بقلم: ياسر الزعاترة

 

مثير للعجب أن يتحدث الرئيس المصري في قضية بالغة الحساسية تتعلق بتسوية أهم صراع في الشرق الأوسط، بل الصراع التاريخي الأهم على مستوى العالم أجمع.. أن يتحدث بكلام ارتجالي، لكن العجب يزول حين نرى تلك اللهفة التي تتبدى عند بعض العرب لفتح قلب تل أبيب، على أمل أن يؤدي ذلك إلى فتح قلب واشنطن التي لم تعد ترى في المنطقة شيئاً مهماً باستثناء الكيان الصهيوني وأمنه ومصالحه، وبالطبع بعد أن فقد النفط أهميته.

 

لم أجد في التعليق على خطاب السيسي المشار إليه (كان مخصصًا لمحطة كهرباء، وإذ بثلثيه يتحول إلى التسوية).. لم أجد أفضل من كلام المعلق الإسرائيلي المعروف آفي سخاروف، معلق الشؤون العربية في موقع «واللا» الإخباري، والذي قال بوضوح «لم يكن لشخص أن يعبر عن مواقف نتنياهو بشكل أفضل من الطريقة التي عبر عنها السيسي»، بخاصة أن تمسك نتنياهو بـ»الضمانات الأمنية في أي تسوية يعد أكبر عائق أمام تحقيق تسوية سياسية حقيقية».

 

وأضاف سخاروف «يتوجب قراءة ما ورد في خطاب السيسي ضمن ظاهرة تعاظم عُرى التحالف بين إسرائيل ومصر التي يدفعها السيسي قدماً». أما الأهم فهو قوله «يُستشف من خطاب السيسي أنه مثل نتنياهو وقادة اليمين الإسرائيلي، يتحدث عن التسوية كعملية (process) وليس كمسار يفضي إلى حل حقيقي».

 

في الخطاب ساوى السيسي بين الضحية والجلاد (قال: قبل أيام ناس بتحتفل بالاستقلال، وناس بالانكسار والانهزام)، وذهب يسترجع واقع الحال قبل كامب ديفيد، وتحدث عن الاتفاقية بكلام غاية في الرومانسية كأنها حررت البلاد والعباد.

 

والمشكلة التي يطرحها الآخرون حسب السيسي، هي أن السلام «ليس دافئاً»، والحل لإشاعة الدفء هو حل النزاع الفلسطيني، بإقامة دولة فلسطينية، وبضمانات أمنية للكيان الصهيوني. ولديهم المبادرة العربية، ولديهم المبادرة الفرنسية، ومساعٍ أميركية كما قال، المهم أن يتم ذلك.

 

القصة إذن هي بالضبط ما ذهب إليه سخاروف، وهي أن ما يريده السيسي هو فتح عملية سياسة لا تفضي في النهاية إلى شيء، لكنها عملية (تشبه لعبة مدريد وأوسلو) تبدأ بمؤتمر، وتنفتح على تطبيع مجاني مع العدو، وقد تفتح للسيسي قلب واشنطن أيضًا، أما على أرض الواقع فهي لا تضيف جديدًا سوى دفع البرنامج الوحيد المتاح، والمُجمع عليه من قبل قوى الاحتلال، ممثلا في الحل الانتقالي بعيد المدى، والذي يعني دولة فلسطينية في حدود الجدار خاضعة بالكامل لشروط الاحتلال.

 

يدرك السيسي، وأبسط سياسي أنه لو وافق نتنياهو على المبادرة العربية، فلن تكون هناك مشكلة، وأن عباس عرض عليه أفضل منها، وهو (أي عباس) يوافق على دولة منزوعة السلاح، وتضمن أمن الاحتلال.

 

في خطابه، لم يأتِ السيسي على ذكر كلمة الاحتلال، ولا الانتهاكات، ولا الاستيطان، ولا اللاجئين، ولم يذكر كلمة القدس ولا المقدسات، بل عالج الأمر كأنما هو نزاع بين جارين على شارع أو عقار.

 

حين يرحب نتنياهو بخطاب السيسي بعد ساعة من إذاعته، بينما يرفض المبادرة الفرنسية، فاعلم أن الوضع العربي في بؤس مقيم بقيادة الشقيقة الكبرى، ولن يكون بوسع عباس سوى الترحيب بالخطاب «التاريخي» لأنه يبدو معنياً بإبعاد السيسي عن دحلان (سارع هذا للترحيب أيضًا)، أكثر من عنايته بمصير القضية التي يعلم هو أكثر من غيره مصيرها.. وبين هذا وذاك تضيع القضية، لكن شعبها لن يضيّعها وسيعرف كيف يفرضها على جدول أعمال الجميع؛ ولو بعد حين، كما أن الأمة لن تعترف بهذا العبث كله، وستبقى فلسطين في وعيها هي ذاتها من البحر إلى النهر.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments