بقلم: عامر شماخ

 

فى نهاية تسعينيات القرن الماضى سُئل المستشار محمد المأمون الهضيبي -كان وقتها المتحدث الرسمي للجماعة- سؤالا حول احتمالية أن تؤدي الخلافات الداخلية فى الإخوان والانشقاقات المتكررة إلى تصدع بنية الجماعة ومن ثم انهيارها، فكانت إجابته كالتالي:

 

«من الطبيعى فى أى مؤسسة تستمر لفترة طويلة من الزمن، أن يحدث خلاف فى وجهات النظر لدى أفرادها.. ودائمًا يحدث ضيق فى وقت الأزمات، والبعض لا يستطيع أن يصبر على تلك الأزمات، ويتصور البعض الآخر أنه يستطيع أن يحقق هدفه بأساليب أخرى، وقد يضيق البعض بالمحنة فلا يستطيع أن يتحملها..

 

ودائمًا تكون المؤسسة قوية، لا تؤثر فيها تلك الانشقاقات، بل يظل جسمها متماسكًا، ويكون لديها الثقة فى تبنى وجهات النظر التى حسمتها بطريقة شرعية شورية راقية.

 

وفى الإخوان قاعدة أساسية فى التعامل مع المنشقين تقول: «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه»، فالجماعة -فى تعاملها مع المختلفين معها- تلتزم الخلق الإسلامي، فلا تعادى أحدًا، ولا تجرح شخصًا ولا هيئة.. وإن كان مسئولوها يضطرون -أحيانًا- إلى الرد على بعض ما يوجه إليهم.

 

وفى الواقع لا يريد الإخوان أن يكون بينهم وبين أحد خصومة؛ لأنهم يوجهون جهدهم للدعوة، ولا يريدون أن ينشغلوا بخصومات، ولو فعلوا لكان ذلك على حساب حصة العمل الدعوى والتمكين لدين الله».أ.هـ.

 

وهذا الكلام نتيجة طبيعية لما تربى عليه الإخوان؛ فمنذ نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، حرص الإمام الشهيد حسن البنا على إيجاد وسائل تربوية من شأنها تشكيل رباط قوى وتفاعل عميق بين أفراد جماعته، فأنشأ الكتيبة الإخوانية، وهى أشبه بمعسكر مغلق، يجتمع فيه الإخوان من بعد صلاة العصر حتى فجر اليوم التالي، يأكلون ويشربون سويا، ويتذاكرون ويصلون ويتهجدون، ويتدارسون أحوالهم جميعها، وأحوال وطنهم وأمتهم.. وأنشأ بعد ذلك الأسرة الإخوانية، وهى محضن تربوى متين، وقد صارت ثابتًا من ثوابت الجماعة، ففيها يلتقى مجموعة من الإخوان (5- 8 أفراد) بشكل دورى (أسبوعي)، يتدارسون منهجًا ثقافيا معينًا، ويبحثون فى وسائل تعميق الإيمان، وروابط الحب والألفة، إضافة إلى المشاورة فى أعباء التنظيم والحركة، وغرض الأسرة فى الأساس: التعارف، والتفاهم، والتكافل بين أفرادها. وهاتان الوسيلتان، إضافة إلى وسائل أخرى، كالرحلة والمعسكر الكشفي، تتيح مناخًا وجوًّا من الحب والود وسلامة الصدر، والتناصح والتغافر والمصارحة والشفافية، وهى توجه إلى المثل العليا، وترفع الأخوة من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات.

 

وعمومًا فإن الإخوان يحمل بعضهم عبء بعض، ويتعهد بعضهم بعضًا بالسؤال والبر، وهم جميعًا يؤمنون بالإخاء وسمو الرابطة، ولديهم شعور قوى بالحب فى الله والارتباط على الخير، وطهارة القلب من الأحقاد والضغائن.

 

وما زالت الجماعة على العهد حتى اليوم.

 

– فهى حريصة على تقوية الجانب الإيمانى أو الربانى فى نفوس أعضائها؛ بإحياء القلوب وترقيقها، والتزام السنة، واجتناب البدعة، والاهتمام بالفرائض، والترغيب فى صلاة الجماعة، والترغيب فى التطوع، وفى ذكر الله، وإيقاظ الشعور الديني، وتنمية الوازع الذاتي.

 

– وهى حريصة على تكامل وشمول هذه التربية، فهى لا تهتم بناحية وتهمل أخرى، ولا تحصر نشاطها فى جانب دون آخر، وإنما اهتمت بعقل الفرد وقلبه معًا، وبروحه وبدنه معًا، فهى تعنى بالتربية الجهادية كما تعنى بالتربية الاجتماعية فى آن واحد.. ومن أهم ما عنى الإخوان بغرسه فى أنفس رجالهم من الفضائل: الصبر، الثبات، الأمل، البذل.

 

– وهى حريصة على الاعتدال والتوازن فى تربية أفرادها -كما يقول الدكتور القرضاوي-: «فهم يوازنون بين العقل والعاطفة، وبين المادة والروح، وبين النظر والعمل، وبين الفرد والمجتمع، وبين الشورى والطاعة، وبين الحقوق والواجبات، وبين القديم والجديد»..
وإذا كان المسلمون وسطًا بين الأمم والملل، وكان أهل السنة وسطًا بين الفرق، فالإخوان وسط بين الجماعات الإسلامية، فهم ينظرون إلى المجتمع من أفق رحب ومن زوايا متعددة، وبروح طيبة سمحة، وبقلب كبير.

 

– وهى حريصة على غرس معانى الأخوة والجماعة فى نفوس أعضائها، فالأخوة عندهم أحد أركان البيعة العشرة، ودعوة الإخوان تقوم على ثلاثة أركان هي: الفهم الدقيق، والإيمان العميق، والحب الوثيق.

 

من أجل هذا كله، فإنا واثقون -إن شاء الله- أن تسمو رابطة الإخوة فوق كل الخلافات، وأن يمنع الخلق الإخوانى من أن يكون هناك خصام بين الأخ وأخيه ممن فاقت الصلة بينهما صلة الدم والقرابة.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments