بقلم: وائل قنديل

 

"ندرك أنه نظام قمعي فاشل، لكننا ندعمه".

 

تلك هي الخلاصة من التصريحات الصادرة عن ليندسي غراهام، رئيس وفد الكونغرس الأمريكي، وعضو لجنة القوات المسلحة فيه، عقب لقائه عبدالفتاح السيسي في القاهرة، أول من أمس.

 

المفاجأة الوحيدة في هذه التصريحات أن هناك من يعتبرها غريبة أو مفاجئة، أو كان يتوقع غيرها من نائب جمهوري في ذروة اشتعال سباق انتخابات الرئاسة الأمريكية، والتنافس المحموم على إرضاء اللوبي الصهيوني، من أجل الوصول إلى البيت الأبيض.

 

نعم، وصل الحال بمصر أن أصبح نظام الحكم فيها جسرًا أو قنطرة للعبور إلى كسب ود إسرائيل، ومن ثم الحصول على تأييد اليمين واللوبي الصهيوني، المؤثر للغاية في حسم نتيجة انتخابات الرئاسة.

 

نعم، بات الطريق إلى إرضاء اليمين داعم إسرائيل يمر عبر عبدالفتاح السيسي، نور عين إسرائيل، وطفل الحاخامات والجنرالات المدلل، والأولى بالرعاية والعناية المركزة، في هذا الظرف الدقيق الذي يبدو فيه في مهب ريح الرأي العام الأوروبي.

 

زيارتان يمينيتان في توقيت واحد، لانتشال طفل الاستبداد من ورطته، يأتي وفد الكونغرس، أولاً، ثم يتبعه العاهل السعودي، بوفدٍ موسع، الأمر الذي جعل قرود الانقلاب ترقص فرحًا فوق أشجار الفاشية، فيطلب مصطفى بكري تخصيص جلسةٍ برلمانيةٍ لتكريم ملك السعودية، على خدماته الجليلة لنظام عبد الفتاح السيسي.

 

مرة أخرى، مصدر الدهشة الأكبر، هنا، أن يبدو بعضهم مندهشًا من هذا السخاء اليميني، المنهمر من واشنطن، على الرغم من أن "غراهام 2016" هو ذاته "غراهام 2013" الذي جاء إلى القاهرة، صحبة زميله جون ماكين في بواكير انقلاب السيسي، وبعد أن غادرا بقليل، كان الجنرال أكثر إحساسًا بالدفء الدولي والإقليمي، ما جعله يقدم على ارتكاب "جريمة القرن" في ميداني رابعة العدوية والنهضة، ولديه يقين بأنه آمن من العقوبة.

 

جاء الثنائي، غراهام وماكين، إلى مصر قبل أيام من مذبحة فض الاعتصامات. وحسب وكالة الأنباء الرسمية المصرية (أ ش أ) في ذلك الوقت، فقد "طلب الرئيس الأمريكى باراك أوباما من عضوين جمهوريين بارزين في مجلس الشيوخ السفر إلى مصر، للاجتماع مع قادتها العسكريين والمعارضة، بينما يعكف حلفاء القاهرة على دراسة كيفية الرد على الاضطرابات التى تعصف بالبلاد".

 

وقال غراهام للصحافيين خارج مجلس الشيوخ، إن "الرئيس اتصل بنا، وأنا قلت بوضوح إنني يسعدني أن أذهب، نريد أن ننقل رسالة موحدة، مفادها بأن قتل المعارضة يصبح أكثر فأكثر مثل انقلاب، وتشجيع العسكريين للتحرك قدما نحو إجراء انتخابات".

 

ماذا فعل ماكين وغراهام، بعد مباحثات ماراثونية في القاهرة؟ لا شيء، أو كما علّقت في تلك الأثناء "أنهما عرفا الماء بعد الجهد بالماء، وعرفا البطة بالبطة"، في إشارة إلى التشبيه البلاغي اللطيف الذي استخدمه النائب جون ماكين، لتعريف ما وقع في مصر بأنه انقلاب، فقال "ما يصدر صوت بطة ويمشي مشية بطة فهو بطة، وكذلك الانقلاب هو انقلاب".

 

أقر النائبان الجمهوريان بوقوع انقلاب في مصر، يتنافى مع القيم والمبادئ الديمقراطية المحترمة، لكنهما يقبلان نتائجه، كونها تحقق مصلحة أمريكية "برغماتية". وفي المحصلة، دانا الانقلاب علميًّا واصطلاحيًّا، لكنهما أيداه تجاريًّا واستثماريًّا، وهما بذلك لم يبتعدا عن موقف إدارة باراك أوباما "الديمقراطية" التى تصنعت الجهل أو "اللا أدرية" أمام انقلاب يوافق هواها، وينزل بردًا وسلامًا على حليفتها إسرائيل.

 

لا ينبغي أن نندهش من موقف غراهام أو غيره، ممن يقدم البط محشوًّا بالأرز، ومتبلاً، إلى نظام هم يقرون بأنه استبدادي دموي فاشل، لكنهم لا يزالون مستفيدين من وجوده، وطالما تريده "إسرائيل" فليستمر، رغم أنف المبادئ والقيم، تمامًا كما كانوا مع حسني مبارك حتى الرمق الأخير، لكنهم اضطروا صاغرين إلى تركه يسقط، عندما وجدوا شعباً قام من تحت الردم وعاد للحياة.

 

كيف نلوم غراهام، وبيننا من يدعم النظام أكثر منه؟

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments