كتب: اللواء عادل سليمان

 

في مثل هذا اليوم قبل ثلاثة عشر عاماً، وبالتحديد في نهاية يوم السابع عشر من مارس/ آذار عام 2003، كانت قوات التحالف الغربي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، قد أتمت عمليات الحشد، وإعداد مراكز القيادة والسيطرة، في انتظار صدور الأوامر للبدء فى تنفيذ أكبر وأخطر عملية عسكرية تقودها أميركا كنموذج لحروب القرن الحادي والعشرين التي بشّر بها الرئيس الأميركي في ذلك الوقت، چورچ بوش الابن، ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، والتي أخذت اسماً رمزياً هو "الصدمة.. والرعب"، وكان الهدف المعلن منها هو غزو العراق، والتي تم تصنيفها دولة مارقة تهدّد السلم والأمن العالمي؟

 

تضمنت العناصر الرئيسية للقوات التي تم حشدها مجموعاتٍ من الأسلحة والوسائل فائقة التطور، والتي تنتمي لما يعرف بالثورة فى الشؤون العسكرية، من أهمها، 17 قمراً صناعياً وقاعدة إطلاق فضائية لقواذف الليزر عالي الطاقة، لإدارة الحرب المعلوماتية، وتوجيه الأسلحة الذكية، وست مجموعات قتال بحرية، تضم حاملات طائرات وغواصات وطرّادات وفرقاطات ومدمرات، عليها منصات إطلاق صواريخ كروز توما هوك، ومجموعة قتال بحرية بريطانية، ومجموعة قتال بحرية برمائية، ومجموعات قاذفات ثقيلة بعيدة المدى بي 2 & بي 52 من قواعدها في بريطانيا وأميركا، بالإضافة إلى حوالي 48 قاعدة جوية وبحرية وبرية ولوچيستية، منتشرة في أنحاء المنطقة وحولها، كما تم فتح مركز قيادة رئيسي، ومراكز معلوماتية، ومراكز قيادة لوچيستية، في القواعد الأميركية والبريطانية في منطقة الخليج وبعض دول الشرق الأوسط، هذا بالإضافة إلى القوات البرية التي تضم مجموعة من فرق المشاة الميكانيكية والمحمولة جواً والمارينز والمدرعة والكوماندوز، ووحدات القوات الخاصة الأميركية والبريطانية والأسترالية والبلغارية، ووحدات الهجوم الإلكتروني، والعديد من الوحدات والعناصر المعاونة والمساعدة والفنية والإدارية، وكان حشداً غير مسبوق، فى أضخم استعراض عالمي للقوة. وفي اليوم التالي، الثامن عشر من مارس 2003، أعلن الرئيس الأميركي، چورج بوش، مهلة 48 ساعة، ليغادرالرئيس العراقي، صدام حسين، العراق هو وولداه عدي وقصي.

 

كان ذلك يجري والعالم العربي في حالة مروعة من الذهول، والعجز التام عن الفعل، أي فعل؟ وانقسم ما بين حالة من عدم التصديق أو حالة من التهوين والترقب لكل ما يجري.

 

لم تكد مهلة الثماني والأربعين ساعة تنتهي، وبعد أقل من 90 دقيقة من انتهائها، وبالتحديد في فجر يوم الخميس 20 مارس، انطلقت من القطع البحرية المرافقة لحاملة الطائرات الأميركية، أبراهام لينكولن، 40 صاروخ كروز توما هوك ذاتي التوجيه، لتصل خلال دقائق إلى 40 هدفاً في قلب بغداد، سبق تحديدها من قبل، وبدأت الصدمة، صدمة الحرب الأميركية الجديدة. كانت تلك لحظة الصدمة الحقيقية، والتى أعقبتها، على مدى 20 يوماً، عمليات عسكرية غير مسبوقة في تاريخ الحروب، استخدمت فيها كل ما أنتجته تكنولوجيا ترسانات الآلة العسكرية الأميركية من وسائل قتل ودمار مروعة، من أسلحة ذكية، وفائقة القدرة التدميرية، حتى كان اليوم الواحد والعشرين، الخميس 10 إبريل/ نيسان 2003، حيث شاهد العالم عبر شاشات التلفاز مشهداً فريداً وهو، دبابتان أميركيتان من طراز إيه 1 إم 1، تقفان على رأس كوبري الجمهورية على نهر دجلة الذي يربط بين حيي الكرخ والرصافة في قلب بغداد، بينما تسيطر عناصر محدودة من قوات المارينز الأميركية على مجمع القصور الرئاسية في ميدان الرشيد، وكل شوارع وطرقات بغداد خالية تماماً. تلك كانت لحظة الرعب الحقيقية، الرعب مما جرى، والرعب مما هو قادم.

 

ما بين لحظتي الصدمة والرعب خمسمائة ساعة، تركت بصمات غائرة على العالم العربي، وأعلنت عن بداية عصر جديد، يولد من رحم حربٍ لم يسبق لها مثيل، حرب رفضها كثيرون من العرب، وأيضاً رحب بها بعض العرب، لكنها، في النهاية، طرحت على الجميع سؤالاً شديد الأهمية، وهو سؤال الهوية.

