سيطر انقلاب الفاشي جمال عبد الناصر على كل تفاصيل الحياة في مصر، وأخطر ما سيطر عليه عقول المصريين، ولأن السينما في ذلك الوقت كانت هي الباب الأقصر للعقول، توجه الجنرال إليها موجهًا بالأمر المباشر الفنانين والفنانات إلى الانخراط في الدعاية للانقلاب العسكري تارة، أو غسل فضائحه وهزائمه المتوالية، وإظهارها على أنها تحدٍ لقوى الاستعمار والاستكبار، وباقي المصطلحات الطنانة الجوفاء التي يحفظها الناصريون عن ظهر قلب.

وفي هذا الاتجاه يبرز فيلم “بورسعيد” كأحد أهم الأفلام التي أراد بها العسكر الهروب من الهزيمة، وللفيلم روايتان: الأولى خادعة ترويها مواقع الانقلاب الإخبارية، فتقول إن الفنان فريد شوقي جلس في منزله يتابع أخبار الحرب في ذلك اليوم من الشهور الأولى عام 1957، حيث كانت دول “إسرائيل وفرنسا وبريطانيا”- لاحظ أن الناصريين يعترفون بكيان العدو الصهيوني على أنه دولة!- يشنون عدوانًا ثلاثيًا على مدن القناة، بعد قرار عبد الناصر تأميمها، والنار تملأ قلب «وحش الشاشة»، حين طرق زائر باب بيته.

وتمضي الرواية بالقول: لم يكن الزائر عاديًا بأي شكل من الأشكال ولم يكن طلبه يمكن استيعابه بسهولة، فالزائر كان رجلًا من رجال المخابرات، جاء خصيصًا ليخبر «شوقي» أن الزعيم نفسه يرغب في مقابلته، وكان على «ملك الترسو» أن يستعد في دقائق للقاء لم يتوقعه أبدًا، خاصة في توقيت حرب، وامتزجت بداخله المشاعر بين الفرحة والقلق.. ترى لماذا يريدني ناصر؟ ولم يكن لديه إجابة.. أي إجابة.

بالأمر المباشر

وبحسب رواية الناصريين، ظل السؤال يشغل باله طوال الطريق من بيته وحتى اتخذ مقعده أمام وجه الرجل الذي أصبح قائدًا للعالم العربي بأكمله، أما «ناصر» فأشعل سيجارته في هدوء ونظر إليه وسأله عن أحواله، قبل أن يعتدل في جلسته ويدخل في الموضوع: «نريد منك القيام بعمل فني يروي قصة العدوان الثلاثي، خاصة في منطقة بورسعيد لرصد المقاومة الشعبية هناك»، قال له الرئيس كما ذكر «شوقي» في مذكراته التي نقلتها جريدة «القبس»: «نريد تقديم رسالة نكسب بها الرأي العام العالمي ضد قوى الاستعمار».

وتقول الناشطة فاطمة الشيضي:” يقال إن فيلم بورسعيد كل النجوم اللى مثلوا فيه مثلوا بطلب من عبد الناصر وبدون أجر.. الفيلم ده أنا كنت بحبه جدا بس أعصابى مبقتش تستحمل كم التعريض والتطبيل …..”، ويرد الناشط شريف الوكيل ساخرا بالقول: “المهم إن الفيلم بيوريكى إن الجيش هرب وساب الشعب يحارب لوحده بس محدش خد باله من كتر التعريص”.

ويروي الكاتب وسام فؤاد حكاية عبد الناصر بالقول: “بالنسبة لي.. كان عبد الناصر مدخلا لتجريد المجتمع المصري من عافيته.. بدأ المسيرة بتكبيل المجتمع.. ودعم سلطة البيروقراطية.. وتمكين النخبة الأمنية.. قام بأشياء جميلة خلال مسيرته.. لكن المجتمع الجاهل المستبعد قادها جميعا إلى عكس المرجو منها.. الإصلاح الزراعي انتهى لتفتيت الرقعة الزراعية.. والتعليم المجاني انتهى إلى شبه عملية تعليمية”.

مضيفا “والتأميم والتصنيع انتهى إلى الخسارة ثم البيع لتمويل عجز الموازنة.. وتمكين النخبة الأمنية والبيروقراطية انتهى لتشكيل نخبة خاصة ذات مصالح مستقلة عن مصالح المواطنين.. ولا تتحقق مصالحهم إلا باستعباد المواطنين واستنزاف مدخراتهم ودخولهم واحترابهم.. وما بقي من تراثه إلا تأميم القناة وبناء السد والآن يتجاوزهما التاريخ والجغرافيا بتداعياتهما.. أفضى إلى ما قدم..”.

مغادرة مصر

أما الرواية الثانية لفيلم “بورسعيد”، تبدأ من سنة 1956 وسيطرة عبد الناصر على السينما؛ فبعد تأميم قناة السويس وحصول العدوان الثلاثي على مصر ذاك العام، وإيماناً بدور الثقافة والإعلام ومن أجل احتواء السينما لتوجيه الشعب، صدر عام 1957 قرار جمهوري ينصّ على إنشاء مؤسسة دعم السينما، وهدفها الارتقاء بالسينما عن طريق تقديم الدعم المادي، أو المعنوي من خلال تمكين صناع السينما من عرض أفلامهم في الخارج، لاحقاً، تمّ ادماج مهمة الثقافة إلى وزارة الإرشاد القومي في فبراير 1958، ثمّ إنشاء معهد السينما عام 1959.

وفي الستينيات، أممت حكومة الانقلاب العسكري صناعة السينما لصالحها؛ فتأممت شركة مصر للتمثيل والسينما، وكذلك بعض شركات التوزيع الكبيرة، مثل “الشروق” و”دولار فيلم”، وبعض الأستوديوهات الكبرى، مثل “مصر” و”نحاس” و”الأهرام” و”جلال”، لكن ظلت بعض شركات الإنتاج والتوزيع وبعض الأستوديوهات الصغيرة في ملكية أصحابها، وكان من نتيجة دخول العسكر مجال السينما، إنشاء المؤسسة المصرية العامة للسينما عام 1962.

ساءت حالة السينما المصرية بعد التأميم وخسرت الملايين، كما أنّ نشاط المخابرات حينها وسعيها لتجنيد الفنانين، دفع العديدين، مثل يوسف شاهين وفريد شوقي وعاطف سالم، إلى مغادرة مصر فقصدوا بيروت، ولكنهم قدموا هناك أفلاما ضعيفة نسبيا مقارنة بأفلامهم السابقة.

عاد الفنانون لاحقا إلى مصر، وتعاونوا مع القطاع العام الذي فشل فشلاً ذريعاً بسبب ضعف السيولة في الإنتاج، الاستعانة بفنانين أوروبيين أقل خبرة كواجهة لتعاون مشترك، وعدم رعاية دور العرض مما أدّى إلى انصراف الجمهور عنها، وبرز بعدها القطاع الخاص من خلال صفقات مع القطاع العام هذه المرة.

وكرّت سبحة الأفلام المميزة في تلك الفترة مثل “الحرام، “القاهرة 30″، “الرجل الذي فقد ظله”، “صراع الأبطال”، “فجر يوم جديد”، “السمان والخريف”، وكلها مأخوذة عن نصوص أدبية، وفي عام 1967، كانت صدمة الشعب المصري بالنكسة كبيرة، فاستعانت حكومة العسكر هذه المرّة بالسينما، إلى جانب غيرها من الفنون، وعرضت أفلاما تلهي الشعب عن الهزيمة مثل “العتبة جزاز”، “ذئاب المينا”، وفيلم “بلو أب” الأمريكي!

Facebook Comments