يبدو أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منتصف شهر ديسمبر 2018م بالانسحاب فجأة من سوريا في غضون شهر ثم تراجعه بد ذلك بترتيب عملية الانسحاب في غضون “4” شهور فخ تم إعداده بإحكام من أجل توريط العرب وعلى رأسهم جنرال العسكر عبدالفتاح السيسي في حرب إقليمية تستنزف العرب والأتراك وإيران من جهة وبما يحقق في النهاية تفوقا إسرائيليا على جميع بلاد الإقليم من جهة ثانية.
قرار ترامب المفاجئ أصاب جميع الأطراف بالدهشة؛ بل إن جيمس ماتيس وزير الدفاع تقدم باستقالته احتجاجا على القرار.
كذلك مورست على ترامب ضغوط من أركان إدارته وكذلك من الإعلام الأمريكي باعتبار الانسحاب فرصة لتعزيز النفوذ الروسي والإيراني من جهة، وتخليا عن وحدات الشعب التركية حليف واشنطن من جهة ثانية بما يبعث برسالة مفادها أن واشنطن تتخلى عن حلفائها في أقرب فرصة بناء على مصالحها لكن هذه الوحدات تصنفها تركيا تنظيما إرهابيا ما جعل المصالح الأمريكان أمام اختبار قاس بين الاختيار بين مصالحها مع أنقرة أو مصالحها مع تنظيم بي كاكا الإرهابي الكردي.
في 30 ديسمبر الماضي، نشرت وكالة أنباء رويترز تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، قال فيها، إن ترامب ملتزم بانسحاب ذكي من سوريا، وإنه (ترامب) طمأنه شأن خطته لسحب القوات الأمريكية من سوريا والتزامه بهزيمة تنظيم داعش خلال اجتماع في البيت الأبيض، وقال إنه لا تزال لدينا بعض الخلافات، لكني سأخبركم بأن الرئيس يفكر مليًا وبجدية بشأن سوريا في كيفية سحب قواتنا، بحيث في نفس الوقت نحقق مصالح أمننا القومي، أعتقد أنَّنا نبطئ وتيرة إتمام الأمور بطريقة ذكية.

فخ التورط العربي
بحسب مراقبين فإن الخروج الأمريكي “الذكي” من سوريا ربما يتبعه “تورط غير ذكي” من العرب وعلى رأسهم جنرال العسكر عبدالفتاح السيسي؛ فاستبدال القوات الأمريكية بأخرى عربية، بات وشيكًا لا ينقصه إلا بعض الوقت، بناء على عدة مؤشرات:
أولا: في أبريل 2018 رفضت وزارة الخارجية الأمريكية تأكيد ما إذا ما كانت واشنطن طالبت مصر بإرسال قوات إلى سوريا، لتحل محل القوات الأمريكية، كما أن المملكة العربية السعودية أكدت أن النقاشات جارية مع واشنطن حول إرسال قوة عربية، وأكد وزير الخارجية السعودي السابق، عادل الجبير وقتها أن “الفكرة ليست جديدة، وأن بلاده أجرت نقاشات مع الولايات المتحدة حول ذلك وإدارة أوباما في النهاية لم تتخذ إجراء بخصوص هذا المقترح”، كما أعلن الرئيس الأمريكي مؤخرا عبر تويتر أن السعودية وافقت على إنفاق الأموال اللازمة للمساعدة في إعادة إعمار سوريا بدلاً من الولايات المتحدة. هذا بعدما كانت تدعم مسلحين ضد نظام بشار الأسد!
ثانيا: ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في وقت سابق أن إدارة ترامب تسعى إلى تشكيل قوة عربية لتحل محل القوة العسكرية الأمريكية في سوريا، وأن واشنطن طلبت من دول الخليج تقديم مليارات الدولارات وإرسال قوات، وأن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون اتصل بالقائم بأعمال مدير المخابرات المصرية عباس كامل، لمعرفة موقف مصر من المشاركة.
سفارة الإمارات
ثالثا: في 27 ديسمبر 2018، أعادت دولة الإمارات العربية فتح سفارتها في دمشق بعد سبع سنوات من قطع علاقاتها مع سوريا على خلفية الثورة التي اندلعت ضد النظام السوري في عام 2011، وتم قمعها بالقوة قبل اندلاع نزاع دام في البلاد.
