BERLIN, GERMANY - JUNE 03: Egyptian President Abdel Fattah el-Sisi speaks during a news conference with German Chancellor Angela Merkel (unseen) on June 3, 2015 in Berlin, Germany. The meeting between the two leaders was intended to increase economic and security cooperation between their two countries, which shared 4.4 billion euros ($4.8 billion) in bilateral trade in 2014. The two disagreed over human rights issues such as capital punishment. (Photo by Adam Berry/Getty Images)

استعان تقرير صحفي بكلمات الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم للتعليق على الترقيعات الدستورية التي تم تمريرها من أجل مد حكم قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي حتى عام 2030، وكان فؤاد نجم قد كتب هذه القصيدة خلال فترة المخلوع الرئيس الأسبق حسني مبارك، حينما كان يمد حكمه الفترة تلو الفترة من خلال نفس الترقيعات الدستورية، ويمهد للتوريث، ليكتب الشاعر الراحل
“نؤيد سيادتك لفترة جديدة.. نكمل خلالها المسيرة السعيدة.. و بالمرة فيها نبيع الحديدة .. مفيش حاجة تانية نبيعها خلاص”.

نؤيد سيادتك لأجل المزيد.. من اللي تحقق بفضلك أكيد.. بقينا خلاص ع الحميد المجيد..وربك لوحده ف إيده الخلاص”.

وقال التقرير المنشور على موقع “ميدان” التابع لشبكة إعلام الجزيرة، اليوم الخميس، بعنوان “تعديلات دستورية أم تفويض أبدي؟ نهاية الجمهورية المصرية”، إن العديد من المصريين بداية أبريل الحالي، فوجئوا بحملة دعائية سياسية ضخمة، صاحبها نقاش إعلامي وحكومي عن تعديلات دستورية مزمع إجراؤها على الدستور الحالي، وتدعوهم الحملة للاستفتاء عليها في نهاية الشهر نفسه.

وأضاف التقرير أن المفارقة الأولى أن التعديلات لم يتم النقاش حولها علنا إلا قبل ثلاثة أيام من موعد الاستفتاء الشعبي عليها، المفارقة الثانية، وهي الأهم، أن تلك التعديلات الدستورية التي وُصفت بأنها الأخطر في التاريخ الدستوري المصري كله تأتي في ظل حالة تكاد تكون تامة من الركود السياسي والاجتماعي، بعد تسريبات مطلع هذا العام وأواخر العام الماضي، تؤكد نية أجهزة المخابرات العامة وسلطة الانقلاب بشأن تعديلات دستورية جديدة، وصاحبت التسريبات توقعات أنها تعديلات ربما تسمح للسيسي بإطالة فترة رئاسته، أو تقنين الوضعية الاستثنائية التي تتمتع بها المؤسسة العسكرية.

وأكد التقرير أن المواد التي تم تعديلها كشفت عن حقيقة صادمة، تطيح بالنموذج الدستوري الجمهوري، لتتحول الدولة المصرية إلى نموذج فريد من الدولة الشمولية، يجمع في بنائه الدستوري أكثر سمات النظم القمعية انحطاطا.

الدولة الفاشية

ونقل التقرير عن أستاذ العلوم السياسية شريف يونس، أحد أبرز المنظرين السياسيين لنظام السيسي، إن هذه التعديلات الدستورية بنيت في إطاره الدولة الجديدة في 2013-2014 على شرعية مستجدة يمكن أن نطلق عليها “شرعية التفويض”، إشارة إلى الحدث الذي أسسها، وهو تفويض “السيسي” حين كان وزيرا للدفاع، لإعادة سيطرة الدولة المصرية على المجال العام، بعد حالة الانفلات الواسع التي أعقبت ثورة يناير، وهو التفويض الذي وفر الشرعية عبر الغطاء الشعبي لأكبر حملة قمعية في تاريخ مصر الحديث، الحملة التي طالت كل القوى السياسية في مصر تقريبا بما ذلك القوى المحافظة والإصلاحية حتى تم تصفية المجال السياسي المصري بشكل كامل.

