حالة من النشوة الغامرة والسعادة البالغة تنتاب ملامح رئيس الانقلاب عبدالفتاح السسي عندما يلتقي برئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، وكان اللقاء الذي جرى مساء الأربعاء الماضي 26 سبتمبر 2018 هو رابع لقاء يجمع بين الرجلين اللذين يوصفان بأنهما من بين الأكثر استبدادا وطغيانا على مستوى العالم، والذي تم على هامش أعمال الدورة 73 للأمم المتحدة، وهو اللقاء الذي امتد لساعتين واستحوذ الحديث عن صفقة القرن مجمل اللقاء.

أسباب سعادة السيسي

سعادة السيسي الغامرة وضحكاته وأسارير وضجه الفرحة تثير فضول الكثيرين لمعرفة الأسباب وراء ذلك، وهو تقريبا لا يكون بهذه الحالة من النشوة والفرح الغامر إلا عندما يدخل الكنيسة كما بدا مع البابا وقيادات الكنيسة في إحدى الزيارات بعكس وجهه المتجهم العابس عندما يلتقي بشيوخ المؤسسة الإسلامية من الأزهر والأوقاف والإفتاء.

السبب الأول أن القاتل الملعون هو مع تل أبيب مائة بالمائة بحسب الكاتب الصحفي وائل قنديل، مدللا على ذلك بأن ترامب في الأمم المتحدة ودائما ما يعلن أنه مع “إسرائيل”مائة في المائة، وقال السيسي في نيويورك ما مضمونه: مع ترامب مائة في المائة. بينما قال مصطفى الفقي، أحد رجال السيسي، في ذلك “إن ترامب هو أكثر الوجوه الأمريكية ارتباطًا بإسرائيل في التاريخ، واعتمادًا على اللوبي اليهودي، فهو لم يقصّر مع إسرائيل وخنق “أونروا”، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس”. الخلاصة إن السيسي مع الكيان الصهيوني مائة بالمائة، وتجلى ذلك في حالة السرور والحبور التي سكنت ملامحه، وهو يلتقي رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني، علنًاً، للمرة الثانية في المكان ذاته، للعام الثاني على التوالي، ناهيك عن اللقاءات السرّية المتعدّدة، والاتصال الهاتفي بينهما، مرتين أسبوعيًا على الأقل، وفقًا لما تؤكّد عليه الدوائر السياسية والإعلامية الصهيونية.

السبب الثاني أن السيسي يبدي ولاءه التام للمشروع الصهيوني مدركا أن شرعية نظامه تقوم على ضمان أمن “إسرائيل” وأن انقلابه الذي تم بإشراف ورعاية أمريكية كاملة وبدعم لا محدود من بعض عواصم الخليج الثرية إنما جاء من أجل حماية أمن الصهاينة وخوفا عليهم من استمرار نظام ديمقراطي في مصر خصوصا إذا وصل إلى الحكم إسلاميون حتى لو كانوا معتدلين. فالهدف هو التأكيد على الولاء الكامل للمشروع الأميركي الإسرائيلي، بوصفه التعويذة السحرية، والمسوّغ الأهم، للبقاء في السلطة، ليعود شاهرًا صوره مع ترامب ونتنياهو في وجه من يفكّر في معارضته أو يحلم بإزاحته من الحكم.

السبب الثالث أن السيسي تعلم في المؤسسة العسكرية الانبطاح والتزلف لمن هم أعلى منه رتبة، وعلى هذا الأساس تقوم الهرمية في المناصب داخل المؤسسة العسكرية، وهو يشعر بالدونية أمام الأمريكان وهو ما يفسر جلوسه بأدب جم في حضرة ترامب وكذلك انتظاره الطويل لمصافحة أوباما من قبل. كما يبدي تزلفا للأثرياء والأغنياء كما يفعل مع حكام الإمارات والسعودية، لذلك هو يبدو سعيدا ومسرورا للغاية في حضرة من لهم أفضال عليه وقادرون على دعمه أو ردعه كما يبدي أدبا جما في حضرة السادة الأمريكان وكذلك عندما وقف بأدب جم في حضرة بوتين عندما زار موسكو لأول مرة عندما كان وزير للدفاع بعد الانقلاب مباشرة.

