تلاحق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة أزمات وتحاصره الكثير من الاتهامات السياسية والعقلية، أهمها بعد ما قرر بول مانافورت، مدير الحملة السابقة للرئيس الأمريكي، أن يتعاون مع المحققين بشأن التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية 2016، بخلاف اتهام ترامب بمرض عقلي يحول دون أدائه بجوره كرئيس للبيت الأبيض؛ هذه الاتهامات مدعومة بآراء خبراء ومتخصصين وأطباء نفسيين؛ وأمام هذه الاتهامات تسيطر على الحوارات داخل المؤسسات الأمريكية إجراءت عزل الرئيس وهل يمكن أن تتم وفق الدستور الأمريكي وكيف يتم ذلك أم الأمر مرهون بنتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس والمقررة نوفمبر المقبل؟

المخاطر تحاصر ترامب بعد مثول بول مانافورت أمام المحكمة، وتهيمن على المشهد السياسي الأميركي. ولا تتوقف مخاوف ترامب عند العزل، فهو مهدد بالملاحقة القضائية في حالة تنحيه عن منصبه. وكان محاميه السابق مايكل كوهين قد شهد تحت القسم إن الرئيس كان شريكا متآمرا في الانتهاكات التي شهدتها الحملة الرئاسية؛ ما يفتح الباب لمحاكمته بعد عزله؛ لأن الاتهامات والاعترافات الاستثنائية لكوهين لن تسفر عن أية اتهامات جنائية ضد ترمب وهو في السلطة.

مصالح خبيثة

ونقل برنامج مع الصحافة بقناة NBC عن آدم شيف، العضو الديمقراطي بلجنة الاستخبارات بالبرلمان، قوله » بول مانافورت يجمع بين عدد من المصالح الخبيثة. ابن الرئيس حاول أن يحصل على معلومات من الروس في برج ترامب. والرئيس نفسه طلب من الروس معلومات تسيء إلى هيلاري كلينتون في بيان عام”، طبقا لما ورد في تقرير لصحيفة the guardian البريطانية. “حاول مانافورت الحصول على أموال من الروس… وأراد الروس إقامة علاقة مع حملة ترامب ومساعدته على الفوز بالانتخابات. وتلتقي كل تلك المصالح مع بول مانافورت؛ ولذلك نود أن نعرف في الأساس ما يستطيع مانافورت أن يبلغنا به بشأن ما إذا كان ذلك قد تحقق”.

وأضاف شيف أنه «يحاول الحصول على المال، وهم يحاولون الحصول على معلومات مسيئة، ويحاول الروس مساعدة ترامب. فهل كان هناك توارد خواطر بينهم؟ ويعد بول مانافورت شخصية رئيسية تساعدنا على التوصل إلى ما إذا كانت هذه الأحداث سلسلة من المصادفات غير المحتملة أم أنها مؤامرة فعلية”.

كان بول مانافورت قد أقر بإدانته بتهمتين جنائيتين صباح الجمعة الماضية حسب تقرير لوكالة afp وأبرم صفقةً لتخفيف العقوبة، حيث وافق على مساعدة المحقق الخاص روبرت مولر في تحقيقه بشأن التدخل الروسي في انتخابات عام 2016. وحددت الصفقة كيف ينبغي أن يسلم مانافورت الوثائق ويُطلع المسؤولين على «مشاركته ومعلوماته عن كافة الأنشطة الجنائية المتعلقة بالحملة”.

هل ترامب مجنون؟

كما تلاحق دونالد ترامب ظلالُ أشباحٍ كثيرة، باتت تهدد بشكلٍ جدي فترة إقامته في البيت الأبيض، أكثرها خطورة “التمرد” الذي علا صوته من داخل إدارته، ولو بشكل “سرّي” حتى الآن، والذي يشكو، ولو بطريقة غير مباشرة، من رئيسٍ للولايات المتحدة غير متزن عقلياً، وغير ملمٍ سياسيا لمواصلة مهامه. واستناداً لما يتيحه الدستور الأميركي، تجول التمنيات بعزل الرئيس في ما يمكن استخدامه لتحقيق هذا الهدف، سواء عبر انتظار تحقيق روبرت مولر حول التدخل الروسي، أو التمسك بحبل نجاة آخر، قد يساعد على تحييد دونالد ترامب، والعودة إلى منطق “عقلانية الاستبلشمنت” المتعارف عليه لدى صانعي القرار في الولايات المتحدة.

وقد يكون حبل النجاة هذا، الذي تشتهيه النخب الأميركية والقواعد المناوئة لترامب، الوصول إلى تقييم طبي واضح وصريح، يؤكد إصابته باضطراب عقلي، وهو في الواقع تقييمٌ لم يسلم منه الرئيس الأميركي منذ وصوله إلى السلطة، سواء أكان على شكل تقارير صحفية مدعومة بآراء مختصين، أم على شكل مؤلفات، أم رسائل وتقارير وقّعها أطباء نفسيون.

شهادات أطباء

وأجمعت العديد من التقارير الصحاية المستندة إلى شهادات أطباء نفسيين، على إصابة دونالد ترامب بـ”النرجسية الخبيثة” التي تفتقر إلى علاج.

وتقول الطبيبة النفسية الأسترالية هيلين ماكغراث، إن ترامب، رغم بدء إنصاته إلى المحيطين به شيئا فشيئا، إلا أنه سيبقى يظن نفسه “رجل التفلون”the Teflon man، وهو المصطلح الذي يسري على الأشخاص الذين لا يقبلون أن يحاسبوا على أي خطأ ارتكبوه. وبنظر ماكغراث، فإن المصاب بـ”النرجسية الخبيثة” يعتقد دائماً بأنه الأكثر ذكاء، وبأنه دائماً على صواب.

وفي كتاب “حالة دونالد ترامب الخطيرة”، الصادر في الثالث من أكتوبر 2017، من تأليف بادني لي، خرج 27 باحثا نفسيا وخبيرا في عالم الصحة النفسية، عن “حيادهم”، كما يقولون، وقاموا بتقييم حالة الرئيس الأميركي الحالي العقلية من خلال خطابه وسلوكه على مدى طويل من حياته العامة، ليصلوا إلى أنه “رجل معقد، ومجنون بشكل خطير”.

وفي يناير الماضي، خرج مقالٌ في “ديلي إنتلجنسر”، كتبه إريك لفيتز، بعنوان “الرئيس ليس بصحة جدية عقلياً، ومن حوله يعلمون ذلك”، تحدث عن توافق الآراء حول وضع ترامب العقلي بين المحيطين به، والباحثين الذين يراقبونه من بعيد، ليصل الأمر إلى الحديث عن “انحدار عصبي”، بعد متابعة خطابه الذي أعلن فيه الاعتراف بالقدس “عاصمة لإسرائيل”، وعدم ترابط أفكاره خلال مقابلة مع لصحيفة “نيويورك تايمز”، مروراً بتغريداته الشاردة، ووصولاً إلى ما تضمنه كتاب “نار وغضب” حول كواليس البيت الأبيض في عهد ترامب لمايكل وولف.

وخلص التقرير، الذي وصف كل ما يدور بـ”الجنون”، إلى أن الجمهوريين لا يريدون عزل ترامب، رغم إدراكهم لقصوره العقلي، معتبراً أن كل الحوار حول “مرض ترامب العقلي” اتسم بالسخافة المقصودة، رغم أن علامات خرف أصبحت ظاهرة على الرئيس الأميركي، ورغم أن نرجسيته ليست أبداً “وهمية”، مستشهدة بقول السيناتور الجمهوري بوب كوركر (أكتوبر 2017) بأن البيت الأبيض تحول إلى “دار حضانة للبالغين”، وأنه على علمٍ بأن “كل يوم في البيت الأبيض يشهد محاولات لاحتواء الرئيس”، مؤكداً أن زملاءه في الحزب لديهم جميعهم تقييم مشابه لتقييمه.

التجديد النصفي للكونجرس

وتوشك انتخابات التجديد النصفي على الانعقاد بعد نحو أقل من شهرين، ويسعى الجمهوريون إلى الاحتفاظ بأغلبيتهم في البرلمان، مدركين أنه في حال سيطر الديمقراطيون على البرلمان سيصبح الباب مفتوحاً أمام اتخاذ إجراءات عزل دونالد ترامب.

وتأثر أداء الجمهوريين بالضجة التي تثيرها تحقيقات مولر. وأصبح فوز حزبهم بالأغلبية غير مرشح لتغيير كبير في سياساتهم أو في الأزمة التي يعيشها ترامب. وفي حال فوز الحزب الديموقرطي بالأغلبية يمكنه المضي قدما في الإجراءات ضد ترامب، ليس من أجل عزله بل للحيلولة دون إعادة انتخابه عام 2020.

وعاد ترامب ليدافع عن نفسه وكتب تغريدة صباح اول امس الأحد نصها «تتواصل تحقيقات مولر غير القانونية بحثاً عن أي جريمة. لم يحدث أي تواطؤ مع روسيا، باستثناء تواطؤ حملة كلينتون. ومن ثم، يبحث الديمقراطيون الغاضبون البالغ عددهم 17 عضوا عن أي شيء يمكنهم العثور عليه. أمر غير منصف للغاية للبلاد، كما أنه غير مسموح به بموجب القانون”.

يذكر أن المسئول “المجهول” داخل إدارة ترامب، كان قد كتب في مقال بصحيفة “نيويورك تايمز” الأسبوع الماضي أنه “في ضوء عدم الاستقرار الذي شهده كثيرون، كانت هناك همسات مبكرة داخل الإدارة تدعو إلى اللجوء للتعديل الخامس والعشرين لبدء عملية معقدة لإزاحة الرئيس”، مضيفاً “لكن ما من أحد أراد التعجيل بأزمة دستورية. لذلك سنفعل ما في وسعنا لتوجيه الإدارة في الاتجاه الصحيح، إلى أن ينتهي الأمر بطريقة أو بأخرى”.

 

Facebook Comments