وقال يونس: إن أول التوقعات الصحيحة في التعديلات الدستورية تمثّل في التعديلات المتعلقة بزيادة مدة الرئاسة، لتكون ست سنوات بدلا من أربع، وذلك مع الإبقاء على الحد الأقصى لفترتين ومنح السيسي صلاحيات سيادية أوسع، فالتعديل المقترح حسب المادة ١٤٠ و٢٤١ مكرر يسمح للسيسي ببدء ولايته الرئاسية من جديد لفترتين متتاليتين بالإضافة إلى منح السيسي عامين إضافيين كتعويض بأثر رجعي عن المدتين السابقتين التي حكم خلالهما كرئيس ولايته أربع سنوات فقط، والمادة ٢٥٠ التي تكفل له الحق في تعيين ثُلث أعضاء مجلس الشيوخ الجديد، المجلس الذي سيكون بلا صلاحيات إلا كقوة تصويتية برلمانية يعيّن السيسي ثُلث أعضائه مما يضرب في صلب فكرة السلطة التشريعية كسلطة تشريعية منتخبة من عموم الناس تراقب أداء الحكومة وتنحاز لناخبيها.

فيما قال التقرير إن الصدمة وما جاء خارج التوقعات هو التوسع غير المسبوق فى سلطة السيسي بما ينتهك ما تبقى من استقلالية هيئات الحكم السيادية الأخرى، حيث يراد تشكيل مجلس أعلى للهيئات القضائية يرأسه الرئيس نفسه، وهو المجلس الذي سيقرر شؤون القضاء، وليس مجلس القضاء الأعلى المنتخب من القضاة أنفسهم، وأن يكون للسيسي سلطة تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا التي قد تنظر في دستورية القوانين التي وقعها، أي إن الذي سيعينه السيسي هو ذاته الذي سيفصل في دستورية أعماله.

ونقل التقرير عن خبراء إن سلطة السيسي ستمتد لتعيين النائب العام، بعد أن كان مجلس القضاء الأعلى هو من يحدده. ويمتد الأمر لتحجيم دور مجلس الدولة في مراجعة القوانين، وهو تطور متوقع بعد الحكم التاريخي للمجلس في قضية تيران وصنافير على عكس مراد النظام السياسي.

وأشار إلى أنه طوال تاريخ مصر الدستوري، وتحديدا خلال العهدين الملكي والجمهوري، كان مبدأ الفصل بين السلطات هو التقليد الدستوري المعياري كجزء من تقليد دستوري تاريخي وعالمي، وأحد أهم معايير الدولة الحديثة العصرية، وهو المبدأ الذي صاغه المفكر السياسي الفرنسي مونتسيكو في القرن السادس عشر. وشذ عن هذه القاعدة لأسباب تاريخية وثقافية مختلفة عدد من الدول والنظم السياسية الاستثنائية، كالنظام الفاشي في إيطاليا والنازي في ألمانيا ونظام الولي الفقيه في إيران.

شرعية التفويض

ونقل عن شريف يونس أن النظام المصري الحالي يستند بشكل أساسي إلى شرعية التفويض الذي تم في العام 2013 وإلى شخص عبد الفتاح السيسي تحديدا، بوصفه المالك الأول للتفويض، والرمز الأول للنظام الذي تشكّل بموجبه، فبمجرد حصوله عليه يعلو السيسي كزعيم ورمز على جهاز الدولة ككل، فقد رفعه الشارع بالتفويض فوق كل القوى والمؤسسات.

وأشار إلى رضا الجماهير التي عجزت عن تنظيم نفسها في أحزاب وحركات مدنية وجماعات ضغط ومصالح بتسليم القيادة لفرد واحد، يصبح هذا الفرد تجسيدا للدولة المصرية، وتجسيدا لهذه القوى التي تريد إعادة بناء الدولة، حتى أصبح السيسي إذن تجسيدا للدولة -لا النظام فحسب- وحاملا للشرعية السياسية، والمسئول السياسي الأوحد أمام الجماهير في شأن كيفية أداء الدولة وقيامها بمهماتها المختلفة. لقد أصبح السيسي حامل الشرعية ومرتكزها الرئيسي، ومصدر شرعية كل المؤسسات الأخرى”.

