تاريخ الدول العربية من قبل سقوط الخلافة العثمانية لو ينبش فيه بظفر حكيم لسقطت أضخم الأسماء من عروش التبجيل والتكريم، فكم من خائن في رتبة زعيم، وكم من بائع أرض وعرض بشهادة وطني أصيل، وكم من “أشرف مروان” باسم مختلف لكن بجينات الولاء للعدو الصهيوني “إسرائيل”، ورحم الله من مات ولم يترك وراءه علامات استفهام تصدم شاب هتف يوما مفتخرا بالجيل القديم، معجبا ببطولات صنعتها إرادة الصهاينة، ونفذها حكام هم في الحقيقة أعداء الوطن.

وليس بالجديد في تاريخ الدول أن تتعرض في عز الحروب إلى خيانات، وتحالفات مع العدو، فقد حدث ذلك مع أعظم الدول كالولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي سابقا، لكن في قضية أشرف مروان هي خيانة توسدت الآمان جعلت من جنازته حدث عظيم في مصر، حيث علق الكاتب الإسرائيلي يوري بار جوزيف عن ذلك قائلا “لم يكن الرجل الذي شيع جنازته المصريون في 1 من يوليو 2007 وطنيا مصريا على الإطلاق، بل كان أكبر خائن في تاريخ أمتهم”.

يقول الناشط محمد البرعي:”انا كمواطن مش هيفرق معايا خالص ان مروان يطلع بطل او جاسوس ببساطة لانى متأكد إن البعض ممن اعتلى سدة الحكم فى مصر هو جاسوس رسمى ليس فقط لاسرائيل بل لكل اعداء مصر وانه نفذ سواء بقصد او بغير قصد أجندة تدمير مصر كما لم تفعل أي من حروبنا الحقيقية والله وحده هو من سينتقم منه للشعب !!!”.

3 جاسوس؟!

السؤال طرح غير مرة في دوائر المتابعين والمراقبين للانقلاب في مصر، مجرد طرحه إهانة، مجرد الاحتمال كارثة، البعض يجادل بأن هذا ضرب من التفكير التآمري، وبرغم غباء وديكتاتورية السفيه السيسي إلا أنه لا يصح، إلا أن الكثيرين لا يرون في أداءات جنرال الخراب السياسية بل والعسكرية، في سيناء مثلا، سوى كونه عميلا واضحا يتضاءل تراث أشرف مروان أمام منجزه في 4 سنوات.

إرهاصات كثيرة سبقت اتهامه الواضح بالجاسوسية، اتهامه بأنه الناجي الوحيد من طائرة البطوطي 99، التي انفجرت على السواحل الأمريكية بصاروخ أمريكي وراح ضحيتها عدد من الرتب العسكرية المصرية، بالإضافة إلى 3 علماء ذرة، فيما رفض السيسي وفقا للرواية الصعود إلى الطائرة وقرر البقاء في الولايات المتحدة لأسباب شخصية، الاتهام الذي لم يهتم وربما لم يستطع إعلام السفيه السيسي برده وتفنيده كما فعل من قبل مع اتهامات أقل بكثير.

زملاؤه من رجال المخلوع مبارك أبدوا استغرابهم غير مرة لصعوده وتخطيه لرتب وقيادات عسكرية أكثر كفاءة منه ليصبح أصغر عضو سنا ومكانة في المجلس العسكري، ثم وزيرا للدفاع، خدمات جليلة تم تقديمها للكيان الصهيوني منذ انقلاب السفيه السيسي، سواء في سيناء التي أصبحت خارج التغطية، وأطلقت يد الصهاينة فيها، ربما أكثر من الجيش المصري نفسه، الإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي عودة الترابين الذي استقبله نتنياهو واحتفى به التلفزيون الإسرائيلي في مشهد مخجل أمام العالم، بيع الجزيرتين لإسرائيل حقيقة عبر محلل صوري هم آل سعود!

أمن إسرائيل

السفيه السيسي لم يخجل من الإعلان عن دعمه الكامل للكيان الصهيوني، وأنه لن يسمح أن تكون سيناء حديقة خلفية للنيل من امن وسلامة الكيان الصهيوني، قالها غير مرة في الأمم المتحدة، ومؤخرا جاءت فلتة لسانه وفلتات اللسان دخائل أنفس لتفصح عن وجدان السفيه السيسي الذي لا يحمل سوى أمن المواطن الإسرائيلي دون غيره، ليس ذلك فحسب، بل إن السفيه السيسي حين خرج عن النص وتحدث على طبيعته، وجه حديثه إلى “المجتمع الإسرائيلي”، مطالبا إياهم بدعم حكومتهم، المجتمع لا الدولة، الناس لا الساسة.

في مصر وفي غيرها، لا يتحدث إلى الناس إلا من يحبهم الناس ويثقون به، ولذلك تستعين الأنظمة برجال الدين، ومشاهير الفن والرياضة، فيما تستعين الحكومة الإسرائيلية بالسفيه السيسي، ولم تدعم إسرائيل منذ احتلال فلسطين خادماً عربيا مثلما دعمت السفيه السيسي، ولم تتحدث بحفاوة ودفء عن عميل مثلما فعلت معه، حتى السادات الذي وقع كامب ديفيد وأخرج مصر الدولة الرئيسة بالمنطقة من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي وقدم خدمة تاريخية جليلة للكيان الصهيوني مكنته من “الاستفراد” بخصومه في المنطقة وتحيلهم واحدا تلو الآخر إلى حلفاء، لم ينل ما ناله السفيه السيسي من تقدير لدى الصهاينة في مدة قليلة، والمخلوع مبارك الكنز الاستراتيجي لم يحصل بدوره على كل هذا الإطراء والمديح والدعم لدى الولايات المتحدة والحرص الشديد من جانب الصهاينة على بقائه واستمراره.

رضا اليهود

واتضح من كارثة الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، اول رئيس منتخب للبلاد، أن منصب “الرئيس” منذ كامب ديفيد إلى الآن مرهون بـ “رضا” الكيان الصهيوني ودعمه، هذا إن كنا نتحدث عن وجود “مستقر”، من هنا يمكن أن نتفهم “ركوع” رؤساء وملوك وأمراء المنطقة أمام الصهاينة، وتواطؤهم الذي حام حول العمالة حتى أوشك أن يقع فيها في كثير من الأحيان.

أما في حالة السفيه السيسي فنحن لسنا أمام جنرال خائن يقدم أوراق اعتماده، ليحكم ويستقر، نحن أمام “منفذ”، يتحرك بشكل ممنهج لتخريب مصر اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ودينيا ونفسيا، وفتح حدوده أمام أعدائه، وهو ما يتجاوز الركوع والتواطؤ إلى الانحياز والانتماء، والتفاني.

في النهاية يرى مراقبون ان السفيه السيسي جاسوس إسرائيلي، نجح في ما فشل فيه إيلي كوهين في سوريا، امتداد أكثر خطورة لأشرف مروان، ثمرة حقيقية لكامب ديفيد وما تلاها، ويحمل من الشواهد والأدلة النظرية ما يستحق معه أن يكون قيد البحث والدراسة بعيدا عن أي تآمرية، وإذا كان ذلك كذلك، فعلي المصريين البحث كم “سيسي” في المؤسسة العسكرية مكّن لهذا المتهم بالجاسوسية من الوصول إلى الحكم والاستمرار، رغم أنف المصريين، وجيشهم؟

Facebook Comments