كتب كريم محمد:

بدأت تتكشف أبعاد جديدة للحملة التي قادتها شرطة الانقلاب لإخلاء سكان جزيرة "الوراق" المقابلة لحي السفارات الراقي (الزمالك) بوسط نيل القاهرة، بصدور تعليمات من قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي في يونيو الماضي بتحويل جزر النيل إلى مراكز مال وأعمال لصالح شركة إمارتية.

الفضيحة ظهرت حين نشرت شركة "آر إس بي" RSP خطط وماكيتات أعدت لربط جزيرة الوراق بقطار معلق ومارينا يخوت ومجموعة وفنادق وفيلات، ما يشير إلى أن سكانها الأصليين الحاليين لا مكان لهم هناك.

ووفق الشركة فإنه تم تسليم ماكيت المشروع لشركة إعمار الإماراتية يوم 31 مارس 2013، بعدما انهار حكم مبارك وتولي الرئيس محمد مرسي الرئاسية في انتخابات حرة، وكشفت صحف مصرية أن المخطط معد منذ عام 2010 خلال حكم مبارك، ويستكمله قائد الانقلاب عبدالفتاح السياسي.

وهناك شركة أخرى تسمى "كيوب" نشرت معلومات عن دورها في تجهيز ماكيتات أخرى لمشروع الوراق الذي أطلق عليه "حورس" في عهد جمال مبارك، وتعتبره صحف أجنبية "مانهاتن النيل" عقب سعي السيسي لبيعها إلى مموليه الإماراتيين وإخلاءها من السكان.

ويقول مسئولو الشركة بالقاهرة إن الشركة تعاقدت مع "الهيئة العامة للتخطيط العمراني بوزارة الإسكان" في عام 2010 على وضع مخطط لتطوير جزيرة الوراق، ضمن خطة «2050»، الذي أعلن عنه جمال مبارك، نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك، حينئذ.

وكان أمين السياسات بالحزب الوطني المنحل وقتذاك أعلن في 27 مايو 2007، خلال مؤتمر صحفي لاجتماع المجلس الأعلى للسياسات عن هذه الخطة.

وأصدرت شركة «كيوب»، بيانا على حسابها علي فيس بوك توضح أن "مشروع تطوير جزيرة الوراق هو ضمن مشروع تطوير الجزر النيلية بقلب العاصمة، وكانت "رؤية المشروع الأصلي تحتوي على قرية بها كافة الخدمات والمرافق لتحقيق حياه كريمة تليق بالمصريين على مسطح 50 فدانا مع تعويض الأهالي عن الأراضي الزراعية".

جزيرة حورس
وأكد هذا أيضا "‏ديوان المعماريين‏"، الذي أوضح أن مشروع تطوير جزيرة الوراق التي تبلغ مساحتها 1400 فدان هدفه "تحويلها لمنطقة استثمارية مغلقة باسم جزيرة حورس تضم فيلات وناطحات سحاب وفنادق وحدائق ومارينا يخوت يستوعب 250 قاربا وقطارا معلقا (مونوريل) وربطها بطرق القاهرة والجيزة من خلال مجموعة كباري".

وانتقد الديون ما أسماه "تحول الإدارة المصرية لمستثمر عقاري أمر غاية في الخطورة" مؤكدا: "لم نجد الإدارة المصرية تقوم بدور المفاوض لتقديم تعويضات عادلة للسكان يدفعها المستثمر الراغب في الجزيرة، ولم نجدها تقوم بتطوير الجزيرة لتكون منطقة خضراء وشاطئية وترفيهية وثقافية غير هادفة للربح تخدم سكان القاهرة الكبرى الذين يفتقدون لتلك الخدمات، ولم نجدها تسعى لتحسين أحوال سكان الجزيرة".

وختم بالقول: "عندما تصبح الغاية جمع الأموال فقط وليس خدمة الإنسان المصري تكون النتيجة بيع أي شيء دون أي اعتبارات أو معايير"، مشيره لأن "المشروعات الاستثمارية المستقبلية تشمل جزيرة الوراق 1400 فدان، وجزيرة الدهب 500 فدان، وجزيرة القرصاية 150 فدانا".

"مانهاتن" المصرية من مبارك للسيسي
عام 1998، صدر قرار من مجلس الوزراء برقم 1969، ينص على "إنشاء محمية طبيعية بجزيرة الوراق"، إلا أن سكان الجزيرة رفضوا تنفيذ القرار حتى اللحظة، ويطلبون بتعديله أو إلغائه.

