في تطور متسارع للضغوط الإيطالية على قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي الذي يلعب على الحِبال متعددة في الملف الليبي، مستهدفا استمرار سيطرة خليفته الانقلابي خليفة خفتر على الأوضاع في ليبيا، لضمان سرقة النفط الليبي وتهريبه إلى مصر أو شرائه بأسعار منخفضة، بجانب الضغوط المستمرة على الإسلاميين أو من يتحالف معهم، جاء اجتماع رئيس الوزراء الإيطالي بعبد الفتاح السيسي بمقر إقامته بالعاصمة الصينية بكين، على هامش أعمال قمة منتدى الحزام والطريق الثاني للتعاون الدولي، أمس السبت، حاملا مزيدا من الضغوط على السيسي في ملف الشاب الإيطالي جوليو ريجيني الذي قتل بدم بارد على أيدي الأجهزة الأمنية المصرية، وذلك وصولا لتفاهمات مع إيطاليا في الملف الليبي…

وخلال الاجتماع برئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي لم يجد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، إلا أن يعلن ويؤكد دعمه الكامل لتقديم الجناة في قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني إلى العدالة..

وزعم بيان للرئاسة المصرية أن لقاء السيسي وكونتي تطرق إلى آخر تطورات التحقيقات الجارية في قضية “ريجيني”.

كما لم يجد السيسي بدًّا للخروج من المأزق الإيطالي، سوى التأكيد على “دعمه الكامل للتعاون المشترك بين الأجهزة المختصة في كل من مصر وإيطاليا؛ للكشف عن ملابسات القضية والوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة”.

كانت العلاقات بين القاهرة وروما قد شهدت توترات حادة عقب مقتل ريجيني (26 عاما) والعثور على جثته بمصر، في فبراير 2016، وعليها آثار تعذيب.

وبعد الواقعة بشهرين، استدعت روما سفيرها لدى القاهرة، ثم أرسلت سفيرا جديدا، بعد 17 شهرا من سحب سفيرها السابق.

وتتهم وسائل إعلام إيطالية، أجهزة الأمن المصرية، بالضلوع في تعذيب وقتل ريجيني..

وفي ديسمبر الماضي، أعلنت روما فتح تحقيقات بحق 5 مسئولين أمنيين مصريين.

وأعلن البرلمان الإيطالي، في الشهر ذاته تعليق العلاقات البرلمانية مع نظيره المصري احتجاجا على سير التحقيقات.

التلاعب بليبيا

وتأتي مطالبة إيطاليا للسيسي بالتحرك قدما في ملف ريجيني، كوسيلة ضغط لتحجيم دعمه لخليفة خفتر، حيث تطالب إيطاليا بإعادة صياغة الواقع الليبي وفق مصالجها التي تستهدف التوسع في استخراج النفط الليبي للشركات الإيطالية، وحماية السواحل الليبية من أسراب المهاجرين غير الشرعيين إلى سواحل إيطاليا القريبة من ليبيا….

كان السيسي قد فشل في تحقيق الهدف الذي سعى إليه اجتماع القمة المصغرة الإفريقية بشأن ليبيا الذي استضافته القاهرة الأربعاء الماضي، ورغم نجاحه خلال الاجتماع الخاص بالسودان في انتزاع قرار من مفوضية الاتحاد الإفريقي بمدّ مهلة المجلس العسكري الانتقالي السوداني لتسليم السلطة إلى حكومة مدنية من 15 يوما إلى 3 أشهر.

إلا أن الاجتماع بشأن ليبيا لم يترك أي أثر لا على الأوضاع المشتعلة ميدانيا ولا حتى على الأوساط الأوروبية والدولية المنشغلة بهذه القضية، حتى إن وسائل الإعلام الفرنسية والإيطالية الأكثر اهتماما بالشأن الليبي لم تهتم بالاجتماع. وبدت لهجة السيسي في الاجتماع بشأن ليبيا متغيرة عن المعتاد، وكأنه يتعمد توجيه رسائل لأطراف محددة، فمع تكرار حديثه عن ضرورة القضاء على الجماعات المتشددة والمليشيات “الإرهابية”، بحسب إشارته إلى القوات الموالية لحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، شدد للمرة الأولى منذ فترة طويلة على “ضرورة تفعيل دور المبعوث الأممي غسان سلامة”.

وقال إن “الحل السياسي والسلمي للأزمة الليبية يحتاج إلى تضافر جهود مختلف التيارات الليبية”، داعيا إلى وقف تحويل ليبيا إلى ما وصفه “ميدانا للحروب بالوكالة”. وهو أمر يتعارض مع واقع تعامل السيسي مع الأزمة منذ سنوات، فهو داعم قوي على المستوى السياسي والاستخباراتي والعسكري والأمني لخليفة حفتر ومليشياته، وخلال لقائهما الأخير في القاهرة والذي سبق الاجتماع الإفريقي بأيام معدودة، أشاد السيسي بدور حفتر في “الحرب على الإرهاب”، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى الحلول السياسية.

خطاب السيسي

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في القاهرة في تصريخات صخفية: إن “السيسي لم يكن يرغب في الحقيقة بأن يخصص اجتماعا لمناقشة الأزمة الليبية، فهو يكتفي تماما بالمناقشات القائمة على مدار الأسبوع مع فرنسا وإيطاليا والإمارات والسعودية. وهي الدول الأكثر اهتماما بالشأن الليبي، لكن الدول الإفريقية المدعوة لمناقشة الأوضاع في السودان، استجابت للدعوة المصرية العاجلة التي كان السيسي يهدف من خلالها لمنع اتخاذ قرارات ضد الحكومة العسكرية في الخرطوم، أبدت رغبتها في مناقشة الأوضاع في ليبيا أيضا، ليس لاتخاذ قرارات، بقدر ما كانت تحاول فهم ما يحدث في هذا البلد”.

وأضاف المصدر أن “الدوائر الأوروبية لاحظت التغير الذي طرأ على خطاب السيسي تجاه الأزمة، لكنها تعتقد أن الأمر لا يعدو كونه محاولة لرسم شخصية قيادية له ولمصر في الملف بشكل عابر لتفاصيل الخلافات بين فرنسا وإيطاليا تحديدا، مستبعدة بشكل مطلق أن يتغير موقف السيسي من حفتر شخصيا أو من دعم مليشياته بكل ما أوتي من إمكانيات”.

غير أن المصدر كشف أيضا أن “السيسي يحاول إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع كل الأطراف الأوروبية والعالمية بشأن ليبيا، تخوفا من تغير موازين القوى لصالح إيطاليا في أي لحظة، مع استمرار تنسيقه الاستراتيجي مع فرنسا لدعم حفتر”، ولفت إلى أنه “على الرغم من المؤشرات الإيجابية المتداولة في الأوساط الدبلوماسية بشأن دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لحفتر، وأنه يراه زعيمًا محتملاً لليبيا كالسيسي في مصر، ورغم اعتراض واشنطن وموسكو على مشروع قرار بريطاني في مجلس الأمن لوقف إطلاق النار في ليبيا، إلا أن هذه المؤشرات تبدو في نظر السيسي، وكذلك في نظر العواصم الأوروبية، هشة جداً ويمكن أن تتغير في أي لحظة مع تغير الظروف وتعدد الضغوط”.

ضغوط أوروبية

وذكر المصدر الأوروبي أن “فرنسا تتعرض في الوقت الحالي لضغوط عدة من قبل دول أوروبية مهمة، على رأسها ألمانيا لتغيير سياستها إزاء ليبيا، بعد نجاح روما في حملة دعائية ومعلوماتية عبر وسائل الإعلام الأكثر مصداقية في الدوائر الأوروبية لتصوير حلفائها في ليبيا في دور المجني عليهم، خصوصًا بعد الهجوم غير المبرر لحفتر على طرابلس والذي عبّر عن ازدراء بالعملية السياسية برمتها”.. لذلك رأى المصدر أن “حلفاء حفتر الدائمين كمصر والإمارات، والمرحليين كفرنسا، قد يدفعون لاحقاً ثمن هذا التسرع في محاولة السيطرة على طرابلس، خصوصًا أن هجوم حفتر فشل ميدانيًا حتى الآن”.

في سياق متصل، قالت مصادر دبلوماسية مصرية: إن “السيسي يريد خلال فترة رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي، تنظيم ملتقى أوروبي إفريقي كبير بشأن ليبيا. ولم تتحدد معالم هذا المشروع حتى الآن، ويرتبط توقيته باعتبارات كثيرة ميدانية وسياسية، ولكن الأكيد أن السيسي خلال التنظيم سيكون منفتحاً على كل الرؤى بما في ذلك الإيطالية، والتي أظهرت الفترة الماضية بعد مؤتمر باليرمو في نوفمبر الماضي اتساع الهوة بينها وبين الرؤية المصرية للصراع الليبي”.

التنسيق الفرنسي المصري

وعما إذا كان هذا المشروع مرتبطا  بمحاولة إيطاليا إقامة مؤتمر قريب في مصر يجمع الفرقاء الليبيين قبل منتصف العام الحالي، بحسب ما ذكرته مصادر أوروبية الأسبوع الماضي، لفتت مصادر مصرية إلى أن “المشروعين مختلفان تماماً، على الأقل حتى الآن”.

وتسعى إيطاليا بشكل أساسي الوصول إلى صيغة تفكّك التنسيق الفرنسي المصري بشأن العمليات الميدانية وهجوم حفتر، وكذلك تضمن فتح مفاوضات على مستوى متقدّم حول خارطة المستقبل في ليبيا، ومدى تمسك مصر والإمارات بوجود حفتر والموقع الملائم له، بالإضافة إلى ملف آخر يعتبر محورا رئيسيا للنزاع على ليبيا بين إيطاليا وفرنسا، وهو الاستحواذ على عقود استخراج وتوريد النفط من الآبار العملاقة التي تتحكم فيها مليشيات حفتر حتى الآن…

وتحاول إيطاليا إغراء السيسي بالقيام بدور سياسي أكبر في ليبيا على صعيد ملف “توحيد الجيش الليبي” والذي كان قد تولاه لعامين تقريبا برعاية فرنسية إيطالية، قبل أن تفشل هذه الجهود رسميا وتنتهي إلى رعاية مصرية-إماراتية-روسية لمليشيات حفتر والمليشيات الصغيرة المنضوية في صفوفها فقط.

وتزامنت زيارة حفتر إلى القاهرة منتصف الشهر الحالي مع الموعد الملغى للمؤتمر الليبي الوطني الذي كان مقررا عقده في مدينة غدامس منتصف الشهر الحالي، في رسالة فسرها مراقبون بأن السيسي ومن خلفه الإمارات والسعودية تعمّدوا توجيهها إلى إيطاليا والدول الداعمة لحكومة الوفاق، مفادها أن الحل يكمن في مكانة مميزة لحفتر في خارطة المستقبل، وأن الحل النهائي يجب أن يكون مصريا أو يحظى بقبول مصر والدولتين الخليجيتين من خلفها.

Facebook Comments