بدأت الإمارات تأخذ منحى الفض على الشارة والثوار بتحريض واضح، بعدما نشرت “سكاي نيوز”- التي تنطلق من أبو ظبي- خبرًا يزعم مقتل جنود من المتظاهرين؛ تشويهًا للثوار ودفعًا للرد الانتقامي، وهو ما لم تشهده السودان في انقلاباتها السابقة، حتى إن الثوار ألمحوا في بيان المجلس العسكري الانتقالي بخصوص المتاريس والطرق والكباري، ليلة أمس، إلى أن فتحهم للمتاريس والكباري تم بالتنسيق مع قوى الحرية والتغيير.

وعلى مستوى القرار، باتت أموال الإمارات تؤثر للدرجة التي استشعر معها السودانيون من الثوار (قوى الحرية والتغيير) أن المجلس العسكري غير جاد في تسليم السلطة للمدنيين، ووجدوا انتقاصًا يوميًّا من صدقيتهم.

كما يجد العسكر مساندة للاستمرار مستغلين عنصر الوقت، يدعمهم في ذلك مجلس السلم والأمن الموكل من الاتحاد الإفريقي، الذي يرأسه السيسي، بمنح مجلس البرهان وحميدتي في السودان 60 يومًا لتسليم السلطة للمدنيين!.

مدنية السودان

ورغم خوفها من الإسلاميين، إلا أن قوى الحرية والتغيير شددت، في مؤتمر صحفي عقد أمس، على التمسك بسلطة مدنية حقيقية في السودان، وأن السودانيين يترقبون أن يسلم المجلس العسكري السلطة للمدنيين.

وتجاه ما يشاع عنهم من إعلام “العربية” و”سكاي نيوز”، أكدت القوى “التمسك بسلمية الثورة، ورفض الانجرار للعنف”. كما شددت على ما أعلنته من قبل بتمسكها بـ”وجود مجلس سيادي مدني مع تمثيل محدود للعسكريين”، على عكس ما يريده الجيش، حيث “يريد مجلسًا سياديًّا عسكريًّا بتمثيل مدني محدود للغاية”.

ويجد الشعب السوداني نفسه محشورا في زاوية الدفاع عن نفسه ضد محور الشر والثورات المضادة العربية، كفلاء المحتل الغربي، فتجد الأكاديمي القومي د. تاج السر عثمان يحذر من الإمارات، ويقول تعليقا على خبر “سكاي نيوز عربية”: “السودان.. قتلى من عناصر الأمن في مواجهات مع متظاهرين”: “بدأت الإمارات فعليا باستهداف الشعب والتمهيد إعلاميًّا لاستباحة دمه في #اعتصام_القيادة_العامة.. يجب التمسك بالعمل الثوري السلمي، وتجاهل الخلافات، وسيتهاوى مخطط إسبرطة الصغيرة بسهولة.. فالشعب في أوج قوته وأدوات الإمارات في أضعف حالاتهم”.

وما تزال أصداء تلميع مراسلة قناة العربية من الخرطوم، رفيدة ياسين، لنائب رئيس المجلس العسكري حاضرة في أذهان السودانيين، ففي مثل هذه الأوقات الحرجة في تاريخ السودان يعتبرون أن تصرفها غير مبرر وهرولة للعسكر.

أجندة حميدتي

ويعتبر الثوار أن محمد حمدان، نائب رئيس المجلس العسكري، يعمل على تحقيق أجندة إماراتية سعودية، لذلك يبدو أنهم عازمون على مواجهته بقوة، محذرين الإمارات من البحث عن مصالحها داخل السودان، ومعها قنواتها الموجهة، فمنفذ حرية السودان أقوى من ظلام الإمارات والسعودية.

وبتجاهل الثورة التي في الشارع، والحشود الجماهيرية التي خرجت تطلب مدنية السلطة، واصل محمد حمدان دقلو تهديداته باستعادة الأمن، بشكل ظاهره رفض “الفوضى”.

وفي لقائه، أمس، مع وحدة شرطية في الخرطوم، قال نائب المجلس، أمس الثلاثاء، “ملتزمون بالتفاوض في السودان لكن لا فوضى بعد اليوم”، لافتا إلى أن وفد قوى الحرية والتغيير قفز إلى مطالب غير متفق عليها.

وأوضح محمد حمدان دقلو، نائب رئيس المجلس الانتقالي السوداني في مؤتمر صحفي، ما جرى في جولات الحوار مع قوى التغيير، مشيرا إلى أن مواقف وفد قوى الحرية والتغيير لم تتسم بالصدق.

وأكد المتحدث أن “قوى الحرية والتغيير في السودان تمنع ناشطين من اعتلاء منصة الاعتصام”، مشددا على رفض المجلس الانتقالي “قبول أي فوضى”، كما أشار إلى أن “هناك من يحاول إثارة الفتنة”. وأكد المجلس الانتقالي السوداني أنه “استجاب للمطالب بتشكيل حكومة كفاءات وطنية”.

وكشف المجلس عن أنه يريد “الانتقال بالثورة من مرحلة الانتصار إلى بناء الدولة”، متعهدا بعرض “رؤية قوى التغيير على القوى الأخرى”. وقال إنه “طالب قوى التغيير بفتح الكباري والطرق”.

وأعلن المجلس أنه يريد “التفاوض مع وفد موحد ومفوض من قوى الحرية والتغيير”، وأنه يسعى إلى “فرض هيبة الدولة في الشارع، وسيواصل العمل على حفظ الأمن”.

وأوضح المجلس أنه “لن يقبل باستمرار إغلاق الطرقات وتعطيل حياة الناس”، وأن “من مصلحة الشعب السوداني فتح الطرقات والجامعات”.

كما أشار إلى “وجود حركات مسلحة بين صفوف المتظاهرين”، وهو ما استقاه من خبرات للعسكر في مصر والجزائر.

وأضاف قائلا: “لدينا واجب أخلاقي تجاه الشعب السوداني ونقله لدولة ديمقراطية”. لافتا إلى أنه “جاهز لأي زمن يستغرقه التفاوض”. معربا عن التزامه بعدم ممارسة أي انتهاكات ضد المتظاهرين.

حجم الإسلاميين

أبرز الملاحظات في المشهد السوداني هو عدم ظهور الإسلاميين عامة و”الإخوان” خاصة، بشكل ملحوظ، لا في وفود قوى الحرية والتغيير أو في الاستحواذ على منصات الثوار من أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، حيث مقر الاعتصام إلى الآن.

ولعل ما يفسر ذلك عدم رغبة جميع الأطراف، لا سيما المجلس العسكري الانتقالي، في إبرازهم، فبوجودهم كأحد عناصر المشهد السوداني، يكشف عن حجمهم انتخابات نزيهة تبرز ذلك، أو مخافته من فقد الدعم المقدم من الإمارات والذي يبلغ 3 مليارات، بخلاف دعم غير معلن من السعودية، وهو أقل بكثير مما تلقاه العسكريون في مصر من السعودية والإمارات، قدره أحدهم بـ50 مليار دولار، وما نطق به محمد بن راشد، رئيس وزراء الإمارات، بـ24 مليار دولار.

كما أن عموم الشعب السوداني لا يجد خصومة مع الإسلاميين بحكم الطابع المجتمعي الصوفي المميز، ليس فقط لأفراد الشعب بل لإخوان السودان أنفسهم، وهم بذلك أقرب للتربويين منهم إلى السياسيين، بعكس إخوان الخليج الذين يجد بعضهم الميل للدعوة السلفية أقرب إلى منهجهم.

وتلوح في الأفق السوداني صورة المشهد المصري الذي اختلف فيه “الثوار” و”النشطاء” مع المجلس العسكري في العلن، واتفقوا على كراهية الإخوان، فمع وجود دعم معلن من السعودية والإمارات للمجلس العسكري الانتقالي بالسودان، وإظهار عداء واضح للإسلاميين، فإن السودان مؤهلة لانقسام فعلي كما حدث في مصر.

ويبقى الرهان على وعي الثوار وعدم الوقوع في الفخ؛ لأن ثمرة الثورة لن يقطفها أحد سوى العسكر، وقد يصبح الوضع أسوأ مما هو حاصل في مصر.

Facebook Comments