بقلم: سليم عزوز

 

قالوا في الأمثال: "مصارين البطن تتعارك"، وهو مثل شعبي يتردد لإثبات أنه مهما كانت قوة العلاقة، فإن هذا لا يمنع من وجود ما يعكر الصفو، وهو مثل ينسحب على العلاقة بين الكنيسة الأرثوذكسية في مصر، وسلطة الانقلاب العسكري!

فليس خافياً على أحد أن الكنيسة وقد تحولت إلى دولة يرأسها البابا، أو على أقل تقدير إلى حزب مسيحي ينخرط فيه كل أبناء الكنيسة الأرثوذكسية، فقد دفع بها هذا لتكون جزءاً من "الدولة العميقة"، وإحدى مكونات الثورة المضادة، وقد تحدث أزمات بين الكنيسة والسلطة القائمة، لكن هذا لا يؤثر على تحالفهما الإستراتيجي!

مات البابا شنودة وبداخله يقين أن أجهزة الأمن هي التي وقفت وراء تفجير كنيسة القديسين، فقد كانت تريد أن تبعث برسالة للداخل والخارج، أنها هي الحامي لوجود المسيحيين في مصر، وغضب البابا، ومن عادته عندما يغضب فإنه يذهب للدير للاعتكاف، ولم يعجب هذا التصرف مبارك، وقد سعت الأجهزة الأمنية لتعليق الاتهام في رقبة فصيل من السلفيين، ألا وأن البابا قد غضب، فالمعنى أنه لا ينطلي عليه هذا، ولن يطربه ولو كان الثمن هو التشهير بالتيار الإسلامي وتقديمه على أنه معادٍ للمسيحيين، ربما لأن تفجير كنيسة بهذا الحجم، أمر يتضاءل بجانبه أي ثمن. ورداً على غضب شنودة، فقد عين مبارك في البرلمان، خصم البابا اللدود، جمال أسعد عبد الملاك، صاحب كتاب "من يمثل الأقباط: الدولة أم البابا"!

"عبد الملاك" كان عضواً في حركة "كفاية" التي تقود النضال ضد التمديد لمبارك وتوريث الحكم لابنه، لكن كانت رغبة مبارك في ممارسة سياسة "المكايدة" هي ما تحركه، وترسم طريقه في التعامل مع الموقف، حتى يمنع البابا من أن يستمر في خصومته. ومع كل هذا فعندما قامت الثورة، قال البابا شنودة إنه أمر أتباعه بألا يشاركوا فيها، وكان من الشخصيات القليلة التي زارته في محبسه لأكثر من مرة!

وقد جاء خليفته البابا تواضروس ليواصل مسيرته في الانحياز للاستبداد، وكانت الكنيسة برهبانها وقسسها حاضرة في كل الفعاليات التي استهدفت إسقاط الرئيس محمد مرسي، واللافت أنه رغم الحضور الكنسي في حصار الاتحادية الأول، فإن الرئيس محمد مرسي، لم يستدعِ البابا ويحذره من مغبة هذا الدور الذي يقوم به، بل إنه اتبع ذات السياسة الخاطئة في التعامل مع الكنيسة، من حيث كونها تمثل المسيحيين وتعبر عنهم، وهذا هو سبب الأزمة التي تعيشها مصر الآن، والتي بلغت ذروته عند الحديث عن قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس، وهو مشروع القانون الذي شهد شداً وجذباً، إلى أن قدمته الحكومة للبرلمان مضطرة، وأعلن المجمع المقدس أن المشروع استجاب لكل مطالب الكنيسة، لكن عند مناقشته فقد حدث أخذ ورد داخل البرلمان، على نحو قال معه "عماد جاد" أنه لا توجد لدى النظام رغبة في إقراره في هذه الدورة، وسبق له القول إن السيسي ليست لديه إرادة سياسية لترميم الكنائس!

دعك مما تقوله النخبة القبطية في مثل هذه المعارك، فهي أحياناً تذهب بعيداً من باب الابتزاز، كما قالوا من قبل إن مشروع القانون قبل تعديله كان يحظر رفع الصلبان على الكنائس ولم يكن هذا صحيحاً، فالمستهدف من ابتزاز "عماد جاد"، وهو باحث، ونائب في البرلمان، كما أنه مسيحي أيضاً، هو التحريض على إقرار القانون. والشاهد هنا أن هناك أزمة سببها عدم حماس السلطة لإقرار قانون تنظيم وترميم الكنائس، فكان الدفع ببعض النواب لإحداث لغط حول بعض مواده!

ويصبح من المدهش، لمن يتعامل مع ظاهر الأمور، عدم توافر الرغبة لإقرار القانون الذي لن يوافق عليه البرلمان إلا بضغط وعلى قاعدة "تؤخذ الدنيا غلابا"، فلماذا لا يكون عبد الفتاح السيسي هو الذي يبادر بالدفع في اتجاه إقرار القانون؟، لاسيما أن الكنيسة هي التي حشدت أتباعها في 30 يونيو، وفي كل تجليات الثورة المضادة بعد ذلك، وكان حضور تواضروس ضمن مشهد الانقلاب، ووزير الدفاع يعلن قراراته بوقف العمل بالدستور، لا تخفي العين دلالتها؟!

في الواقع أن زواج المتعة بين الكنيسة والسلطة هو سبب فتور قائد الانقلاب نحو إقرار هذا القانون، بدلاً من أن يكون دافعاً ومحفزاً على الانتهاء منه بدون أن يضطر هذا الطرف أو ذاك لممارسة المناورة والابتزاز مع الطرف الآخر!

السيسي يريد أن يربط الأقباط به، ربما للانتخابات الرئاسية القادمة، والحديث الآن عن هذه الانتخابات قبل عامين منها، كاشف عن حجم الأزمة التي يعاني منها الانقلاب، حتى بدأ القوم في جمع توقيعات من 40 مليون مواطن يطلبون بمد فترة الرئاسة الأولى لثماني سنوات، والمطالبة بتعديل الدستور لتصبح ستاً بدلاً من أربع سنوات. والارتباك وصل إلى حد إقدام بعض وسائل الإعلام على إجراء استطلاعات رأي حول شعبية السيسي، وقد خسرها جميعاً، فصار أكثر عصبية وارتباكاً!

وربما يعمل السيسي على تأجيل الاستجابة للمطالب المسيحية، ومن بينها إقرار قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس، إلى ما قبل موعد الانتخابات، فيضمن احتشادهم خلفه، وحتى لا يجد نفسه مطالباً وقتها للاستجابة لمطالب وتطلعات أخرى وهناك قانون الأحوال الشخصية الذي تدفع الكنيسة الأرثوذكسية من أجل أن تحسم الخلاف بينها وبين الكنائس الأخرى على بعض نصوصه بسيف السلطة، والذي كاد أن يخرج للنور مع الخلافات، وكان جزءاً من "تطيب خاطر" البابا بعد تفجير كنيسة القديسين، فقامت ثورة يناير!

"بيت القصيد" إذن هو في هذه العلاقة، بين الكنيسة وأنظمة الحكم المستبدة، والتي تضر بقيم الدولة المدنية؛ فالكنيسة أممت المسيحيين لصالحها، والدولة مستفيدة من ذلك، فهناك كتلة تصويتية، يكفي أن يأمرها البابا في اتجاه حتى تقول سمعاً وطاعة وبدون نقاش، وهي دائماً لصالح النظام والحزب الحاكم، حتى وإن ترشح مسيحي ضد مرشح هذا الحزب!

وكل ملامح الطائفية يستفيد منها النظام ورأس الكنيسة والآباء الكهنة، فالنظام يعطل بناء الكنائس، ولمواجهة ذلك يلجأ القوم في بعض الأحيان إلى مخالفة القانون بإنشاء كنائس بدون ترخيص، يجري تحريض البعض للاعتداء عليها، وبهذا الاعتداء، يكون تخويف المسيحيين من المجتمع الذي يوشك لطائفيته أن يفتك بهم لولا حماية النظام الحاكم!

وهناك شكوى من أن الوظائف العليا، والكليات العسكرية، لا تقبل من المسيحيين إلا بنسبة معينة في كل عام، وهذه النسبة تتحكم فيها الكنيسة، فيتم إلحاق أبناء القساوسة بها، وأبناء الوجهاء الذين يرتبطون بعلاقات مع الكنيسة، ولهذا شاهدنا "أعيان الأقباط" يتزاحمون لنيل رضا البابا، وانتهى زمن المسيحي الذي يمكن أن ينحاز للسلطة ضد رأس الكنيسة، كما حدث في عهد السادات، الذي انحاز له على سبيل المثال من الصحفيين "موسى صبري"، ومن النواب والأعيان "صبحي سليمان"، وبانتهاء هذه المرحلة، فقد ذهب ابن النائب "سليمان" للكنيسة مبالغاً في التقرب منها حتى يقبله الحزب الوطني مرشحاً على قوائمه!

ولا شك أن هذه السياسة التي كان أول من أتبعها هو نظام مبارك، أشبعت تطلعات البابا شنودة، (الذي هو نصف راهب ونصف زعيم)، في أن يكون زعيماً سياسياً، وهذه التطلعات كانت سبباً في صدامه مع الرئيس السادات، الذي لم يقبل أن يكون للبابا أي دور خارج الجانب الروحي والكنسي، وخارج هذا غير مسموح إلا بمباركة خطوات الرئيس، كما حدث في رسائل البابا للسادات بمناسبة زيارته للقدس، فلم يكن شنودة ضد هذه الزيارة كما شاع بعد ذلك!

لم يعرف عن البابا تواضروس، أي تطلعات سياسية، لكن الرجل وجد الطريق معبداً نحو الزعامة فسلكه، وصار بكنيسته جزءاً من حسابات السلطة العسكرية، ويفخر المسيحيون بأنهم هم من نصبوا للسيسي "زفة" عند زيارته للولايات المتحدة الأمريكية وبناء على توجيهات البابا، وهي علاقة يرى "وريث مبارك" أنها ينبغي أن تكون قائمة على الاحتياج، فضلاً عن أنه ينبغي أن يستثمر الاعتداءات على المسيحيين وعلى دور العبادة غير المرخصة لإثبات أن البديل له هو هذا المجتمع بتطرفه فيزدادون التصاقاً به وتمسكاً باستمراره، وهي علاقة يستثمرها رجال الإكليروس، لتكريس نفوذهم، وهم المستفيدون وأنجالهم من نظام المحاصصة في الوظائف والكليات، كما أنه يضمن ولاء الأعيان من الأقباط، فلا تحدث أزمة البابا مع المجلس الملي الذي كان من الأعيان برئاسة بطرس غالي وقد انحاز للإنجليز، وأيضاً كما حدث في أزمة السادات مع البابا.

إن ليبراليتنا تفرض علينا، الوقوف ضد هذه العلاقة غير الطبيعية بين سلطة الاستبداد والكنيسة، ليكون المسيحيون مواطنين لا رعايا للبابا.

نقلا من موقع الراية
 

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments