بقلم: رضا رشاد – المحامي

 

يظن البعض أنه إذا عاش مظلومًا مهضوم الحق مهيض الجناح فإن ذلك يعد سببًا في دخوله الجنة، ومن هذا الباب تجد الناس يبررون لأنفسهم العجز وقلة الحيلة عن مقاومة الظلم والظالمين، ويعبر عن ذلك بعبارة بسيطة "واحنا في إيدينا إيه نعمله؟"، وكأنه بذلك قد حصل على صك البراءة، وأوجد لنفسه المبرر للوقوف مكتوف الأيدي في مواجهة ما يحدث من تجويع، واحتكار للسلطة، والفساد المالي والإداري والعبث بمقدرات الشعب وحقوق الإنسان.

وأخيرًا يطال العبث إنسانية الإنسان وكيانه، الذي جعل الله حرمته أشد من حرمة الكعبة.. ويطال العبث الأعراض فتنتهك من خونة العسكر عيانًا بيانًا، ويطال العبث حرمات الدين بحرق وغلق وهدم المساجد والاعتداء على القرآن والصحابة في قنوات الإعلام وغلق الجمعيات الخيرية.. ماذا بقي لك في حياتك، قد تظن أن الأمر بعيد عنك لأنه لم يطالك، ولكنه وقع في أناس تعرفهم، وقد يكونون من أقرب الناس إليك؟ ماذا تنتظر وقد حل نذير الشؤم بمجتمعك من حولك بسبب هذا الفجور؟

إن الاستكانة والاستسلام والاستضعاف والرضى بالذل ليس عذرًا، فإما الإنكار ولو بكلمة الحق تصدع بها في وجه الظالمين، وتصنع بها وعيًا للمغيبين، أو الإنكار بالقلب فتعرض عن الظالمين ومؤيديهم ولا تركن إليهم ولا تنتظر من ورائهم خيرًا، قال تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}، وقال: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم} [سورة النجم].

وإن لم تستطع فالهجر بدينك، وإلا حل بك لعنة الدم والظلم، كما ورد في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97].

لاحظ على الرغم من أنهم مستضعفين إلا أن مصيرهم كان في آخر الآية جهنم والعياذ بالله, وهذا حال المستضعفين الذين لا ينكرون ظلم الظالمين، ويؤيدوهم رغبة فيما لديهم، أو خوفًا من بطشهم كما بين القرآن والشرع الحنيف، اقرأ معي من أي كتب التفسير شئت الآية رقم 31 و32 و33 من سورة سبأ {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [الآية 31].

لاحظ معي لماذا خرج المستضعفين في هذا المشهد؟ وما دورهم على الرغم من أن ظاهر الآية لا يعنيهم {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ سْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ} [الآية 32].

لاحظ معي تساوي الظالم والمظلوم في الوصف بأنهم مجرمون، ولم يسلموا من الظالمين أيضا يوم القيامة، حيث يلقي الظالمون باللوم على المستضعفين بأنهم كانوا السبب المباشر بالضلال والسلبية، {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الآية 33].

انظر معي كيف ساوى الله في الجزاء بين الظالمين والمظلومين، وأطلق على المستضعين وصف المجرمين شأنهم شأن الظالمين؛ لأنهم كانوا سببا في قوة الظالمين بالسكوت عليهم، والجميع أسروا الندامة.

يسأل البعض وكيف نهاجر؟ قال صلى الله عليهم وسلم: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية)) فالنصره للحق الآن بالجهاد مالاً ونفسًا وقولًا وعلمًا وأمرًا بالمعروف ونهي عن المنكر وغيره من صور الجهاد، أقلها إنكار المنكر بالقلب، ولا نقدر ظالمًا ولا نوقره.. هذا جهاد، ومقاطعة بضائع اليهود جهاد، ومساندة قضايا الأمة بالمال وكافة أنواع الدعم جهاد، وصور عديدة من المجاهدة.

فما بالك لو أن هناك مناخًا ثوريًّا كفيل بالوعي القضاء على الظلم والظالمين الوسائل كثيرة وعديدة ولا يعدمها غيور على عرضه ودينه ووطنه.. هذا عن الجهاد.

أما النية فالمقصود عمل البر، وفعل الخير بنية إرضاء الله عز وجل، ساعتها يأتي النصر للمقهورين والمظلومين والمستضعفين؛ لأنهم أخذوا بالأسباب، خلاف ذلك فهم شركاء للظالمين، سواء يهود أصحاب مصالح أو حكام عملاء لهم أو أعوانهم. {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [الآية 98].

سبحان الله.. هذه الآية توضح أصحاب الاستثناءات والأعذار، أصحاب الرخص مثل المريض والأعمى والأعرج وما شابه ذلك الوارد وصفهم في سورة الفتح والنور في قوله تعالى {ليس على الأعمى حرج …} إلى آخر الآيات.

ولكن الذي ينظر إلى التاريخ يجد أن أصحاب الرخص الحقيقية والأعذار لم يعتذروا ولم يترخصوا أمثال سيدنا عمرو بن الجموح أيام الصحابة وخروجه في غزوة أحد، والشيخ أحمد ياسين في العصر الحالي، إنها المروءة والرجولة والشهامة التي لا تقبل الضيم والذل والهوان ولا تأخذ بالرخص رغم حقهم شرعاً في ذلك.

والآية 227 من سورة الشعراء {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} مدح الله الذي ينتصر من بعد ظلمه ولا يستكين للظلم، وكان ذلك سببًا في نجاته من الوعيد الذي ينتظر أصحاب الآية السابقة في السورة.

والآيتان 38 و39 من سورة الشورى {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} تصف المؤمنين كما أنه من صفاتهم المداومة علي الصلاة ويمارسون الشوري لاحظ ان الشورى لا تأتي بالبغي وينفقون مما رزقهم الله كذلك فإنهم لا يستكينون للبغي والظلم، وينتصرون لأنفسهم من البغي وأهله.

ثم اقرا معي الحديث الشريف روى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، في كتاب الشركة من صحيحه: ((باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه) من حديث النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)).

وها هو الهلاك قد طال الجميع.. فلا يخلو بيت من حالة فقر أو مرض والفساد قد زكم الأنوف، وهذا يعني أن السكوت عن الحق كما هو منكر شرعًا فهو أيضًا يهدد الإنسانية، فلو لم توجد المقاومة ودفع الباطل لفسدت الأرض وهلكت الإنسانية، قال تعالى {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}.

فالظلم والشر وأعوانه لن ينقرضوا من الحياة لأن الله سبحانه وتعالى قدر وجودهم اختبارا لنا، ولكن قوتهم وطغيانهم مرتبط بمدى قبول المظلوم وتعايشه معهم والسكوت عليهم، ولا يخلو زمان أو مكان من الشرفاء والأحرار الذين تتأبى نفوسهم على الظلم والضيم فكن منهم؛ لأن من رضي بالظلم ويؤيده هو والظالم عند المولى سواء.

—————————-
* الآراء المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "بوابة الحرية والعدالة".

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments