعد النظام في الحصول على قروض من جميع الاتجاهات، ما قفز بديون مصر من 40 مليار دولار في 2011، إلى 110 مليارات دولار في آخر تقرير للبنك المركزي، وهو الرقم المرشح ليكون 120 مليار دولار، نتيجة القروض الأخيرة التي حصل عليها السيسي .

كارثة حقيقية

ويرى عزب مصطفى، العضو السابق باللجنة الاقتصادية بالبرلمان، أن أرقام محافظ البنك المركزي، والأخرى التي يتغنى بها قائد الانقلاب وأعضاء حكومته، لا يشعر بها المواطن الذي يعاني من الفقر والجهل والمرض، متسائلًا عن مصير كل هذه الأموال، وهل كانت جزءا من عملية التنمية المستدامة في مصر أم لا.

وقال مصطفى، فى تصريحات صحفية: إن محافظ البنك المركزي كشف عن كارثة حقيقية سوف تعيشها الأجيال القادمة، وهي بيع سندات مصرية لمدة 40 عامًا قادمة، وهو ما يعني أن الأجيال الحالية والقادمة والتي بعدها، هم الذين سوف يسددون قيمة هذه القروض التي توسع فيها النظام العسكري.

وأوضح أن معظم هذه الأموال لم تدخل خزانة الدولة، ولم يستفد منها المواطن، وإنما ذهبت للحسابات السرية والخاصة بقيادات النظام العسكري، وما يؤكد ذلك فشل الجنيه في المحافظة على قيمته مقابل الدولار، وإلا كان أولى بهذا المبلغ أن يحافظ على سعر الصرف الحقيقي للجنيه المصري.

وتساءل مصطفى: إذا كان محافظ البنك تحدث عن الفترة من 2015 وحتى 2019، فما هو مصير الأموال التي حصلت عليها مصر خلال الفترة من 2013 وحتى 2015، والتي قدرتها الدراسات الاقتصادية التابعة للنظام نفسه بأنها تجاوزت 50 مليار دولار، حصيلة 35 قرضا حصل عليها السيسي لدعم انقلابه العسكري، منها 31 مليار دولار خلال عام 2014 فقط؟.

Facebook Comments