رابعا: يأتي ذلك بعد أن كشفت صحيفة “يني شفق” التركية أواخر عام 2018، عن إرسال السعودية والإمارات وفدا مؤلفا من عسكريين واستخباراتيين إلى مناطق سيطرة التنظيمات الكردية الانفصالية في شمالي سوريا، بهدف تمويل 12 نقطة مراقبة ستقيمها أمريكا في المنطقة بالتعاون مع الأكراد.
وبحسب الصحيفة المقربة من الحكومة، في تقريرها المعنون بـ”السعودية والإمارات تقدمان على خطوات بمثابة إعلان حرب ضد تركيا”، فإن الوفد أرسله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بالتعاون مع نظيره الإماراتي محمد بن زايد، إلى شمالي سوريا.
وقد شملت زيارة الوفد السعودي-الإماراتي للمنطقة جولات بمدن الحسكة وعين العرب ومنبج وتل أبيض ورسولين، حيث حصل على معلومات من العناصر الكردية الانفصالية حول نقاط المراقبة التي ستقام على الحدود التركية، لدعم تمويل 30 ألف مقاتل انفصالي.
مخابرات السيسي
كان موقع ديبكا الإسرئيلي المقرب من المخابرات الإسرائيلية، قد أفاد في ديسمبر 2018م، أن ضباطًا من مصر والإمارات قاموا بعدة جولات في مدينة مبنج شمالي سوريا، وتفقدوا مواقع القوات الأمريكية ووحدات حماية الشعب الكردية في المنطقة، ودونوا ملاحظات بشأن نشر قوات من بلديهما في المنطقة مستقبلًا، ووصف الموقع الزيارة بأنها “تمهيد لنشر قوات للدولتين هناك محل الجنود الأمريكيين الذين ينسحبون من المنطقة”.
بحسب الموقع ذاته: “طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المبادرة، مع ضمان الولايات المتحدة غطاءً جويًا لها ضد أي عمل عسكري من قبل تركيا وسوريا وروسيا. وأشارت مصادر للموقع بأن هذه الزيارات تتزامن مع المشاورات التي يجريها البيت الأبيض مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد ورئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وأن السيسي هو الوحيد الذي وقف دائمًا إلى جانب بشار الأسد في النزاع، ولذلك قد تكون فكرة نشر القوات المصرية في المنطقة مقبولة بالنسبة لدمشق في حال إلحاق ضباط سوريين إليها”.
حدود المخطط الأمريكي لتوريط العرب تمتد لتشمل نشر قوات عربية أخرى في الأراضي السورية بخلاف التواجد العسكري المصري الإماراتي في منبج، على أن تشمل المناطق الحدودية مع العراق، وأنه إذا نجحت هذه الخطط فمن المرجح أن ترسل دول مثل السعودية والمغرب والجزائر قواتها إلى سوريا للتصدي للتواجد الإيراني هناك».
وبذلك فإن الفخ الأمريكي يستهدف توريط العرب في حرب إقليمية في منبج أولا والتي تستهدف تركيا شن عملية عسكرية بهدف إنهاء التنظيمات الإرهابية الكردية بها، وهو ما يمكن أن يفضي إلى مواجهات عربية تركية بدعوى دفاع العرب عن الأراضي السورية رغم أن التنظيمات الكردية في منبج والمستهدفة من جانب أنقرة هي تنظيمات انفصالية تدعو إلى تقسيم سورية لإقامة دويلة كردية مدعومة من واشنطن وتل أبيب.
قوات عربية
ثم تمتد الورطة إلى نشر قوات عربية في المناطق الحدودية مع العراق من أجل توريط هذه القوات في مزيد من الحرب الإقليمية مع إيران. بدعوى إنهاء النفوذ الإيراني في سورية والعراق، وبذلك تضرب الولايات المتحدة الأمريكية عدة عصافير بحجر العربي المغفل ما يؤدي إلى استنزاف العرب والأتراك وإيران وتبقى إسرائيل صاحبة التفوق على الجميع.
الخلاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على آلتين لنصب فخاخها للعرب والأتراك والإيرانيين الأولى تقوم على سياسة خلق الفراغ، وذلك عبر قرار الانسحاب المفاجئ ما يجعل جميع القوى حريصة على ملء هذا الفراغ وبذلك يمكن أن تحدث صدامات إقليمية بين القوى المتواجدة في سورية، والآلية الثانية تقوم على ملء الفرغ وذلك بالسعي نحو توطين قوات عربية “مصرية إماراتية سعودية” في أماكن انسحابها وبذلك يمكن أن يفضي ذلك إلى ضغوط ربما تمتد إلى مستوى مواجهات تستنزف الجميع لتبقى واشنطن وإسرائيل وروسيا الأحصنة الرابحة.