وفي عهد حكومة عاطف عبيد (أكتوبر 1999 إلى يوليو 2004)، صدر قرار آخر بتحويل جزيرة الوراق إلى منافع عامة، وهو ما قابله الأهالي برفع دعوى قضائية نُظرت في مجلس الدولة، وقضت بأحقيتهم في ملكية أراضي الجزيرة، وحصلوا على حكم محكمة بذلك في 2002.

وفي 2010 تجددت الأزمة بين الحكومة وأهالي الوراق، حيث قررت وزارة أحمد نظيف (14 يوليو 2004 إلى 29 يناير 2011) الاهتمام بتطوير الجزيرة، وأصدرت قرارًا بتشكيل لجنة لدراسة الأوضاع البيئية لجزيرة الوراق ووضع خطة للتصحيح البيئي فيها، إلا أن الأهالي تمسكوا بالبقاء فيها كما هي أيضا.

وفي ذلك الوقت طالبت حكومة "نظيف" عن طريق لجنة السياسات بالحزب الوطني شركة "أر إس بي" بعمل رسومات وماكيتات مقترحة للمشروع، وهو ما انتهت من تصميمه الشركة متأخرا في 31 مارس 2013 في عهد الرئيس الجديد محمد مرسي عقب انهيار حكم مبارك وسجن نجله جمال، ولم ينفذ.

وفي 7 يونيو الماضي 2017 أثيرت القضية من جديد في مؤتمر للسيسي بعنوان "إزالة التعديات على أملاك الدولة" حين قال قائد الانقلاب إنه لن يسمح لأهالي أي جزر على النيل بالبقاء فيها (لازم يتشال) ودعا لإخراجهم منها، بدعوى أنه "غير مسموح بتواجد أحد عليها طبقا للقانون".

وعقب تصريحات السيسي بـ3 أيام، وفي 10 يونيو 2017، قالت "مصادر حكومية رفيعة المستوى" إن رئاسة الجمهورية كلفت وزارة الإسكان وهيئة التخطيط العمراني بإعادة إحياء مخطط تطوير الجزر النيلية الذي تم إعداده عام 2010، على أن تكون البداية جزيرة الوراق بالجيزة.

وجاء هذا في أعقاب إصدار رئيس وزراء الانقلاب شريف إسماعيل قرارا، بعد تصريح السيسي، باستبعاد 17 جزيرة من تطبيق قرار رئيس الوزراء رقم (1969) لعام 1998 الذي كانت الجزيرة تعتبر بموجبه "محمية طبيعية"، ووضع خطة لتطوير الجزيرة وتحويلها إلى منطقة استثمارية، حيث تصبح مركزا كبيرا للمال والأعمال.

ويقول الخبير الدولي في شئون البيئة، د.مجدي علام، إن الهدف من صدور قرار مجلس الوزراء، عقب لقاء السيسي باستبعاد 17 جزيرة نيلية من أصل 144 جزيرة، من "المحميات" من بينها الوراق، "هو رغبة من الحكومة لإقامة مشروعات سياحية على هذه الجزر".

وقد نفت الحكومة المصرية، الاثنين 17 يوليو 2017، التعاقد مع أي من الشركتين RSP، وCUBE، لأن المشروع منذ 2010 قبل ثورة يناير 2011 وتغير الحكومات عدة مرت، والنفي قاصر على الحكومة الحالية.

وقال المتحدث باسم وزارة الإسكان "هاني يونس" إنه لا يوجد هناك أي مخططات مع أي شركة قد تعاقدت عليها الوزارة، وعدم وجود أي تفاوض أو مشاورات مع هذه الشركات، بحسب ما ابلغه به رئيس هيئة التخطيط العمراني.

وتبلغ مساحة جزيرة الوراق 1400 فدان تعادل 5.8 مليون متر مربع، وهناك تقديرات بوصول سعر المتر لألف دولار حاليا في ظل غلاء أسعار السكن وتميز أراضي الجزيرة ما يعني أن تكون الحصيلة 5.8 مليار دولار، أي ما يوازي 100 مليار جنيه، وهو ما يفسر شراسة المعركة بين فقراء الجزيرة المتمسكين بأرضهم والسلطة التي تبحث عن أموال لسد عجز الموازنة.

Facebook Comments