وقال يونس إن الدولة المصرية بعد أن استنفدت كل إمكانات توليد خطاب عقلاني يؤسس لشرعيتها، أصبحت تعتمد بشكل أساسي على شرعية الزعامة التي اكتسبها السيسي من التفويض الشعبي منتصف عام 2013؛ مما يفسر حسب وجهة النظر هذه طبيعة التعديلات الدستورية التي تنسف بصورة حاسمة مبدأ الفصل بين السلطات كمبدأ معياري في الدولة الحديثة، لتصبح السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية خاضعة بالكامل لشخص عبد الفتاح السيسي؛ ما أسماه شريف يونس “مأسسة شرعية التفويض”.

انقلاب عسكري

واكد الدكتور خالد فهمي إن التعديل الدستوري الجديد المتعلق بالمادة 200 لم يكن مفاجأة رغم كارثيته، وحسب فهمي، تنص المادة صراحة على السماح للقوات المسلحة بالتدخل في السياسة، ما يعني التهديد بالانقلاب العسكري أو القيام به إن رأت القيادات العسكرية ذلك، بدعوى “صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها”.

ويوضح فهمي أن التعديلات ليست تتويجا لانتصار الثورة المضادة فقط، والتي بدأت بالانقلاب العسكري، لكنها حسم للتوتر التاريخي الذي صاحب جمهورية يوليو العسكرية منذ تأسيسها بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، حيث تأتي تلك التعديلات ليس باعتبارها انتصارا للجيش أمام مؤسسة الرئاسة التي يسيطر عليها رجل الجيش والمخابرات الحربية عبد الفتاح السيسي، بل سيطرة الجيش على كل مفاصل وأجهزة الدولة.

يتضح هذا أكثر إذا ما وضعنا مادة الجيش المتعلقة بتوسيع نطاق المحاكمات العسكرية للمدنيين مع باقي المواد المتصلة بتقليص صلاحيات البرلمان في تشكيل الحكومة وسحب الثقة منها ومحاسبة كلٍّ من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، فضلا عن النسف التام لاستقلال السلطة القضائية كما أسلفنا ممثلة في المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء.

سيادة لا سياسة

وحذر الباحث والأكاديمي أشرف الشريف من أن أخطر ما يقوم به نظام السيسي هو تجذير الحكم دون أي نوع من الوساطة السياسية، وهو ما صرح به السيسي نفسه أكثر من مرة أن حكمه هو حكم الدولة وليس حكم نظام سياسي، موضحا أنه حتى في أعتى الديكتاتوريات التاريخية، الستالينية والنازية والفاشية، كان الحكم يتم بواسطة الحزب النازي أو الفاشي كما في ألمانيا وإيطاليا أو الحزب الشيوعي في روسيا الستالينية، أما السيسي فيحكم بشكل مباشر بواسطة أجهزة الدولة المختلفة (العسكرية والأمنية والمخابراتية والبيروقراطية)، أي يحكم بالسيادة لا بالسياسة؛ ما يلغي أي إمكانية للتفاوض، فضلا عن الإصلاح السياسي أو أي تعاطٍ إيجابي مع الدولة.

وكشف مصدر داخل الرئاسة لموقع “مدى مصر” أنه خلال جلسة بين ممثلي أجهزة سيادية مختلفة داخل قصر الاتحادية طرح أحد الحضور تعديلا مثيرا للجدل لم يتم التوافق عليه، وهو وضع مادة انتقالية في الدستور تنص على إنشاء ما يسمى بـ “المجلس الأعلى لحماية الدستور”، تكون له صلاحيات واسعة في الحفاظ على هوية الدولة وحماية الأمن القومي للبلاد في حالة تولي قيادة سياسية جديدة.

وبرر صاحب هذا الاقتراح بأن سيناريو صعود الرئيس محمد مرسي إلى الحكم قد يتكرر، فيأتي رئيس من خارج دولاب الدولة، أو برلمان لا يعبر عنها، وهو ما يستدعي وجود جهة تحمي الدولة ولو لعدد محدد من السنوات أو العقود، ويقترح نص المادة تعيين عبد الفتاح السيسي رئيسا لهذا المجلس مدى الحياة، بعد تركه للرئاسة بوصفه الأقدر على القيام بهذه المهمة.

Facebook Comments