خلص المحلل السياسي بالصحف والدوريات السياسية الغربية، ماجد مندور، في تقرير له، إلى أن الاعتراض على عقوبة الإعدام في مصر أدّى إلى تراجع الإعدامات، لكنه دفع بالقوى الأمنية إلى اللجوء بصورة متزايدة إلى الإعدام خارج نطاق القضاء والإخفاء القسري.

ورأى كاتب عمود “سجلات الثورة العربية” لدى موقع “أوبن ديموكراسي”، أن حكومة الانقلاب أدركت رد الفعل الدولي المحتمل جراء اللجوء إلى الإعدام وسيلةً أساسية للقمع، فـ”باتت تعتمد بصورة متزايدة على التصفيات المنهجية والإهمال الطبي في مراكز الاحتجاز خلال فترات الحجز المطوّلة من دون محاكمة، بدلاً من اللجوء إلى الإعدام الرسمي”.

وأضاف أن الانقلاب يقرن هذه الممارسات بسياسة الإخفاء القسري، حيث يُختطَف المئات سنويا، وعددٌ قليلٌ منهم فقط يظهر من جديد، ووفقا لمركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، سُجِّلت 464 حالة اختفاء قسري في العام 2015، وارتفع العدد إلى 980 حالة في العام 2016.

وأوضح في مقاله الذي نشرته أيضا صفحة “صدى” بموقع مركز كارنيجي للشرق ألأوسط على الإنترنت، أن الانقلاب يستخدم الإخفاء القسري على وجه الخصوص ضد النشطاء السياسيين، وفق ما أورد الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي التابع للأمم المتحدة، وتعود هذه السياسات إلى العام 2013، لكنها اكتسبت زخما مع نمو سلطة المؤسسة الأمنية التي تعزّزت بصورة إضافية من خلال الاستفتاء الدستوري الذي أُجري في 20-22 أبريل، وأسفر عن إحكام السيسي قبضته على السلطة.

وتوقع مندور أن تتسارع وتيرة التصفيات، ما سيؤدّي بصورة شبه مؤكّدة إلى مزيد من التشدد وزعزعة الاستقرار.

الإعدامات غير المرئية

وتحت عنوان “الإعدامات غير المرئية في مصر”، أشار ماجد مندور إلى إعدام تسعة مدّعى عليهم متّهمين باغتيال النائب العام المصري هشام بركات، ما أثار استياء دوليا شديدًا، وأُطلِقت اتهاماتٌ بأن محاكماتهم لم تكن عادلة، وبأنه تم اللجوء إلى التعذيب لانتزاع اعترافات منهم. وهكذا فإن حكومة الانقلاب، وإدراكا منها لرد الفعل الدولي المحتمل جراء اللجوء إلى الإعدام وسيلةً أساسية للقمع، باتت تعتمد بصورة متزايدة على التصفيات المنهجية والإهمال الطبي في مراكز الاحتجاز خلال فترات الحجز المطوّلة من دون محاكمة، بدلاً من اللجوء إلى الإعدام الرسمي. كما أن النظام يقرن هذه الممارسات بسياسة الإخفاءات القسرية، حيث يُختطَف المئات سنويا، وعددٌ قليلٌ منهم فقط يظهر من جديد.

منهجية التصفيات

وأشار الباحث إلى أن قوى أمن الانقلاب تستخدم التصفيات (الاغتيالات) بطريقة منهجية بدلاً من الإعدام الرسمي الذي تراجعت وتيرته في الأعوام الأخيرة على الرغم من الزيادة في أعداد أحكام الإعدام الصادرة في البلاد: فمن أصل نحو 600 حكم بالإعدام صدر في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2018، لم يُنفَّذ سوى 32 حكمًا. ومع تراجع عدد الإعدامات الرسمية، من 44 في العام 2016 إلى 32 في العام 2018، سجّل عدد الإعدامات خارج نطاق القضاء زيادة دراماتيكية، فقد زعمت داخلية الانقلاب أن قوى الأمن أقدمت، بين الأول من يوليو 2015 و31 ديسمبر 2018، على قتل 465 “متشددا” مشتبها بهم خلال ما ادُّعيَ أنها عمليات تبادل لإطلاق النيران.

وأضافت أن داخلية الانقلاب ادعت أن 117 شخصا من هؤلاء القتلى هم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، وصنّفت 320 منهم بـ”الإرهابيين” و28 بـ”المجرمين”. ولقي 104 أشخاص فقط من مجموع القتلى مصرعهم في شمال سيناء حيث تواجه القوى الأمنية المصرية صعوبة في احتواء تمردٍ عنيف.

روايات ملفقة

وقال: غالبا ما تلجأ قوات أمن الانقلاب إلى التفسيرات نفسها بعد عمليات تبادل إطلاق النيران. فهي تدّعي عموما أن عناصر الأمن اقتربوا من مخبأ المتشددين المشبوهين أو أعضاء الإخوان المسلمين، وأن هؤلاء تبادلوا إطلاق النار مع عناصر الشرطة، ما أسفر عن مقتل “المتشددين” المشبوهين، في حين أن القوى الأمنية تتكبّد إصابات محدودة أو لا تتكبد أي إصابات على الإطلاق.

وأضاف وفقًا لبعض شهود العيان، أن هذه الروايات عن تبادل إطلاق النيران ملفّقة، كما أن الصور الفوتوغرافية التي تنشرها وزارة الداخلية لا تتطابق مع روايات الأجهزة الأمنية. فهذه الصور، وبدلا من أن تُقدّم البرهان على عمليات تبادل إطلاق النيران التي تدّعي القوى الأمنية حدوثها، تُشير إلى أن الضحايا توفّوا جراء إعدامهم عن مسافة قريبة ونُقِلوا بعد وفاتهم.

إعدام بالإهمال الطبي

وكشف مندور عن أن الإهمال الطبي المتعمد في السجون ومراكز الاحتجاز المصرية يتسبّب بوفاة المئات في الاحتجاز. ففي العام 2015 مثلاً، وثّق مركز النديم 81 حالة وفاة في مراكز الاحتجاز بسبب الإهمال الطبي (بمعزل عن الأشخاص الـ137 الذين أشار المركز إلى أنه تمت تصفيتهم مباشرةً داخل أماكن الاحتجاز). وقد بقي هذا العدد على ما هو عليه في العام 2016، مع 80 حالة. وقبل ذلك، وُثِّقت 170 حالة وفاة بسبب الإهمال الطبي اعتباراً من يوليو 2013 حتى مايو 2015.

وتابع أن هذه النزعة استمرت حيث توفي سبعة محتجزين بسبب الإهمال الطبي خلال شهر يناير 2019. ومن الأشخاص الذين توفوا جراء الإهمال الطبي شخصيات مرموقة مثل جمال سرور، المدافع البارز عن حقوق الإنسان الذي توفّي في الخامس من نوفمبر 2017 بسبب نقص الوصول إلى الأدوية.

كذلك توفّي النائب السابق محمد الفلاحجي، وفريد إسماعيل، من جماعة الإخوان المسلمين، في 25 مايو و13 مايو 2015 على التوالي، بسبب الإهمال الطبي. وتُضاف إلى ذلك سياسة عامة قائمة على سوء المعاملة والتعذيب والاكتظاظ في السجون، ما يتسبب أيضًا بوفاة السجناء. فعلى سبيل المثال، يُقال إن سجن العقرب سيئ السمعة “صُمِّم بحيث إن من يدخله لا يخرج منه حيًا”.

https://carnegieendowment.org/sada/79000?lang=ar

Facebook Comments