 

الأروع على الإطلاق

وفي إشادة بالغة، وصف وزير الاتصالات الإسرائيلي أيوب قرا، الذي شارك في اللقاء ، بأنه «كان أفضل اجتماع حضره على الإطلاق» والذي انعقد على هامش الدورة الـ73 للأمم المتحدة بمدينة نيويورك الأمريكية.

وفي تأكيد على حجم التآمر والتنازل والخيانة من جانب السيسي يضيف قرا، في مقابلة مع الإذاعة العبرية العامة “ريشيت بيت”، اليوم الخميس، أنّ “واقع الشرق الأوسط سيتأثر بنتائج اجتماع السيسي ونتنياهو”.

وأشار قرا إلى طريقة السيسي في التعبير عن نفسه في الاجتماع، قائلاً: “هو لا يميل لشرح كل عبارة تصدر عنه كما نفعل نحن، ونأمل أن تسهم نتائج هذا الاجتماع في إحلال السلام الذي نتطلّع إليه”.

هذه التصريحات تعكس عدة رسائل لكنها تؤكد أن ثمة تصعيدا في منسوب التآمر والخيانة من جانب جنرال العسكر، فاللقاء هو الثاني بين اثنين من أكبر طغاة العالم حاليا، وذكر ديوان نتنياهو أنّ اللقاء الذي استمر ساعتين، تناول التطورات الإقليمية، والواقع في قطاع غزة.

وإلى جانب نتنياهو، شارك في اللقاء، كل من وزير الاتصالات الإسرائيلي أيوب قرا، مستشار الأمن القومي مئير بن شابات، المسؤول عن ملف إدارة العلاقة مع نظام السيسي السكرتير العسكري لنتنياهو آفي بلوط، ورئيس ديوان الموظفين في ديوان رئيس الحكومة يوآف هروفيتش.

يُذكر أنّ نتنياهو التقى السيسي في اجتماع علني، قبل عامين، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، في حين ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أنّهما التقيا سراً، مرتين على الأقل، إحداهما في لقاء تم في مدينة العقبة الأردنية في مارس 2016، وشارك فيه كل من ملك الأردن عبد الله الثاني ووزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري.

وكشفت صحيفة “هآرتس” أنّ نتنياهو زار القاهرة سراً، في يناير 2016، برفقة زعيم المعارضة الإسرائيلية ورئيس حزب “العمل” في حينه إسحاق هيرتزوغ، حيث بحث الثلاثة إمكانية أن تقدّم مصر مبادرة سياسية لحل الصراع مع الفلسطينيين، بشكل يسمح لقيادة حزب “العمل” بتبرير الانضمام إلى الحكومة برئاسة نتنياهو.

وإلى جانب أنّ السيسي قد اعترف، في مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست”، بأنّه “يتحدّث كثيراً” مع نتنياهو، فإنّ موقع “والاه” كشف، العام الماضي، أنّ السيسي يتحدّث إلى نتنياهو “مرة كل أسبوعين”.

وبحسب الصحفي والمحلل السياسي الفلسطيني صالح النعامي، فإن تل أبيب تراهن على دور نظام السيسي في التوصّل إلى تهدئة مع حركة “حماس”، بهدف السماح بتحسين الأوضاع الأمنية في جنوب إسرائيل، لا سيما في ظل تقديرات في تل أبيب بأنّه سيتم تبكير إجراء الانتخابات العامة في إسرائيل، وتنظيمها في الشتاء القادم، بسبب الخلاف على قانون التجنيد. وذكر معلّقون إسرائيليون، أنّ نتنياهو معني بأن يتم إجراء الانتخابات، في ظل حالة هدوء على الجبهة الجنوبية.

Facebook Comments