قبل لحظة الصدمة، كان النموذج السائد في العالم العربي هو نموذج الدولة القومية ذات الهوية

"ما من قضيةٍ تخص أي قطرٍ عربي، إلا والأذرع الإقليمية والدولية الأكثر حضوراً وفاعلية"

 

العربية التي تحمل حلم الوحدة، وكانت نظم الحكم تستمد شرعيتها ومصداقيتها من حملها تلك الراية، على الرغم من كونها في غالبيتها نظماً مستبدة، وكانت كل تلك النظم، وفي مقدمتها نظام صدام حسين فى العراق، تتبنى القضية الفلسطينية، على سبيل المثال، نموذجاً لقضية عربية تضفي على النظام شرعية ومصداقية. ولكن، بعد لحظة "الرعب"، بدأ كل شيء يختلف، وبدأت المعايير تهتز بشدة، وبدأ الحوار حول مسألة الهوية يعلو. وكانت البداية، بطبيعة الحال، من العراق، حيث كان الجنرال تومي فرانكس الذي تولى قيادة الحملة الأميركية قد أنجز أولى المهام المكلف بها، كما صرح هو، وهي القضاء على نظام حكم صدام نهائياً. ذلك النظام الذي كان يرفع شعار الدولة القومية الموحدة، ذات الهوية العربية. وهنا، نجد أن سؤال الهوية قد طرح نفسه بقوة: هل العراق يحمل هوية عربية موحدة، أم هناك هويات متعددة للشعب العراقي؟ ما بين هوية عربية، وكردية، وتركمانية، وأيزيدية، وأشورية، وكلدانية، وغيرها؟ بل تعدّى الأمر ذلك إلى فكرة التنوع المذهبي ما بين شيعة، وشيعة عرب، وسنة، وصابئة .. إلخ؟

 

وبدأت تسري في العالم العربي تلك الموجة الجديدة من التساؤلات حول الهوية، وبدأ المشروع القومي العربي الوحدوي يفقد بريقه. وارتفعت أصواتٌ تعبر عن النعرات العرقية والطائفية والمذهبية، ودعواتٌ تتحدّث عن الفيدرالية، والاتحادية، والحكم الذاتي، وحق تقرير المصير.

 

بدأ ذلك كله خافتاً، وعلى استحياء. ولكن، مع ما شهدته المنطقة من تطوراتٍ على مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية، أدت إلى اختلال حاد في كل موازين القوى الإقليمية، وإلى انهيار مفاهيم وقيم ظلت سائدة عقوداً طويلة، وما وقع من انتفاضات، وهبات، وثورات شعبية فى أقطار عدة، وما قام به العدو الإسرائيلي من حروبٍ عدوانيةٍ استهدفت لبنان تارة في صيف 2006، ثم قطاع غزة في ديسمبر/ كانون الأول 2008/ يناير/ كانون الثاني 2009، وفي 2012، وفي صيف 2014، والذي استمر 51 يوماً متصلة. وكان من أهم أهداف ذلك العدوان المتكرّر كسر فكرة الهوية والإرادة العربية، حيث لم تتجاوز المواقف العربية شجب العدوان والتعاطف الإنساني مع الضحايا، بل وصل الأمر ببعضهم إلى حد إلقاء اللوم على الطرف الفلسطيني، أو الطرف اللبناني!

 

واليوم يكفي استعراض المشهد على الساحة العربية، لنرى بوضوح مدى التصدّع الذي أصاب الهوية العربية، فما من قضيةٍ تخص أي قطرٍ عربي، إلا ونجد الأذرع الإقليمية والدولية هي الأكثر حضوراً وفاعلية، والأمثلة واضحة في سورية والعراق وليبيا واليمن، وحتى في الأقطار الأكثر تماسكاً كمصر وتونس. ولعل ما حدث، أخيراً، من تدشين تحالف عسكري في المنطقة، برعاية المملكة العربية السعودية، وتنظيم مناورات مشتركة كبرى (درع الشمال) كان يحمل عنوان التحالف الإسلامي، والذي ضم دولاً إسلامية عديدة غير عربية، وهناك حديث عن اختيار قائد الجيش الباكستاني، الجنرال راحيل شريف، قائداً عاماً لقوات هذا التحالف، وباكستان إحدى الدول الرئيسية فى التحالف.

 

وتبقى أسئلة مهمة: هل تصدّعت الهوية العربية؟ وهل بدأت المنطقة تدخل في عصر الدول القطرية ذات النظم الاتحادية أو الفيدرالية أو اللامركزية؟ حيث لا مكان لفكرة القومية، ولكن إعلاء لفكرة التعددية والتنوع، وتكريس مفاهيم العلمانية الحديثة، والمواطنة والحريات العامة، فى إطار كياناتٍ وظيفيةٍ تمثل الدولة؟ وهل أصبح هذا التحول حتمياً، أردنا أم أبينا؟ وما هي التحديات التي تواجه هذا التحول؟ وما هو الثمن الذي علينا أن ندفعه؟ أسئلة علينا أن نفكر جدياً في الإجابة عليها.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments